(خشبة المسرح مظلمة. صوت ساعة قديمة. يضاء مصباح صغير فوق رجل يجلس في غرفة بسيطة. أمامه طاولة، ظرف مغلق، مرآة قديمة، وبدلة معلقة.)
الرجل:
(ينظر إلى الظرف)
ظرف رسمي…
غريب!
الرسائل التي تصلني عادة تكون من البنك… أو من صاحب البيت… أو من شخص يريد أن يذكرني بأنني تأخرت في الدفع وعلى ارجح فواتير الماء او الكهرباءوالغاز.
أما هذا…
(يفتح الظرف ببط دعوة إلى حفل السيناتور!
(يصمت وينظر للجمهور.)
أنا؟
هل يعقل؟
ربما أخطأوا في العنوان.
ربما هناك رجل آخر يحمل اسمي…
رجل ناجح، غني، له سيارة وحساب بنكي وحذاء لا يخجل من الوقوف أمام الناس.
أما أنا…
أنا لدي اسم رجل مهم… وحياة رجل ينتظر آخر الشهر!
(يضحك.)
لكن لا بأس…
ليلة واحدة لا تضر.
سأذهب.
سأترك هذا الرجل البسيط هنا…
وسأخرج بشخصية جديدة.
سأصبح رجلًا آخر.
(يقف أمام المرآة.)
لكن المشكلة…
أن الرجل الآخر يحتاج إلى ملابس أنيقة.
(ينظر إلى البدلة المعلقة.)
الحل.
البدلة!
يا لها من بدلة!
هذه ليست بدلة عادية.
هذه بدلة عاشت حياة أكثر مني.
ربما حضرت اجتماعات سرية…
ربما صافحت وزراء…
ربما سمعت كلمات مثل "استثمار" و"استراتيجية"
ربما أخذت صورة مع مسؤلين ونجوم
(يرتديها.)
آه…
انظروا!
هل تعرفون هذا الرجل؟
أنا لا أعرفه.
انا لست انا ربما شخص آخر.
قبل دقائق كنت أبحث عن قطعة نقود في جيبي…
والآن أصبحت أبحث عن طريقة أمسك بها يدي حتى أبدو انيقا!
(يمشي بطريقة متكبرة.)
الرجل المهم لا يمشي بسرعة.
لماذا؟
لأن الكل ينتظره.
أما الرجل الفقير…
فيمشي بسرعة لأنه يخاف أن يغلق المتجر قبل أن يشتري الخبز او الحليب .
(ينظر إلى حذائه.)
لكن….
أنت يا حذائي!
لماذا لم تفهم المهمة؟
البدلة تقول: "أنا من أصحاب القرار".
وأنت تقول: "أنا من أصحاب الأقساط المتأخرة".
يا صديقي…
كان عليك أن تتصرف بذكاء.
على الأقل ارتدِ ربطة عنق!
(ينظر إليه.)
لا تنظر إليّ هكذا.
أنت السبب في أنني أخفي قدمي أكثر من وجهي.
(يقف أمام المرآة ويبدأ التدريب.)
المصافحة.
لا تصافح بقوة.
القوة للذين يعملون بأيديهم.
أما أصحاب السلطة…
فيكفي أن يلمسوا يدك حتى تشعر أنك حصلت على موافقة .
الكلام.
نعم الكلام
لا تقل: "لا أعرف".
قل: "لدينا رؤية".
لا تقل: "لا أملك المال".
قل: "نواجه تحديات اقتصادية".
لا تقل: "أنا جائع".
قل: "لدي مشروع غذائي مؤجل".
(يضحك.)
يا للعجب!
لقد اكتشفت سر الكبار…
ليس أنهم يعرفون كل شيء.
بل أنهم يتحدثون بطريقة تجعل الناس يظنون أنهم يعرفون!
(يخرج منديلًا فاخرًا.)
وهذا…
المنديل.
أهم شيء.
نعم
المنديل يقول للناس:
أنا رجل مشغول.
إذا لم أعرف ماذا أقول… ألوّح به.
إذا غضبت… ألوّح به.
إذا نسيت اسم… ألوّح به حتى أتذكره!
(يتمرن أمام المرآة.)
رائع…
أنا جاهز.
(تتغير الإضاءة. يدخل في عالم الحفل الوهمي.)
اطلب الكلمة بكل شجاعة.
أيها السادة الكرام…
أشكركم على استقبالكم الحار.
نعم…
أنا أيضًا سعيد برؤيتكم.
(يصمت كأنه يسمع ردًا.)
ماذا؟
تسألون عن مشاريعي ؟
وهل يخفى القمر
غريب…
الرجل المهم لا يحتاج إلى توضيح .
يكفي أن تدخل إلى الحفل والناس تبحث عن اسمك!
لأن الأشخاص المهمين لا يريدون أن يعرف الجميع أنهم مهمون.
أيها السادة…
لدينا قرارات عظيمة اليوم.
سنحل مشكلة الفقر.
كيف؟
سنشكل لجنة.
وماذا تفعل اللجنة؟
تدرس المشكلة.
ومتى تنتهي؟
عندما تنتهي المشكلة أو عندما تنتهي ميزانية اللجنة!
(يضحك.)
هذه هي السياسة!
ربما
(يتغير صوته. يصبح أكثر غضبًا.)
لا تضحكوا!
أصبحت ربما تضحك.
أنا أعرفكم!
أعرف أسراركم!
أعرف ما يحدث خلف الأبواب المغلقة.
أعرف كيف تتحول الكلمات إلى وعود…
والوعود إلى ملفات…
والملفات إلى صفقات !
أنا أعرف اللعبة!
حتى لو كنت خارج الملعب.
لا لا انا خارج اللعبة
اتركوني اتركوني
لا لا
(يصمت فجأة و ينهض من فراشي حالة ذهول وينظر إلى البدلة العمل القديمة .)
اي البدلة الرسمية؟
أين أنتم؟
أين الضيوف؟
أين السيناتور؟
أين الموسيقى؟
(ينظر حوله.)
لا أحد…
البدلة
لقد استأجرتها لساعات
هذه ليست بدلة رجل مهم.
إنها بدلتي القديمة.
لقد عشت داخلها عمرًا كاملًا.
(ينظر إلى المرآة.)
كنت أظن أنني أحتاج إلى ملابس جديدة حتى أصبح شخصًا آخر.
لكن الحقيقة…
أنني كنت أهرب من الشخص الذي كنت عليه.
(يبدأ يبحث عن الدعوة)
أين الدعوة
أنني لا اجدها
الحقيقة لم تكن دعوة إلى حفل.
كانت دعوة إلى حلم.
حلم كبير لرجل بسيط…
أراد فقط أن يشعر مرة واحدة أن الناس تنظر إليه.
(يجلس.)
غدًا…
سأعود إلى عملي.
إلى مكتبي الصغير.
إلى حذائي القديم.
لكن…
لن أنسى تلك الليلة.
ولو للحظات…
لم أكن الرجل الذي ينتظر الفرصة.
كنت الرجل الذي دخل إليها.
(يبتسم.)
المهم…
أنني عشت ليلة كاملة…
في بدلة رجل آخر.
(يضحك. تتحول الضحكة تدريجيًا إلى صمت.)
إظلام.
النهاية
الكاتب: بلعربي خالد

التعليقات
التعليقات (0)
أضف تعليقاً: