قراءة للقصة القصيرة "الحاشية"
للأديب صابر المعارج
بقلم الأديب الناقد الدكتور أحمد طنطاوي
النص :
الحاشية / صابر المعارج
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
أشد من الموت ذاته، ان يقايضك السفلة
:امتهان جسدك إزاء سد رمقك!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
:
عمو أنا ابن صديقك "البطل" كما تلقبونه.
:-أها! أهذا أنت؟ واتسعت حدقتا عينيه وهو يحملق في وجهي الأبيض الموشى بحمرة والذي يعد نسخة طبق الأصل عن وجه أمي كما يصرح المقربون.
وضع يده على رأسي وشرع يمسح شعري.
:-عمو ممكن صندوقين من الماء؟ سأعمد إلى بيعهما على الرصيف وأسدد لك ثمنها لاحقا
:-بسيطة بسيطة، وأنزل أصابعه على خدي، وبسبابته وإبهامه قرصني مرتين أو ثلاث، وأردف
:تعال ظهرا حيث لايوجد متبضعين!
أصابني دوار، كدت أتقيأ أحشائي، فقدت السيطرة على ساقي، حاولت الانطلاق بأقصى سرعتي؛ تلفت مرعوبا،سقطت، نهضت، انطلقت...
ثمة وحش مفترس يطاردني! ما أن دلفت باب دارنا حتى تلقفتني أمي انطلقت بي إلى الداخل، بدت كقطة متحفزة حملت رضيعها بأسنانها وهربت، وهي تردد
:"يمه سوده عليه يمه! يمه شجاك يمه"!
طرقات على الباب، شدتني أمي بقوة أكثر إلى صدرها، صاحت بصوت متأرجح بين تهديدها للطارق والخوف منه معا!
:من؟
:أنا صديقتك...
أرخت ذراعيها، وأخذت نفسا عميقا...
الشمس تصب جام غضبها على الأرض، رائحة الأسفلت ممزوجة بدخان عوادم السيارات العتيقة خانقة، حبات العرق تتصبب من جبيني إلى فمي في رحلة متواصلة عبر عيني، بين الفينة والفينة أمسحها بكم قميصي، في كفيّ قنينتي ماء الوح بهما للمارين بسياراتهم التي أُحكمت إغلاق نوافذ أغلبها.
لاشك إن أولئك الذين ينعمون بالبرودة داخل مركباتهم لايلتفتون إلى معاناة أمثالي.
وحدهم الذين فتحوا نوافذهم يقبلون على بضاعتي وأحيانا دونما حاجة بهم إليها!
وحول صندوقي المركون على الرصيف والمعد لحفظ الماء والمحشو بقطع الثلج، تحلقوا، تعالت قهقهاتم الممزوجة بمزاح سمج.
أعرفهم واحدا واحدا، حاشية أبي.
كانوا يترددون علي بيتنا برفقة أبي. وماكانوا ينادوني سوى ب "إبن البطل" ! وكنت في سري أعد ملاطفاتهم لي تملقا لأبي!
وقبل أن يستغلوا سيارتهم الفارهة، عمدوا إلى فتح الصندوق، غمسوا أيديهم فيه، رشق بعضهم بعضا بمائه بفضاضة.
وانطلقوا
ضاحكين معلنين عزمهم زيارة ضريح صديقهم البطل .
القراءة
Ahmed Tantawy مرثية باكية لطفل مسكين عرف الحياة فى بواكير الصبا و رســمها دمعة فى
أعين من يقرأ رسمته .
الأدب و الفن _ عبر قصة أو قصيدة أو لوحة _ يجســـــــدان الواقع و الحياة
و السرائر خير من عشرات المقالات.
برع الكاتب بمهارة كاملة فى تصويرالموقف حدثًا و أحاسيسًا بشــــكل جعلنا
( داخل ) الحدث , و لا نراقبه من بعيد انفصالا , و هذه الخاصية أو المقدرة
هى التى تفرق كاتب عن آخر , أى قدرته و مهارته فى إحداث[ الأثر الكلى ]
الذى قال به " إليوت" فى نفس ووجدان القارىء أو متلقى العمل الفنى.
الافتتاحيات هذه هى تمهيد نفسى ووجدانى
تماثل افتتاحيات الأوبرات و قبل أن تُرفع الستارة لتهيىء الجمهور
بتعبيرها التصويرى لما سيشاهده من أحداث
هى الخلفية و الإضاءة المبكرة للمشاهد المحتدمة القادمة
أصدقاء البطل ليسوا أبطالا , و لا يمتون للنخوة بصلة ...
فى فيلم بالغ الدلالة صورالفرق بين من يضحون بأرواحهم ,
و من ينعمون بتضحيات هؤلاء من الجبناء معدومى الشرف
الفيلم هو " زمن حاتم زهران"
"تعالت قهقهاتم الممزوجة بمزاح سمج.
(حاشية أبي.)
وانطلقوا ضاحكين معلنين عزمهم زيارة ضريح
صديقهم البطل."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــخاتمة مرعبة فى تعبيريتها الفادحة , تجبرنا على التصفيق.
هذا الكاتب _ فى تقديرى_ لم يأخذ إلى الآن مكانته التى يستحقها.
الدكتور أحمد طنطاوي

