**قصة قصيرة **ابن صاحبة القصر
***
لست متأكدا من بدايات هذا القصر وساكنيه.، ولا املك حدسا لوضع احتمال لمستقبله ، فالكل غالبا ما يسبقني إن فكرت في يوم ما بأن اتعدى الوقائع لأرسم حدودا أخرى للأشياء.، حدودا ً غير تلك التي أراها وأنسبها للواقع. كبرت في هذا القصر وليس لي ذكريات في بيت سواه، رغم أن أمي تقول : إنها انتقلت بي إليه حين كنت أبلغ الثالثة من عمري. ثلاث مضين في كوخ تحيط به الهموم و تغطيه كل أنواع التعاسة - جديرة بأن لا يتذكرها من عاشها بغض النظر عن عدد سنين عمره، ثم من أين لابن ثلاثٍ أن يحفظ لعشرين تلي؟ فوالدتي هي الأخرى ترفض الحديث عن تلك المرحلة وكأنها نسيت أحداثها بالفعل. صاحب القصر تاجر ثري كان أبوه صديقا لجدي ، وذلك ما دعاه لاحتواء والدتي في قصره بعد رحيل أبي الذي لا أعرفه ولم اره مطلقا، أبي الذي يقولون أنه أودع أمي في كوخ العذابات لسنواتٍ حتى شاء القدر الإفراج عنها برحيله والذي لا أعرف ما المقصود منه ! أتراه هروب ام هجرة أم موت مفاجئ. ما يهم الذين يروون لي تلك الرواية أنه رحل فحسب. أحاطني الرجل برعايته ولم يبخل عليَ بشيء ، حتى إنني لم أكن لأشعر بأنني ابن مدبرة القصر . تفوقت في دراستي بعكس ابنه المدلل الذي يكبرني بعامين وأسبقه بمراحل، فلقد أوشكت على إنهاء دراستي الجامعية وما زال الأمير في الإعدادية. اما الزوجة فبالكاد يراها الساكنون من أهل القصر و خدمه، تقبع في جناحها الفخم لا يخرجها من جوف مواقع التواصل شيء مهما عظم . وفي أية مسألة تخص القصر لا نسمع غير عبارة : اتركوا الأمر لأم سالم فكل الحلول عندها، تلك أمي التي أكاد أجزم أنها توكل إليها أمورا ً تتجاوز دور المدبرة لتتصرف وتتخذ القرار كأنها سيدة القصر الأولى. كل هذا يجعلني أفكر أحيانا بعبور حدود الواقع قائلا ً لنفسي ولو لمرة : ماذا لو ؟ هناك مؤشرات تثير الريبة بداخلي وإن كانت واقعا ً فرض نفسه ، الأب الذي لا أعرف والأم التي انتقلت لقصر ابن صديق أبيها ورعايته لنا ، بل تحميلنا مسؤوليات ثقال لا يتحملها ابنه و زوجته وكذلك حرص أمي على عدم الخوض بماضٍ عاشته مع الزوج المزعوم. تشجعني هذه الأشياء أن أقول ماذا لو ؟ لو ان صاحب القصر ارتكب الخطيئة مع أمي التي كانت أصلا خادمة في قصر أبيه الذي يحترم جدي الفلاح في حديقة القصر، فليس هناك خلاص سوى تجنب الفضيحة ،و بسبب الفارق بين العائلتين سيكون الحل بأن يرعى الرجل هذه السيدة وابنها الذي لم يحصل على فرصة اجهاضه.. ذلك الذي صار فيما بعد : أنا! ماذا لو اتفق الطرفان على أن لا يمنحني الرجل اسمه شانه شأن تلك العناية والمودة ، وقد قبلت أمي على مضض فهذا حل أهون من كل النتائج المحتملة الأخرى ، وكان ضمن الاتفاق أن يبقى السر بعيدا عن مسامعي ليتم اختلاق قصة الاب الظالم الذي أنصفنا القدر من قسوته برحيل ابدي. تلعب امي الدور الأكبر في القصر دون اعتراض سيدته الأولى ، تقرر ما تشاء و تفعل ما تريد وتفرض رأيها في أية قضية كانت دون اعتراض من أحد بل يلقى الترحاب ما تقول وتفعل. يتباهى الرجل بنجاحاتي ويفخر أمام مجتمعه المخملي بي دون أن يذكر اسم ابنه الفعلي ، ماذا لو أن هناك بالفعل شيء مريب؟ أتراه سيترك لنا في وصيته شيئا من ثروته العظيمة أم أن الاتفاق لم يتطرق لهذا ؟ وهل هناك أمد محدد لمكوثنا في القصر ومن ثم اختلاق قصة جديدة لإزاحتنا منه ، كتقاعد إجباري لمدبرة القصر مثلا ، فما كان من الواجب ان يكون فضيحة مر عليها عقدان من الزمن ، أصبح درسا في الفضيلة! ماذا لو كان ما اقترضه هو الحقيقة ، الحقيقة التي تغير كل الصور في ذاكرتي ، فأنا ابن زنا أنجبته شابة خضعت لإغراءات سيدها الذي تقوده غريزته لأي طريق مهما كلفه الأمر متسلحا باسم عائلته وثروتها. أما زوجته فلم يكن يرضها سوى حل وسط لا يؤذي مشاعرها ويجنبها الاحراج بين قريناتها من بنات العوائل الغنية بأموالها وأملاكها، الفقيرة بباقي الأشياء . ماذا لو كانت هناك قصة أخرى لا تشبه هذا الواقع ولا حتى ما افترضته أنا ؟ أنا مؤمن بأن هناك ما يخفيه الجميع عني ولكنني لا أعرفه ، و في كل الأحوال سأظل أجهل البدايات ولا أدرك سوى ما يقال عنها والحقيقة المطلقة عندي هي تلك المنطقة الوسطى التي نكمن الآن فيها جميعا، فكيف لي بمعرفة خاتمة ما أجهل بداياته؟
***
رافع الفرطوسي / البصرة / 2022

