أ. د. لطفي منصور
مقال بعنوان:
نظرة في اللغة
نَظْرَةٌ في اللُّغَةِ:
الْعَرَبُ تَحْمِلُ اللَّفْظَ وَالْمَعْنَى عَلَى الْجِوارِ:
يَقُولونَ: هَذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ. جَرُّوا كَلِمَةَ خَرِبٍ الَّتِي حَقُّها أنْ تُرْفَعَ، لِأَنَّها نَعْتٌ لِكَلِمَةِ “جُحْرٌ” الْمَرْفوعَةِ عَلَى الْخَبَرِيَّةِ لِاسمِ الْإشارَةِ هَذَا. يَفْعَلونَ هذا لِلْمُجاوَرَةِ، أَيُ مُجاوَرَةِ خَرِبٍ لِضَبٍّ، لِسُهُولَةِ اللَّفْظِ، وَصُعُوبَةِ الانتِقالِ مِنَ الرَّفْعِ إلَى الْجَرِّ. فَحَمَلُوا الرَّفْعَ عَلَى الْجَرِّ.
وَمِثْلُ هَذا وَقَعَ عِنْدَ اُمْرِئِ الْقَيْسِ في مُعَلَّقَتِهِ في وَصْفِ الْمَطَرِ قالَ: الطَّويل
كَأَنَّ ثَبِيرًا في عَرانينِ وَبْلِهِ
كَبيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مُزَمَّلِ
(هُناكَ رِوايَتانِ أُخْرَيانِ ذَكَرَهُما أبو جَعْفَرٍ النَّحاسُ (ت ٣٢٨هج) في شَرْحِه لِديوانِ الشّاعِرِ.
ثَبيرٌ : اسْمُ جَبَلٍ في مَكَّةَ؛ الْوَبْلُ وَالْوابِلُ الْمَطَرُ الشَّديدُ، عَرانِين: الْأَوائِلُ، جَمْعُ عِرْنِينِ وهوَ الْأَنْفِ، لِأَنَّهُ مُقَدِّمَةُ الْوَجْهِ، كَبيرُ أُناسٍ : زَعيمُهُمْ، وَلا أقِبَلُ رِوايَةَ الشَّيْخِ الْهَرِمِ، كَبيرُ الْقَوْمِ زَعيمُهُمْ، الْبِجادُ: نَوْعٌ مِنَ الْقُماشِ ؛ مُزَمَّلِ مُلْتَفٍَِّ بِالْبِجاد).
جَرَّ كَلِمَةَ مُزَمَّلِ عَلَى الْجِوارِ، وَحَقُّها الرَّفْعُ لِأنَّها نَعْتٌ لِكَبير.
وَقالَ آخَرُ مِنْ مَجْزُوءِ الْكامِلِ :
يا لَيْتَ شَيْخَكَ قَدْ غَدَا
مُتَقّلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحَا
الرُّمْحُ لا يُتَقَلَّدُ، وَإنَّما قالَ ذَلِكَ لِمُجاوَرَتِهِ السَّيْفَ. وَجاءَ في الْقُرْآنِ الْكًَرِيمِ : “فَأَجْمَعُوا أَ
مْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمُ” (يونُس آية ٧١). لا يُقالُ أَجْمَعْتُ الشُّرَكاءَ، وَإنَّما يُقالُ: جَمَعْتُ شُرَكائِي، وَأَجمَعْتُ أَمْرَهُ، وَإنَّما قالَ ذَلِكَ لِلْمُجاوَرَةِ.
وَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: "اِرْجِعْنَ مَأْزًُوراتٍ غَيْرَ مَأْجُوراتٍ" في مَنْعِ النِّساءِ زِيارَةَ القُبورِ والْمَشْيَ في الْجَنازَةِ. أَصْلُ مَأْزُوراتٍ مَوْزوراتٍ، مِنَ الْوَزْرِ وَهُوَ الْإِثْمُ. أيْ ارْجِعْنَ آثِماتٍ لَيْسَ لَكُنَّ مِنَ الْأَجْرِ شَيْءٌ. وَإنَّما قالَ مَأْزُوراتٍ بَدَلَ مَوْزوراتٍ لِلْمُجاوَرَةِ.
وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الشَّيْءَ بِاسْمِ غَيْرِهِ إذا كانَ مُجاوِرًا لَهُ، وكانَ مِنْهُ بِسَبَبٍ. كَقَوْلِهِمْ: رَعَيْنا الْغَيثَ بَدَلًا مِنَ الْكَلَإُ، لِأَنَّهُ سَبَبٌ مِنَ الْغَيْثِ،
وَجاءَ في الْقُرْآنِ: “يُرْسِلُ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارا” أَيْ الْمَطَرَ. أَوِ الْآيَةُ:”إنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْرًا” أَيْ عِنَبًا لِأَنَّهُ سَبَبُ الْخَمْرِ.
وَفي الأَمْثالِ أَيْضًا نَقُولُ: فُلانٌ عَفيفُ الْإزارِ أيِ الْفَرْجِ.
وَمِنْ سَنَنِ الْعَرَبِ وَصْفُ الشَّيْءِ بِما يَقَعُ فِيِهِ، أوْ يَكونُ مِنُهُ، كَقَوْلِهِ تَعالّىَ:
“في يَوْمٍ عاصِفٍ” أَيْ يَوْمٍ عاصِفِ الرِّيحِ. أوْ كَما نَقولُ:
لَيْلٌ نائِمٌ، أَيْ يُنامُ فِيهْ. أوْ لَيْلٌ ساهِرٌ، أَيْ يُسْهَرُ فِيهِ، وَكَذَلِكَ نَهارٌ صائِمٌ أَيْ يُصامُ فِيهِ.
——-
يُنْظَرُ كِتابُ فِقْهِ اللُّغَةِ لِأبي مَنْصور الثَّعالِبي، وَمُعْجَمِهِ، وَدَلِيلِهِ.

