-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

هزة جذع (قصة قصيرة) الأديب عبد الرحمن بن الياس

بفضلِ اللهِ قصتيَ الجديدةُ على صفحاتِ العددِ ٦١ لصحيفةِ أوروكٍ الصحيفةُ المركزيةُ لوزارةِ الثقافةِ العراقيةِ. 

وهذا نصُّ القصةِ، أرجو لكم قراءةً ممتعةً. 


هزةُ جذعٍ  (قصةٌ قصيرةٌ) 


قدْ لا تسعفُنا اللحظاتِ، ولا تعتبُنا الليالي، ولكنَّها حتمًا ستظلُّ ملامحُ بعضِهم موشومةً فينا كوشمِ عجائزِ قريتِنا الأخضرِ الذي يعانقُ أجيادَهنَّ منذُ سنينٍ، تدورُ رحى الأيامِ فتطحنُ مشاعرنَا وتجعلُها دقائقَ لا ترى بعينِ القلبِ ولا يمكنُ ليدِ الحسِّ لمسَها.. نبَّهنيَ بردُ الدموعِ التي غالبتْ سدودَ جفونيَ وأنا أقلبَ الأوراقَ البالياتِ التي كنتُ أخطُّها أيامَ خلوُّ حضنيَ من عزّةَ، كانتْ أيامًا عسيرةً اتَّقدتْ بدميَ ووجدتْ لتميتني لكنَّها الدنيا تلبسُكَ سترةَ الإعدامِ.. ثمَّ تتدلى على الحبلِ.. يزرَّقُ عنقُكَ.. تعدُّ ثوانيَكَ الأخيرَةَ.. تطلبُ الهواءَ فيعزُّ كالصدقِ.. فتضيءُ القاعةَ معلنةً انتهاءَ المسرحيةِ. 


عزّةُ تلكَ الفاتنةُ التي سرقتْ روحيَ أولَ مرةٍ رأيتُها ثمَّ ركضتُ وراءَها لاهثًا علَّها تعيدُه.. وما أفلحتُ، وأزهرتْ رياضُ حبِّيَ لها وتماها قلبانا كالخمرِ والماءِ فلمْ يعدِ الفكاكُ ممكنًا، ولا أدري مَن سولَ لي حينَ قلتُ لها وأنا بجانبِ بيتِهم: في الساعةِ التاسعةِ عندَ البئرِ القديمِ، ثمَّ ضحكتْ متبخترةً واحمرَّ خداها. 


لمْ تأتِ في اليومِ الأولِ ولكنّي بقيتُ هناكَ حتى الصباحِ، في طريقيَ إلى حقلِ الذرةِ رأيتُها بفستانِها الليلكيِّ كأميرةٍ أسطوريِّةٍ تزهرُ الأرضُ خلفَها حتى أنِّيَ أنقلُ أقداميَ بحذرٍ كما الصيادُ خوفًا على الوردِ، فقالتْ: 


ـ على موعدَكَ عندَ البئرِ القديمِ ولكنَّها اليتيمةُ. 


أجبتُها وأكادُ أشرقُ بضحكتيَ: 


ـ هي منى القلبِ ولو أنِّي أموتُ بعدَها لا ملامةَ. 


لمْ تتغيرْ صرامتُها المصطنعةُ وغادرتْ نحو حقلِهم الذي لسوءِ الطالعِ كانَ بعيدًا عن حقليَ. 


أمضيتُ اليومَ مشدوهًا عقليَ تعلقَ بأذيالِ عزّةَ وقلبيَ هرعَ نحوَ البئرِ القديمِ، فمرةً يطفو الماءُ في طرفِ الحقلِ ومرةً ترعى فيهِ الأبقارُ السائبةُ ولا أحسُّ إلّا بصياحِ جاريَ عليهنَّ. 


لمْ أكدْ أنهي عشائيَ حتى قبلتُ جبينَ أمّيَ وقلتُ لها: سأتأخرُ اليومَ عندَ أصدقائيَ وحثثتُ خطايَ إلى البئرِ. 


بقيتُ هناكَ ساعتانِ أناجي الورودَ التي نبتتْ على سورِ البئرِ المعطلِ الذي استغنتْ القريةُ عن خدماتِهِ فثوى كقائدٍ عظيمِ انتهتِ الحربُ فهمشتْهُ الدولةُ، لمْ أشعرُ أنّي على الأرضِ إلا حينَ لامستْ يدُها الأندى من الطلِّ كتفي اليبابَ فأحيلَ روضًا يانعًا ثمَّ جلستْ بجانبي مطرقةً لا تنبسُ ببنتِ شفة. 


قلتُ لها محاولًا جنيَ الكلماتِ من نخلتِها الباسقةِ: 


ـ مالكِ لمْ تأتِ البارحةُ؟ 


فقالتْ بصوتٍ كالهديلِ بالكادِ سمعتُهُ: 


ـ ببساطةٍ؛ لأنّي لمْ أرغبْ في المجيء! 


ـ ولمَ لمْ ترغبي؟ 


ـ كنتُ خائفةً. 


ـ أتخافينَ من المطر؟ 


ـ كلا، أخافُ البرقَ والرعدَ. 


ـ ما الذي أتى بكِ اليومَ إذنْ؟ 


ـ الشوقُ، الخوفُ، الأملُ. 


هززتُ رأسيَ ضاحكًا مستغربًا تناقضَها وعفويتَها اللطيفةَ وأمضينا ساعةً أرنو إلى عينيها وتشيحُ عنيَّ، أحاولُ اختزانَ أكبرَ قدرٍ من لطافتِها لليومِ التالي لمْ أدركْ حينها أنْ لقاءَ البئرِ سيكونُ يوميًا ويؤدي بيَ إلى مهالكَ لمْ أتخيلْها. 


ذهبتُ إلى حقلِيَ فجرًا أثبُ نشاطًا وفرحًا وبثثتُ سريَّ للماءِ والفراشاتِ ولسببٍ قررتُ أنْ أدونَ لقاءَنا. 


قصدتُ البئرَ مساءًا حاملًا دفتريَ والأقلامَ بلا مدادٍ سوى دميَ، واتكأتُ على الجدارِ المتهالكِ أكتبُ ما شهدَ علينا بهِ أمس، وبينما أنا فرحٌ أرسمُ لقاءً فردوسيًا حملَ النسيمُ عطرًا لا أخطئُهُ إنّهُ عبقُ عزّةَ. 


ما الذي أتى بها تُرى؟ خالجتْني فرحةٌ بنكهةِ الخوفِ، الخوفُ من المجهولِ فسألتُها ما إنْ جلستْ قبالتي: 


ـ ما الخطبُ؟ أجابتْني وهي تغطي الخصلَ الهاربةِ من الملفعِ: 


ـ لا أدري، لكنَّ شيئًا أرغمَني على المجيءِ. 


ـ ألا يمكنُ أنْ يكونَ الشوقُ. 


ـ قلتُ لكَ لا أدري، قالتْها وافترتْ شفتاها عن بردٍ أضاءَ عتمةَ المكانِ. 


توالتْ بعدَها اللقاءاتُ عندَ البئرِ القديمِ دونَ موعدٍ، نتناجى.. نقبلُ النسيمَ الذيَ يسورُنا.. نهدي الفراشاتِ التائهةِ.. نقيلُ عثرةَ الطيورِ المهاجرةِ، ونكتبُ لقاءَنا بدمانا. 


تأملتُ مرةَ عينيها البنيتينِ طويلًا ثمّ باغتُها كعقابٍ انقضَّ على فريستِهِ: 


ـ أتحبينَني؟ فارتبكتْ.. تلعثمتْ.. ضاقَ بها الفضاءُ ثمَّ قالتْ: 


ـ لا أحبَّكَ! ولكنْ أنا زهرةٌ أنتَ ماؤُها، وطيرٌ أنتَ جوُّهُ، وحوتٌ أنتَ بحرُهُ، وطفلٌ أنتَ أمُّهُ الرؤومُ، وليلٌ أنتَ بدرُهُ، مملكةٌ أنتَ حاميها، وقلعةٌ أنتَ بانيها، وجنةٌ أنتَ ساكنُها، وجريحٌ علاجُهُ نظرتُكَ، وميتٌ إحياؤُهُ كلامُكَ، وأنتَ دميَ الأبيضُ. 

ضحكتُ مستغربًا، متفاجئًا من هذهِ السمفونيةِ التي يعجزُ عنها بيتهوفنٌ ويموتُ إنْ سمعَها شوبان، كيفَ استطاعتْ أنْ تنظمَ الكلماتِ بهذهِ البراعةِ، هي التي لمْ تسمعْ بقيسٍ ولا عروةَ ولا روميو، ولمْ تعرفِ الرافعيَّ ولا المتنبيَ ولا أوسكار وايلد، وعجزتُ أنْ أردَّ أنا الذي قضى سنيَّهُ الثلاثينَ بينَ الأشعارِ والكتبِ ومُلئَ دمُهُ أغانيًا وأدركتُ كيفَ يرمي القضاءُ الأسودَ بأعينِ الجآذر. 

بعدَ سنةٍ من تلاقينا قررتُ خطبتَها فاسشتهدتُ البئرَ والفراشاتِ والعصافيرَ والليلَ والنسائمَ ونويتُ إخبارَ أمّيَ. 

لا.. واكفهرَّ وجهُها.. وتعرَّقَ جبينُها.. ونظرتْ إليَّ نظراتٍ كالخناجرِ و قالتْ: 

ـ لا يابنيَّ، إلّا عزّةَ. فغرتُ فايَ كمنْ أسقطَ في يدِهِ، وكأميرٍ خانَهُ جندُهُ وكريمةٍ قتلَها هوانُ السبيِّ واستفهمتُ: 

ـ عزّةُ يا ماما منى القلبِ ومنتهى شغلِهُ فلمَ لا تريدينَها؟ 

ـ ألا تعرفُ أمّها؟ هذهِ ابنةُ إيمانَ التي لو مشتْ على الماءِ لتكدرَ، ونظرتْ للمطرِ لأقلعَ، ولو مسّتْ حريرًا لتنجسَ، عرقُها خبيثٌ لا تدخُل بيتِي من تمتُ لها بأدنى صلةٍ، ولا تعدِ الأمرَ عليَّ ثانيةً فلنْ تسمعَ غيرَ ما سمعتَ. 

أمّيَ التي لمْ تقسُ عليَّ قبلَ اليومُ ولمْ تُخشّنْ ليَ الكلامَ أبدًا، مَن يخجلُ الوردُ من رقّتِها، ويغارُ المسكُ من عرفِها، ويتوارى المزنُ من كرمِها تقولُ هذا؟! ما رفضتْ ليَ طلبًا منذُ أنْ تُوفي والدي واهتمتْ بنا هيَ، وسهرتْ كي أنامَ، وتكادُ تموتُ كي أحيا! 

حاولتُ أنّ أغيّرَ رأيَها مرارًا، واستعنتُ بأختيَ الكبرى، وخاليَ وعماتيَ، بلْ حتى شيخُ القريةِ وكبيرُها الذي لم يُرفضْ لهُ طلبٌ، لكنَّها كانتْ أثبتُ من ثبيرٍ ولمْ تغيرْ كلامَها الأولَ ولمْ تزدْ عليهِ. 


عرفتْ عزّةُ ما أخفيتُ عنها وانهمرتْ سحائبُ دمعِها لهوانِ أمِّها مرةً ولسوادِ حظّنا مراتٍ، والأسوءُ أنَّ أمَّها علمتْ ففعلتْ بها كما فُعلَ بيَ. 


وكما توقعتمْ زوجتْنا أُمّانا بأقربِ فرصةٍ سانحةٍ إرضاءً لعداواتٍ قديمةٍ أو اعتقاداتٍ واهيةٍ، وظنَّ الجميعُ أنّنا سنتألمُ أيامًا وربما أعوامًا لكنْ ينتهي الأمرُ بالتأقلمِ مع الزيجةِ المدبَّرةِ نظرًا لطولُ الرفقةِ وواجبِ المودةِ.. لكنْ هيهات. 


مرّتْ الأيامُ وقلبِي يسايرُ الحياةَ وردةً تتقلبُ على الجمرِ، وحرًا سيمَ خسفًا وأرادَ أنْ يمتعضَ فتذكرَ أنَّ أطرافَهُ قُطّعتْ.. ولمْ أسألْ عن عزّةً أبدًا طيلةً عشرينَ عامًا ولمْ أحاولْ معرفةَ أخبارِها مع أنَّ قلبِي يغلي شوقًا إليها، ويهفو للقائِها كالرضيعِ الذي غابتْ أُمّهُ عنه أيامًا، ونفسي تتوقُ الظفرَ بها كما لو كانتْ هيَ الجنةُ.. ولمْ أذكرِ اسمَها أبدًا إكرامًا للمرأةِ التي لا تعرفُ عنها شيئًا وتظنُّ أنّها شغلُ قلبِيَ الشاغلُ هيَ التي كلُّ ما تعرفُهُ شابٌ من قريةٍ مجاورةٍ تزوجَها وهامَ بها وجعلَها ملكةً. 


البئرُ القديمُ صارَ مزارًا وملاذًا ومهربًا كلَّما عصفتْ


بيَ الأيامُ، اتوسلُ طيفَها هناكَ واشمَّ عبقَها القديمَ الذي لمْ تزلْهُ الأيامُ. 


كنتُ قاربتُ الأربعينَ وعزّةُ كذلكَ؛ فهيِ تصغرُني بأشهرٍ، وهواها لا يزالُ شعلةً تنيرُ دهاليزَ قلبِي المظلمةَ ولا أزالُ أبكي عليها كلَّما اختليتُ بنفسِي وخيالُها، وكانْ حدسِي يخبرُني أنَّها تفكرُ بي وحدسي لم يخيبْ ظنيَ أبدًا، وفي لحظةٍ نحسةٍ على العالمِ ومفرِّجةً عليَّ حدثُ مالم يكنْ بالحسبانِ.. 


القريةُ يسوّرُها الحزنُ وتملؤها الكآبةُ والأسفُ فزوجُ عزّةَ قتلَ في الحربِ قتلةً مروِّعةً أسفَ لها كلُّ منْ رآهُ أو سمعَ بهِ، وهو رجلٌ شجاعٌ كريمٌ أبيٌّ لمْ يؤذِ أحدًا وكانَ مخلصًا لوطنِهِ في زمنٍ عزَّ فيهِ المخلصونَ وسمعتْ الناسَ يصفونَهُ بالصفيِّ النقيِّ، ولابدَّ أنَّ عزّةَ حزنتْ عليهِ.. أمّا أنا فطرتُ فرحًا ثمَّ سقطتُ على الأرضِ من شاهقِ التأنيبِ. 


بعدِ انتهاءِ عدةِ عزّةَ بأشهرٍ ومرورِ سنةٍ على وفاةِ زوجِها قررتُ أنْ أراها لأولِ مرةٍ منذُ زواجِها فذهبتُ إلى بيتِ أختيَ القريبِ من بيتِ أهلِها وسألتُ أختيَ عنها فأخبرتْني أنَّها تأتي كلَّ جمعةٍ فطلبتُ من أختيَ أنْ تدعوها إلى بيتِها المرةَ القادمةَ. 


فوجئتْ بدخولي الغرفةَ وهبّتْ قائمةً تريدُ الخروجَ ولكنّي توسلتُها لأبيّنَ لها الأمرَ فجلستْ بعدَ إلحاحي وأختيَ، كانتْ هيَ كما تركتُها، وكأنَ العشرينَ لمْ تغيّرها، سوى مسحةِ الفقدِ البينةِ عليها، قالتْ ليَ بعدَ هنيهةٍ: 


ـ ماذا تريدُ؟ أنتَ رجلٌ متزوجٌ ولديكَ أطفالٌ ولا تنسى أنَّ أمّكَ التي انتقصتْ أمّيَ حيّةً، ما الذي تبغيهِ من أرملةٍ دفنتْ حبَّكَ من سنينَ؟ 


أجبتُها ودمعي حشرجَ كلاميَ: 


ـ أريدُ الزواجَ منكِ. 


ـ أأنتَ مجنونٌ. 


ـ نعم. 


ـ لا أريدُ أنْ آسفَ على أيامِكَ القديمةِ الجميلةِ ولا تحملْني ما لا أطيقُ. 


ـ سأبذلُ ما يرضيكِ، لنْ أضيعَكِ ثانيةً. وكأنَّ هذهِ الكلمةَ فتَّتْ صخورَ الأيامِ التي ردمَتْ بهنَّ حبِّيَ، فقالتْ. 


ـ يرضيني أنْ تكونَ بعيدًا عن أمِّكَ وزوجتِكَ وأطفالِكَ. 


ثمَّ غادرتْ المنزلَ وأثناءَ خروجِها لامستْ يدُها دونَ قصدٍ يديَ فأعادتْني إلى سابقِ العهدِ. 


بقيتُ أشهرًا أقنعُ أمّيَ بالزواجِ من عزّةَ ولمّا بالغتْ 


في منعِيَ هدّدتها بالانتحارِ وقتلِ نفسيَ وأطفالِيَ فوافقتْ خوفًا علينا من طيشِ عقلِ ابنِها الذي تعرفُهُ جيدًا. ولم تتدخلْ أمُّ عزّةَ في الأمرِ بتاتًا فلمَ يبقَ أماميَ إلى عتبةٌ عظيمةٌ وهي زوجتِي ولكنْ أرجأتُها حتى أفكرَ في طريقةٍ لا تجرحُها هي التي ما جرحتْني أبدًا والتي أفنتْ عمرَها لإرضائِيَ. 


لمْ نشهرِ الأمرَ ولمْ يعلمْ أحدٌ إلّا أمّيَ وأختيَ وعزّةُ وأمُّها، وكنتُ اتفقتُ وعزًةَ أنْ نبنيَ بيتَنا عندَ البئرِ إكرامًا لتلكَ الحياةِ التي عاشَها معنا ورسمَ لوحةَ عشقِنا، وباشرتُ في بناءِ الدارِ. 


تمَّ كلُّ شيءٍ.. المنزلُ، عقدُ القرانِ، تحضيراتُ العرسِ ولمْ يبقَ إلا إخبارُ زوجتِيَ فدخلتُ عليها الغرفةَ وقبلتُ جبينَها ثمَّ قلتُ لها: 


ـ تعلمينَ أنّيَ أحبّكِ كثيرًا، وأحترمُكُ وأنتُ هبةُ ربّيَ العظيمةُ ولكنْ يضطرُ المرءُ أحيانَا لأمورَ لا حيلةَ لهُ بها. وأشارتْ ليَ بيدِها وقالتْ والدمعُ ينهمرُ على خديها: 


ـ أعرفُ ما ترمي إليهِ، الزواجُ؛ لقدْ سمعتُ حديثَكَ وأمِّكَ، ولنْ أمنعَكَ، أنا أحببتُكُ بجنونٍ ومنذُ زواجِنا كنتُ حينَ أقولُ لكَ: أموتُ من أجلِكَ، أعنيها ومستعدةٌ لها، لنْ أقولَ لكَ لنَ أغارَ ولا أخفي كرهيَ لعزّتِكَ ولكنْ لا أقفُ في طريقِ سعادتِكَ الذي قتلَكَ سنينا. 


كدتُ أموتُ دهشةً هي التي تغارُ من أمّيَ وأخواتِيَ تقولُ هذا الكلامَ. 


انتهى عرسٌ لمْ تشهدِ القريةُ مثلَهُ ولنْ تشهدْ، تعمدتُ جعلَهُ مختلفًا وبالغتُ في كلِّ شيءٍ فيهِ والغريبُ أنَّ زوجتيَ كانتْ فرحةً كواحدةٍ من أخواتيَ، كامرأةٍ لا تعرفُني، ودخلتُ الغرفةُ وعزّةُ تنتظرُني، بكينا كثيرًا وتعانقْنا بشدةٍ حتى امتزجتْ دموعُنا وأرواحُنا وقضينا ساعةً ملتصقينِ ببعضٍ لمْ ينبِّهنا إلى وجودِنا إلّا طرقاتُ البابِ بأنَّ العشاءَ قدْ حانَ.. كانتْ زوجتِيَ من جاءتْ بهِ وتعشينا معًا وقدمتْ لنا ما نشتهيْ وقبلَ أنْ تغادرَ قالتْ: 


ـ الط...، ولنْ... ثمَّ سقطتْ هيَ وعزةَ على الأرضِ. 


عبدالرحمن بن الياس.

عن محرر المقال

ليلى احمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية