الصعود من باب العامود
بعد عناءٍ شديدٍ ووقتٍ ثقيلٍ وصل مُجاهِد إلى باب العامود (بوابة دمشق)، في القدس.
أدرك أنه كان من الأفضل له لو رافق صديقه التركي، الذي دخل عن طريق المطار، ومرّ إلى القدس من شقّها الغربيّ، وسرعان ما طمأنه بأنه وصل إلى المسجد الأقصى قبل صلاة الجمعة بكثير.
آثر مجاهد أن يركب الحافلة من الجسر، ليمرّ مع جموع القادمين من مناطق الضفة الغربية للصلاة في الأقصى.
إجراءات التفتيش والعبور من حاجز قلنديا بطيئة ومذلّة ومهينة، لكنها تزيد الفلسطينيين صبرًا وإصرارًا وعنادًا، وستزيد سجّانيهم أسًى وعزلةً، واحتقارًا لأنفسهم.
وقف مجاهد ينظر بدهشة إلى باب العامود، وأرضه المرصوفة بالحجر، الذي صار أملس لكثرة طارقيه. أخذ يحدث نفسه: ما هذا الجمال؛ عتيق لكنه عبق، صلد لكنه حيّ، يفرد جناحيه كنسرٍ حانٍ يحتضن السماء والناس؟!
كنت أرى صوره وجلبة الحياة في أرجائه، فأظنه كأيِّ سوقٍ في مدينة من مدن الشرق.
سبقتُ القافلة الصاعدة إلى جبل المكبّر، وجلستُ على الدرج أتأمل الباب العظيم.
ثم رحتُ أتجوّل قربَ حافة الدرج؛ ثمة مفارش وبسطات كثيرة تبيع فيها النسوة كلَّ شيء، يفترشن الأرض ببضائعهن، يبعن العسل، والأعشاب العطرية، وبعض أصناف الفواكه المميّزة والخضراوات الورقية، والعبايات، والسجاجيد، والألعاب، والأحذية، ...
لكن بسطةً واحدةً بينها كانت لافتة للنظر والانبهار، بألوانها، وبما فيها من المسابح، وعلّاقات المفاتيح والميداليات، وحليّ الخرز، وتتزيّن بأشكال متنوّعة لخارطة فلسطين وعلَمها، وقبة الصخرة، بتنسيق لطيف.
صاحبتها فتاة متحجّبة، تقضي وقتها في نظم الخرز وترتيبه، وتصنع عقدًا منها، وتقصّ الزائد من الخيوط بمقصّ صغير، وتعرضها للبيع بتنسيقها الجميل.
كم كان منظر علب الخرز الملونة لطيفًا وسط هؤلاء الباعة المتنوّعين!
دخلنا المسجد المبارك مسرعين، ومكثنا نستكشف ما فيه حتى صلاة العصر، ثم عدنا أدراجنا من باب العامود، نسير على مهل وسط زحام المحققين أمنياتهم، المغادرين باشتياق إلى جديد التلاقي، وجزعًا من خوف الفراقِ.
وفي أثناء سيرنا توقّفتُ لأتذوّق الكعك المقدسيّ، وأشرب ماءً وعصيرًا، وأتأمل
طوال الطريق المستقيم المحلات التجارية وفوقها منازل الصامدين من أهل القدس العتيقة، تصطفّ على واجهات هذه المحلات أنواعٌ من الملابس للرجال وللنساء، كالعبايات والدشاديش.
ما أن وصلت قرب بوابة باب العامود، وتوقُفت قليلًا حتى حدثتْ جلبة واضطراب، وأزّ صوت الرصاص فوق رؤوسنا. انبطحنا أرضًا فيما كان أفراد الشرطة يطاردون فتًى فلسطينيًّا ملثّمًا يتنقل بين البسطات.
أخذت أرقبه بحذر حتى وصل إلى بسطة الخرز، واحتمى بالفتاة صاحبتها، في الوقت الذي وصل إليه شرطي وشرطية، حاولا الإمساك به، ولما أرادت الفتاة حمايته منهما تجرّأت الشرطية وشدّت حجابها عن رأسها. أخذت الفتاة تجذب حجابها وتحفظ لنفسها حجابها، لكن الشرطية كانت أقوى منها، فمزّقت حجابها وهي تضحك بهستيريا.
في تلك اللحظة استدارت الفتاة إلى بسطتها، وتناولت المقصّ. لحقت بالشرطية وغرزته برقبتها، وطعنتها عدّة طعنات متتالية، فسقطت قتيلةً تحت قدميها.
لم تقف الفتاة المستأسدة عند ذلك الحدّ، بل هجمت على الشرطي المشدوه وأردته قتيلًا أيضًا قبل أن يفيق من صدمته.
لكن قوة معزّزة متحصّنة من خلفهم صوّبت إليها نيرانًا قاتلةً، فوقعت على البسطة، وانقلبت إلى الأمام فوق أكوام الخرز. أسلمت روحها وهي تحتضن علبة من الخرز الملوّن بألوان فلسطين. انتشى الخرز بدمها الزكيّ، وتخضّب بحمرته القانية.
... يا له من صعود من باب العامود!
