-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

الأديب علي بنساعود، ودراسته النقدية في قصة (قمقم )للأديب: نبيل النجار... حين يقلد المغلوب غالبه

 حين يقلد المغلوب غالبه

منقول من واحة القصة القصيرة

دراسة نقدية للأستاذ الأديب/ علي بنساعود
في قصة : قمقم
للأديب/ نبيل النجار
_______
"القمقم" نص قصصي ممتع ومشوق، صاغه القاص السوري "نبيل النجار" بحرفية عالية، جعلته مؤثرا إلى درجة أن القارئ يجد نفسه متورطا في تقمص دور الشخصية_المرأة_الضحية، متعاطفا معها، مستشعرا ما تحس به مهانة وظلم وألم واحتقار...
وهو نص يصور بمهارة تعنيف زوج سادي لزوجته، لمبررات واهية، وهو تعنيف، كما تشي القصة بذلك، تعودت عليه الزوجة، وتحملته بصبر وجلد، لكنها هذه المرة، وجدت نفسها ترد عليه بعنف مضاد، بحيث تطعن زوجها بشطية زجاجية، فيهوي جثة هامدة، لتواصل جلد جثته والتمثيل بها...!
هذا، ويهمنا في هذه القراءة أن نتوقف عند مجموعة نقط أهمها:
_في جمالية العنوان:
الجميل في عنوان هذا النص (القُمْقُم) هو أنه ذو بعد رمزي، انتقاه الكاتب بذكاء وعن "سبق إصرار وترصد" ليشحنه بمجموعة من الأفكار والدلالات، جعلته معبرا عن رؤيته للعالم عامة وللموضوع بصفة خاصة...
و"القمقم" في النص لقب أطلقه الكاتب على شخصية الرجل_الزوج، وحسب المعجم، فإن الـ"قُمقُم: وِعَاءٌ خُرَافِيٌّ كَانَ مَحْبَساً للمردَة من الشَّياطين..." وهذا يعني أن الكاتب قد سحب عن الرجل_الزوج إنسانيته وشَيَّأَه (il l’a chosifié)، حين اعتبره مجرد وعاء (شيء)، لكنه ليس وعاء/ محبسا للمردة من الشياطين بل وعاء للحمولة الثقافية للزوج، ومحبسا لما يعتمل داخله من مكبوتات واستبداد وعنف وفكر ذكوري متعفن مستكبر متجاوز للحدود (وهي المعاني عينها التي تحيل عليها عبارة "المردة من الشياطين"، وبذلك، يكون الكاتب، ومنذ عتبة العنوان "القمقم" قد قدم لنا، شخصية الزوج مختزلة، ولفت انتباهنا لشخصيته غير الطبيعية_السوية، وهيأنا، نحن معشر قرائه، لما سيسفر عنه انفجاره من عنف ولَكْمٍ وضرب وشجٍّ وطعن وقتل وتمثيل بالجثة!
_في بهاء القفلة:
تنتهي القصة بما يلي:
"من جيب قميصه الذي لم يعد أبيض، أخذت علبة التبغ؛ العلبة التي تشوهت ملامحها، وغادرت الغرفة.
جلست على كرسيه/ها، صبت الشاي في كأسه/ها، أشعلت لفافته/ها، وارتشفت أول رشفة، الشاي كان قد أصبح فاتراً، ولونه يميل للسواد."
وما استوقفنا في هذه القفلة هو مهارة الصياغة والسبك والتكثيف، وتذكيرها إيانا بعبارة «نِحْلَةُ الغالب» التي صاغها العلامة عبد الرحمان بن خلدون، وأودعها ملاحظته الثاقبة المشهورة التي قال فيها: «فصل في أن المغلوب مولَع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيّه ونحلته وسائر أحواله وعوائده، والسبب في ذلك أن النفس أبدا تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه..."
وهذا حال الشخصية_الزوجة (المغلوبة) في هذه القصة، إذ اقتدت بزوجها (غالبها) في عنفه، وبمجرد ما سقط جثة هامدة، تفننت في تقليده، فأخذت علبة التبغ، التي كانت علبته، وأشعلت لفافة وراحت تتلذذ بمذاق شاي كانت أعدته له! وبذلك، فإن الدلالة الحقيقية للقفلة هي ما يلي: "جلست على كرسيه الذي أصبح كرسيها، صبت الشاي في كأسه، الذي أضحى كأسها، أشعلت لفافته التي صارت لفافتها..." وقبل هذا وذاك، فقد اقتدت الزوجة بزوجها في العنف الذي كان يمارسه عليها، بل إنها تفوقت عليه، ووصل تعنيفها إياه حد قتله والتمثيل بجثته أبشع تمثيل.
*** ***
_العنف هو الحل
افتتح النص بالعنف وانتهى بعنف أعقبه انتشاء بما حققه العنف المضاد من نصر مكين! وهذا معناه أن القصة تحرض على العنف وتقول: "يا مضطهدي العالم، لن تتحرروا وتذوقوا طعم السعادة والسكينة والنصر، ولن تنتشوا به أبدا، ما لم تواجهوا العنف بعنف مضاد"، وهي رؤية مستهجنة ومرفوضة على مستوى العلاقات بين الأفراد عامة، وأفراد الأسر والعائلات... على الخصوص، لكننا، إن خرجنا من نطاق الأسرة التي هي محور القصة، ووسعنا مجال رؤيتنا، إلى النطاق الوطني والدولي، واستبدلنا الخلاف الزوجي والأسري بالصراع السياسي والاقتصادي... فسنجد لرؤية العالم هذه دعاة وأنصارا ومشايعين، خصوصا في حالة الاستبداد، وانعدام سبل الحور، وهي رؤية كان صداها صاخبا قبل عقود خلت، لكنه بدأ يخفت في العقود الأخيرة، وكانت تجسده طلقات بنادق اليساريين وعموم الثوريين والمتمردين بتعدد مشاربهم الفكرية ومرجعياتهم الإيديولوحية والسياسية، وقد حقق حملة رؤية العالم هذه فتوحات وإنجازات مازالت ماثلة للعيان، تنعم الإنسانية بثمراتها الآن، وهؤلاء جميعا كان قد طفح كيلهم بسبب ما عانوه ومازال أحفادهم يعانونه بمختلف قارات الاضطهاد والقمع والظلم والاستيطان والاستبداد... ولعل هذه الرؤية هي ما تحث القصة المستضعفين عليه، عساهم يستعيدون بعض حقوقهم المسلوبة وينعمون بالسكينة والهناء...
شكرا أستاذنا المبدع النبيل لهذه المتعة والدردشة التي أتحتموها لنا، ومتمنياتنا لكم بمزيد من الإبداع والإمتاع...
علي بنساعود
__________
نص القصة:
قمقم
نبيل نجار
بدأت فقاقيع الماء تتصارع، رمت قبضة من أوراق الشاي في الإبريق، سرعان ما سمعت ذلك النشيش المنذر بالفوران أطفأت الموقد وأعادت الغطاء، لمست اليد بحذر.
ـ تعالي هنا يابنت الكلب....!
تجمعت نذر الفزع ابتداء من خاصرتيها متصاعدة لتكون عاصفة رعب؛ صوته الراعد، شتيمته، زلزلت أوصالها، نظرت للأعلى تستعطف السماء، حملت الإبريق وضعته على الطاولة وسارعت تكمل طريقها لغرفة النوم.
كان يقف بقميصه الأبيض الذي يصل لمنتصف فخذيه العاريتين.
ـ لماذا لم تكوي البنطال الأسود؟ زام في وجهها بينما كانت تسند الباب بظهرها.
ـ الكهر.. الكهرباء! رسم الشحوب مساره المصفر على وجهها، سارعت للخزانة أخرجت علاقة فيها عدة بنطلونات مكوية على أتم وجه، مدتها تجاهه بطول يدها كأنها تريد رسم حدود آمنة.
من المؤكد أن تلك الحدود الواهية لم تكن لتحترم من جانبه؛ فالبروق الصادرة من عينيه والتي شحنت جو الغرفة بل البيت كله بسحابة سميكة من الكهرباء الساكنة ماكان لها أن تتوقف لمجرد التلويح بمثل هذه الراية المرتعشة.
بخطوتين فقط كان يمسك بمؤخر عنقها بأصابعه الفولاذية، هزها بعنف وهو يبصق كلماته في أذنها: قلت لك الأسود.. الأسود مالذي لم تفهميه من كلامي؟.
الهزات العنيفة بعثرت مسارب حروفها، أضاعت طرقها حتى أن بعضها تاه داخل الجسد المتأرجح واختبأ في مثانتها ضاغطاً عاصراً ليزيد في همومها وارتباكها، ضمت أصابع يدها كقمع بحركة رجاء فيما إنفرجت أجفانها لتشي بكوامن رعبها واستعطافها، مأمأت، تأتأت أو بأبأت أو كل ذلك معاً لم يكن ليشكل رسالة اعتذار واضحة عنده: عندما أطلب شيئاً أريد أن ينفذ، فهمت؟، لا أعذار..تدبري رأسك بأي شكل.
عند كلمة رأسك الخارجة من فمه كطلقة خبط رأسها بباب الخزانة المفتوح، رغم أنها كانت تحاول هز رأسها بالموافقة السريعة لكنه على الأغلب لم ينتبه لموافقتها، غلبها الدوار فسقطت، بعد أن أطلقت حشرجة وجع قصيرة، شيء ما امتص ضوء النهار وأحاله دوامة عكرة، على جانب جبينها الأيمن تشكلت سحجة حمراء وردية، ستتورم لاحقاً بلاشك وستحتكر ألواناً أخرى.
ـ أمي..ماما هل حصل لك شيء؟ أنت بخير؟.
استعادت بعض أحبالها الصوتية شيئاً من توازنها، نبرات القلق المنسربة من وراء الباب كانت كصوت منبه! منبه يدفع للاستيقاظ حتى من سكرات الموت!.
ـ لا حبيبتي، بدا صوتها غريباً! خذي شطائرك من على الطاولة واذهبي لمدرستك، فوراً.
حتى بدون أن ينظر لساعته زمجر: مازال الوقت مبكراً، لاتذهبي الآن.
ـ قلت لك فوراً، صاحت وهي تجر مؤخرتها زاحفة تجاه الباب حتى سدته بظهرها؛ أسوء كوابيسها كان أن تدخل ابنتها خلال العاصفة، ليس أن الفتاة لم تكن معتادة على رؤية أمها وهي تعامل ككيس ملاكمة ولكن ماتخشاه هو أن تأخذ الصغيرة نصيباً من الركلات أو اللكمات أو ماهو ألعن، وهو في سورات غضبه لم يكن يفرق، تمترست بالباب برغم أن ذلك سيزيد في ثورته. لم يخيب توقعاتها، رماها بزهرية زجاجية صغيرة وهو يصيح: تعاكسينني؟!، تجرؤين؟!.
الزهرية القذيفة تشظت على الباب بقرب كتفها الأيمن، ولم تدرك هي في غمرة إغلاقها اللاإرادي لعينيها وصرخة الفزع التي أطلقتها أكان خطأ في التصويب أو حسن حظ حالفها.
كان يبدو حالياً كشخصية انبثقت من فيلم رعب، بتوتر عضلاته، بحقد نظراته وهيئة وجهه المُستٓفزة لأقصى حدود الاستفزاز، تقدم منها وقد استحال وحشاً يسبقه صريف أسنانه.
حاولت الزحف ثانية في أي اتجاه بحثاً عن مهرب، حاولت الوقوف شظايا زجاجية اخترقت راحة يدها اليمنى، كالوميض انتشر الألم الممض عبر راحتها
زحف داخل اعصابها كلسعة كهرباء، طبعت الدماء بصمات حمراء في كل مكان حولها.
ربما كانت تتمنى لو أن هذه البصمات الدامية تتشكل تميمة تمنع تقدمه أوتجمده في مكانه كما رأت أحياناً في مسلسلات الشياطين والوحوش والسحر! ولكن على مايبدو كانت تميمتها فاشلة ولم تكن تمتماتها الراجية المتألمة سحرية أصلاً، مع ذلك يمكن القول بأن شيئاً غريباً كان يحدث، ربما يمكن وصفه: بالتواء زمني!.
كانت تراه يتحرك تجاهها بكل اندفاعه بكل حقده وبكل توحشه ولكنها ترى حركته كأنها بالتصوير البطيء، المسافة بينهما كانت أقل من خطوتين ومع ذلك أخذتا وقتاً مكنها من رسم خطوط دامية أخرى براحة كفها على الأرض وبالامساك بشظية زجاجية كانت تقبع قريباً.
بحركة ملاكم محترف حطت أصابع قدمه اليمنى على طرف ثوبها فيما تقدمت اليد اليسرى مضمومة متهيئة للكمة قاضية! بنفس الوقت وبتزامن دفاعي لاشعوري تحركت يدها راسمة قوساً؛ مقاطعة حركة اللكمة التي انسحبت متراجعة تنفر منها دماء الدهشة! ليكمل قوس المدية طريقه نحو ربلة الساق العارية فتشرخ منفذاً دامياً.
تراجع الملاكم خطوة، في عينيه مزيج صارخ من ألم وذهول! خليط من فزع ومفاجأة حمراء مؤلمة
تعثر؛ اصطدم رأسه بطاولة الزينة القريبة فغاب، هوى سريعاً منهياً بسقوطه فترة العرض البطيء.
للحظات ظلت جزءاً لايتجزء من الباب الملتصق بظهرها، بعدها شعرت بإمكانية التنفس بعد أن نسيت، شيء من الخدر المغبش كان يتمسك بنظراتها ومسامير التنميل كانت تثبتها في مكانها.
عندما استطاعت الوقوف أخيراً، كان الهروب بأسرع مايمكنها من الغرفة هاجسها المسيطر، مع ذلك ـ وربما بحكم العادة فقط ـ كان عليها أن تلقي نظرة أخيرة على حلبة الصراع التي ستغادرها؛ وقعت عيناها على البنطال الأسود الملقى على حافة السرير، كان يبتسم ساخراً عبر تجعيدة من تجاعيده غير المكوية!.
"أنت سبب المصائب كلها"
حملت البنطال من ساقيه، تنحنح شامتاً! تكثفت غيوم غضبها المكبوتة؛ أرعدت، تفجرت، تحول البنطال سوطاً، جلدت الجثة، نار متأججة تعبر شرايينها، صرفت أسنانها، توتر لجام لسانها بشكل مؤلم، تسرعت نبضات قلبها نتيجة دفقة ادرنالين كاسحة سرت في بدنها فضخت كمية مهولة من الدماء، صارت تركل الصدر والبطن المترجرج الهازئ، رفعت مديتها الزجاجية التي تجلطت الدماء على نصلها فزال بريقها، شطبت الخد منتقمة من هالات لم تفلح مساحيق التجميل في اخفائها، جرحت الأنف الذي طالما أرعبتها فتحتاه المتوسعتين عند أي بادرة غضب.
توقفت أخيراً بعد أن فاحت رائحة عرقها المتفجر عبر كل مسام جسدها، و أحست بالتصلب في رقبتها وبالانهيار في عضلاتها، مسحت وجهها بالبنطال وألقته على وجهه: خذ..هذا بنطالك المكوي. بصعوبة تخلصت من المدية الدامية الملتصقة عميقاً في جلدها.
من جيب قميصه الذي لم يعد أبيضاً أخذت علبة التبغ؛ العلبة التي تشوهت ملامحها، وغادرت الغرفة.
جلست على كرسيه/ها، صبت الشاي في
كأسه/ها، أشعلت لفافته/ها، وارتشفت أول رشفة، الشاي كان قد أصبح فاتراً، ولونه يميل للسواد.
نبيل النجار/سوريا


عن محرر المقال

صديقة علي

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية