قراءة بقلم الأستاذ الأديب/ رفيق راشدي.
في قصة: خواء
للأديب/ نبيل النجار
___________
إن وسائل التواصل الاجتماعي بالرغم مما توفره من خدمة لتيسير إيصال الأدب، و تسهيل النقاشات والنقد والتمحيص، إلا أن ذلك لايمنع أنها أصبحت مفرخة لكتاب نفخهم الزهو بمتابعيهم ومعجبيهم، فغلب العدد على الكيف،فأضحى كل من استطاع حمل قلم وخط جملة، يستسهل الصناعة الأدبية، يعينه على ذلك الجامات والإعجابات المتهاطلة على عالم أزرق، لأنها ليست مكتملة البناء على الرغم من بريقها اللافت، أما الكتابات الجيدة قد تبقى حبيسة الظل إن صاحبها استبقاها لنفسه أو لم يشأ إظهارها للعلن.
ظاهر القصة فوز تلك الكاتبة المغمورة التي لايعرفها أحد بجائزة أحسن قصة، أمام دهشة زوجها "الكاتب" المعروف المستلقي على يخت عائم في بحر افتراضي، المزهو ببالونات الإعجاب والمعلقة على جدار صفحته شهادات التكريم، لكن ماالذي جعل قصة تلك المرأة تفوز، هو ليس تحيزا كالذي ألفه زوجها في المسابقات الأدبية الالكترونية، بل هي قصة تستحق التتويج فعلا، ظاهرها لمأساة أم فقدت جنينا احتضنه رحمها وفرحت بقدومه، لكنها فجعت به وقت ولادته، لم يكن جنينا مكتمل البناء، خرج أزرق اللون، في لحظة محاسبة منها، أثرت الأم أنها لم تعتن به كفاية، ليواجه لحظة الخروج للحياة، كانت صرخته هادئة، تتهم رحمها بالوحشية كأن له أسنان التهمت رئتا الجنين فلم يكتب له الحياة إلا للحظات، هي تلك مأساتها روتها بصدق كما حدثت، لذلك فازت قصتها.
ذلك ماأتى في السطور، لكن لو تأملنا استهلال النص ولإدراج الكاتب لتجربة زوجها مع الكتابة وربطناه بالجنين المشوه، وجدنا أنهما واحد، أتى ذكر البحر مرات عديدة، الأزرق، كوابيس زرقاء، سمكة على شاطئ وذلك ليس إلا دلالة على الفيسبوك، الجنين المشوه غير الناضج هو ذاك النص الذي يفرحك عند كتابته لكنك تنسى بأنه سيكون لزاما عليه الحياة لوحده من دون تغذية المشيمة، سيلتقي بقراء ونقاد قساة يضربونه كما فعلت الطبيبة القاسية، ويجب عليه ان يصرخ ويقول انا هنا، و ولدت لأحيا بعيدا عن تربيتات المعجبين الذين يحتفون بكائن أزرق هو ميت أصلا، لذا وجب على الجنين أن تكون كل أعضائه مكتملة النمو، حين يتحول الرحم لوحش وهنا لا أراه غير خيال الكاتب لوسيلة إنتاج نصوص تأكل نفسها قبل خروجها.
هي دعوة للكاتب من خلال القصة أن نراجع كل مانكتب من دون اندفاع عاطفي، وشغف زائد، لكي يكتمل النص. هنا نعود لعنوان القصة خواء وكأنك تسمع فرقعة النصوص كبالونات ما إن تلتقيها أول شوكة،
بورك الأديب المميز الذي لم يكتب قصة عن الفوز بل قصة عن الفشل وكيفية تحويله لفوز، اعذروني على الإطالة.
رفيق راشدي
________
نص القصة:
خواء
نبيل نجار
منقول من واحة القصة القصيرة
ـ فزت!؟ معقول!؟.
أطلقت صيحة انتصار رافعة قبضتي اليمنى، لم ألمح في غمرة فرحتي اصفرار وجهه وشحوب ابتسامته وفتور كلمة مبروك التي خرجت مبتسرة مغتصبة. زوجي.. الكاتب الكبير، الذي تتسابق صفحات الفيس على إبداعاته، وتغص صفحته بإشعارات التكريم والفوز في المسابقات.
كان يفوز دائماً، نعم يفوز بتلك المسابقات المجانية التي لاتمنح إلا شهادات وإعجابات وقلوب حمراء لاتسمن ولاتغني من جوع، أما هذه المسابقة فقد كانت لها سمعتها الأدبية بجائزة ضخمة ويتقدم لها الآلاف من كل البلدان.
قال لي يومها وهو يفاضل بين قصتين من قصصه: تعرفين، أفكر بارسال واحدة باسمي وواحدة باسمك، هكذا تكون فرصتنا بالفوز أكبر.
قلت له: ولماذا تكتب عني؟ سأكتب واحدة بنفسي
يومها ضحك، ضحك حتى كاد ينقلب على قفاه!.
ردة فعله على فوزي مرت بعدة مراحل؛ ابتدأ بالإنكار فلم يصدق أن اسمي هو الذي تصدر منشور التتويج، فكر أنه تشابه أسماء رغم أن صورتي مرفقة، ثم تحول للتبرير بالتحيز، قال: بأن الحكام ينحازون للنساء يتبرعون بالتقييمات المرتفعة لأي كعب عالٍ وصدر ناهد.
لاحقاً انتقل للمقاومة السلبية خاصة عندما انهالت علي مكالمات التهنئة والتبريكات، أهمل مظهره، أرخى لحيته، وبدأ بالغياب عن المنزل على غير العادة.
صدقوني لم أكن أفكر بالفوز أصلاً عندما كتبت ولا
عبرت ببالي الفكرة، صحيح أن سخريته المريرة استفزتني، ولكنني عندما بدأت الكتابة انجرفت، لم أستطع التوقف كقارب صغير يقترب من شلال.
صورت ـ في قصتي ـ مشاعري أثناء حملي، فرحي بتلك الهبة الإلهية التي سكنت أحشائي، احساسي بطائر القطا الصغير الذي أنار عتمة رحمي عندما اتخذه عشاً بعد فراغ طويل، نبضات قلبي الراقصة التي تقاسمناها نغمات فرح وانتظار، كثيراً ماكنت أشعر بأن بطني يشع بذلك الألق الملائكي الناجم عن معجزة الخلق فأسارع للمرآة لأناظر النور المنبعث.
حركات جنيني، نبضاته، معاناتي كل شيء استعذبته وأحببته حتى آلام المخاض احتملتها بشوق رغم أنها كانت ترجني تصهرني وتشقني.
عندما أخرجته الطبيبة كنت فعلاً أظن أنني سأرى كائناً نورانياً يملأ الغرفة بالضياء، إشعاع الفرح الذي منحني إياه كاد يغشي بصري.
الطبيبة القاسية صفعته على مؤخرته بعد أن قلبته
اختلجت شفتاه الرقيقتان، تحركت أرنبة أنفه، فتح فمه وصاح..صرخ ولكن صرخته لم تحرك الصمت
صرخة بلاصوت جعلت الينابيع تتدفق في صدري.
كررت الضرب برفق على الظهر بلاجدوى، لونه بدأ يتحول للأزرق المرعب وصار يختلج كسمكة على شاطئ، ركضوا به للحضانة وتركوني، كلهم ركضوا، أخذوا كائني النوراني وتركوني.
وعندما عادوا، عادوا بدونه؛ أعينهم.. تمتماتهم تربيتاتهم المواسية كانت تطفح بالخواء.
ربما أقول ربما ألمحت في قصتي أن صدري المتصلب تحول لحجر رحى يفتت قلبي بدورانه، أو ربما أشرت إلى الكوابيس الزرقاء التي أفقدتني فيها صرخات طفلي الصامتة لحظات نومي النادرة.
أو ربما صرحت فيها باتهاماتي لنفسي بالإهمال لأنني نسيت في غمرة فرحتي بحملي نسيت أن أكمل تكوين رئتيه، أو بالتوحش عندما أتخيل رحمي وحشاً بأسنان التهم أعضاء طفلي التنفسية.
كتابة تلك القصة صدقوني فجرت ذلك السد الذي جثم على عقلي فبكيت، كسيل، كطوفان انفجرت دموعي!.
هل فهمتم لماذا فازت قصتي؟ أنا لم أفز، لم أفز بل مأساتي.
