تحليل في الفنية الشعورية وسيميائية التلازم الأنوي والتضادي للتناغم الخطابي في نص " تسألني " للأديب والشاعرالمصري محمد أبوعيد
كتبت : أ . مرشدة جاويش
النص:
تسألني
ياصنو نداي
اكتبني قصيدة !!
وأنا المبرّأ تماماً من خسوف القلم
"ذكريني"
أنا لا أراني ..... ؟!
حروفي آهلة بالتآكل مذ العصف الأول
أتذكرين ؟
نسيت في عينيك أشعاري والزقزقات
إنما لابأس ....
سأرفع دمي المحموم
وأتسلق ذاكرة الهمس
هنالك فوق رئات المسام
سهام اللحظ تشد الوريد بقسوة
وزهورالريح تنفخ أشجار الرماد
استيقظت على قبلة من لسع النجوم
أمهد النور قبل النبض وبعد العصف
كنت متوكئاً على أصابعي
أزحزح حجر القصيد
وأضرب الحبر بطيرين ونهرخشوع
من زبد الشموع أخذت التيه دليلاً
دهست كل غابات الحيرة ..... إنما ؟
كلما وقفت عند زاوية التهيؤ " أكتبك ينطفىء الكلام !!؟
أتصبب عرقاً من طيفك المتجسد فوق الموج
فأشرب غرقي الذي اشتد امتلاؤه بالانطفاءات ماذا أفعل بأنهارالعتمة !؟
الشمس والقمر يتلاعبان بالحواس
القلب يجرح الكلام بالصمت
والروح تشرق في الظل
سأروي رئتي بنمير اللهفة
وأزرع ظلي فوق حفوف الشمس
جمعت فاكهة الضوء
وقذفت انطفاءاتي سبع
"أراك"
أنطفىء أكثروأكثر !
من سحر يكتبها .....
كيف أكتب التي أحرقت النار بنظرة
وأغرقت البحرفي عينيها واطبقت عليه الجفنين !؟
محمد أبوعيد
القراءة :
تمهيد رؤيوي :
في زحمة الحداثة نادراً مانرى نتاجاً حطم التكلس الأدبي وأجاد لغة المدارات لكن هناك مَنْ انعطف كلياً وشذّ ليتخذ نهجاً متفرداً في لذة التفرس
أشيرُ هنا إلى أديب شاعرله مناخاته الشعرية والسايكلوجية غالباً تعملق من خلالها بالسرد الأدبي والنثر ومقاليد نصوصه مُحتَضَنة في كفّ مبدع غالباً ما يرسم لغته بفلسفته الخاصة بما يحمله من نسيج معرفي يمّثل من خلالها قضاياه ويَطوف بتجسيد الرأي والمعتقد والتثوير على البؤر المنكسرة
يرفض القيْد ويجعل من تجارب محيطه والحالات الإنسانية مساراً للرصد بحساسية لاقطة وتحولات تَرفَع من خبايا حروفه والفنية التعبيرية الذاتية
مِنَ المتْن وابتداءاً من العنونة التي هي أهم عتبات أي نص كما أشار لذلك الفرنسي "جيرارجينت" واعتمَدّته الحداثة المتأخرة
يفسرالنص المدلول الحسي مباشراً بنبوغاً ذاتياً بالتوجه لرسم الفكرة العامة من خلال الإستهلال
ب"تسألني" المندغمة بالإستغراب واستنطاق تأويلي لنتلمس صداه عن صاحبة السؤال من تكون؟
فمن خلال الكلية العامة لمسار النص تتشكل أنفاسه مع القصيدة بإدراك مسؤول لاينازعه تخرّص وإقلاع فوري في مدارات النص
"وتسألني
ياصنو نداي
اكتبني قصيدة"
إشارة تحاكي الكينونة الأخرى الغائبة والحاضرة مع ضميرالمتكلم \الياء\ وإعتماد الجملة الإنشائية \ياصنو\
كلوحة تبرق بمونولوج الحس في حوار الأنا ومدى تفاعل الذات بالحدث الجواني المنفلت ببركان حسي نازح لايمكن إيقافه لتتبلور من حراكه الغائية المتوهجة بالدلالات وتشير لإحتراقات الحالة
يبدأ الشاعر نصه الذي يزف الحروف إلى معارجها بعدة مفارقات تُؤثث لمدى التلاحم بين روح الشاعر مع حدثية الفكرة الموجهة خطابياً
حين يُوْشم بَدواً
بالسؤال :
"تسألني" هذا المدخل بالجملة الخبرية له معناه الإنزياحي عن السائلة التي إختصته
فمن يسأله ؟؟
هي؟
بلا تحديد أنثى ما ؟؟ إنما ماالسؤال !!
السؤال هو\ اكتبني \
ف \ ياصنو نداي \ هذه الجملة الإنشائية تجّرنا
للتعرف إلى السائلة فهناك إذاً بينهما مسالك ودّ !! لأنها وصفته بالصنو فال \ الصنو\ مُؤشِّر بحضورها المنحور على قدّاس الحنين
فهي تسأله بنداء غير مُتَقنِّع القسمات
وتصفه بأنه \ صنوالندى \ كناية التلاصق
هنا نلامس العمق الوجداني بتصوير لفظة \صنو\
و مفردة \ الندى \ دلالة على همس معطر بتعرقات حسية كانت تجمعهما
فللنص إيفاء وجداني عالي يجعل الحدث بتواترية تصاعدية تؤدي دورها بين الأنا المتكلمة والأنا المُخاطَبة التي كانت مكاشفتها المحسومة
ب \ اكتبني قصيدة \
بكلّ مدّ الهذيان فوق هُدُب اليقين كان طلبها الذي كان له وقْعه وتأثيره المُخاطِب للوجد بعيداً عن المغيبات الدلالية
لتؤول اللهفة بالجواب المتغابي من قبله مخضلاً بالنسيان المتعمد الذي قَطنَ جدائل الرد حين يخلق من ظاهرة فلكية دينية \ خسوف \ بإقتراناتها الكوكبية
ويشير للتبرأة من خسوف القلم فهو الصارم بالتحامات الحروف وأوراق النار > "وأنا المبرأ تماماً من خسوف القلم "
تعبيرية غير منمطة تنبعث لخلق التناغمية بالنص الذي ينتقل الشاعر منه للجواب وكأنه ممتد في آفاق الريح بغرابته " أنا لاأراني" تتسع الأنا الذاتية المتكلمة هنا لتأكيد على بقعة النسيان بالذاكرة التائهة لأنه لم يقل لاأراك بل هو الذي بات معمّى فالياء
\ أراني \ أعطت بعد الحالة المؤكدة نفسها
بالحَجِب فالرؤية يقابلها عكسياً العَماء والعَماء هو الغياب عن كل ماحولك فالشاعر هنا يدق عنق الجواب بغيبوبته وإرتباكات الذات المبعدة عن الكشف ليعطي المساحة الحراكية الملازمة للونيّة الحيّة للسياقية العامة لتتماهى ضمنياً مع اللحظة الشعورية
ينهمر بمحاورتها مُغْمِض جَفن الفهم بقصدية وهو يُصوّب كلمة \ ذكريني \
بالتفاتة ديناميكية تتمادى في الذهنية ووجدان الشاعر يقولها لأنه مازال بها ومعها لم يمسحها أساساً من الذاكرة فالإشارة \ بذكريني \ هي
للإستغراب من السؤال المطروح هنا المراودة الأنوية للذات نفسها بالتعجب وإندغامية النفس بالمبطون بدواخل الأنا الشاعرة وإلا كان يجب أن يقول على سبيل المثال \ أبعديني \ !!!
"ذكريني" فأنا لاأراني " فهو هائم معمي حتى كاد لايرى ذاته جاس بعميّه ليُمزّق أكفان الرقود من ذاته الوجودية كحالة مادية مشاعرية بتواؤمية تواترت بين مسافات ومساحات النص التي قسّمها بمقاطع بتوغل مَعْني لتسكين الذات حيناً كي ترتاح ولدعم للبنيوية العامة لإستكمال وحدة النص وموضوعيتها بتراميات الفكرة لتتويج الترابط الشعري مع الشعوري مستطرداً :
"حروفي آهلة بالتآكل منذ العصف الأول "
كل اللغة باتت في زوايا الإحتراق وتآكلت في أنفاس شغفي بك منذ الهيجان المبكر فلقد دَبّ فيها سعير الإنتحاب فالذات هنا بتصاعدية لها وجيبها الصوتي
لتؤكد على الإنفلات من كل مدار بحراك بنيوي تصويري عززه (العصف) للتعميق الدلالي لأسباب البعاد باستخدام التقابلية بين " التآكل_العصف " مما أعطى جمالية للصورة بهذه المفارقة
أما " نسيت أشعاري في عينيك والزقزقات إنما لابأس " نجده يناغيها القول ليستطرد الحالة بإنما الكافة والمكفوفة
فلقد تماهت لغته فيها ونسيها في فضاءات أفق عينيها \إنما \ هنا توقف قطعه الناص \بإنما \
\ إنّ \ كحرف ناسخ يفيد التوكيد وال \ما \ أوقفته عن العمل لتحصر المعنى المبتغى من هذا الإستدراك وتخصصه فهو كان مسروق الروح ممهور في أُطُرها بانسلاخ كلي فلقد كان يكتبها شعراً يغاصنها كالعصافير
وبتحول بلاغي جاء في حالة ترابطية لغوية
يهامس ماطلبته منه لينشر سفن روحه فيقول :
" إنما لابأس
سأرفع دمي المحموم وأتسلق ذاكرة الهمس هناك فوق رئات المسام "
بصورة بيانية بارعة تُساكن الحس وتَستجّر الحالة التي كانت متعالقة بالحب رفع ذاك الشوق من حنايا الهمس وحيث كانت قصة عناقه وتعرشه وتنفس ذرات شهيقه بإعتناقه نهجاً قشّياً يكتبه أثراً جديداً يغير من خلاله الشكل العام للبنائية ومسار آخر بعد هذه المشقة النفسية
"سهام اللحظ تشد الوريد بقسوة وزهور الريح تنفخ أشجار الرماد"
فهو سيمسك بنواصي الحالة وأطراف النور ويخرج من أشتات حواسه وقلقه ليجهر ويتنكب شجر إرهافه إلى إنتفاضة روحية ويعبر كل المتاهات المحيطة
فهي تقاطعات الأنا الشاعرة وظلّها وبحث في ذاتيتها مترامية إلى الذات الأخرى بإنزياح يبحث عن تشكيل الصورة بطراوة الرؤيا المتمادية بالعلو كناية عن محور فعلي يثبت الإنطفاء
فمن شدة الإشتعال وبذاكرة الإنتفاض ستلتهب السماء بلحظ الهوى الذي تَلَفعّه الأمل المرجوم بالرجاء
"استيقظت على قبلة من لسع النجوم أمهّد النور قبل النبض وبعد العصف كنت متوكئاً على أصابعي " فاللسع جاء يتناسب مع مايرغبه صوت انشطاره مع ألمه النفسي
فمن مسامات المكابرة وخلف التراكمات تَوشّح ذاك المتسع النور"النجوم" بإنعطافة صوفية قاربت مفردات توصيفية للحالة الجوانية المنشطرة ليقين سماوي أبعد عن نبض الشغف وعن رعشة الوتين فلقد استخدم العقلانية بتلك الإنعطافة للوصول للسكينة لدحض كل وَهَن بعد ذاك العَصْف الذي أودّى بالذات الشاعرة لتلك الإستدارة فكان الإتكاء بتوئدة على نشوة الجرح العتيق
كأن السماء تفردت وأحرقت كل ماحولها ما أجمل هذا الألقِ الموّار المثمر بالتصوير واثبات الحالة التساؤلية المؤكدة في المخاطبة بإطار شعري إبداعي على مستوى البلاغة والمعنى العام للتوجه الخطابي وفق معطيات على المستوى الصورة والمشهدية القائمة فالسياق يسير في سيميائية ثنائية بين الأنا والأخرى بين دال ومدلول مُساقة بمضمون يتّخذ إيصال رسالة الشاعر بكل تقلباتها مع الشعورية التي إتّسَقت مع التجربة الشعرية الحادّة الإبداع
وهذا التحليق الفريد في سماء الله !!!حين تسكن الروح وتصدعاتها بالأسئلة والحيرة أمام ذاك السؤال !! "إكتبني"
فلم يبق إلا خياره حول أُنمُلة غرزها في قلب الحقيقة وواقع الحال
" أزحزح حجر القصيد وأضرب الحبر بطيرين ونهرخشوع من زبد الشموع "
كانت لقطة لها كل السحر بهذا التصريح المؤكد وبكل الهذيان تهيأ لتلك القصيدة بسفحها جانباً ليصدح بخفايا الظلال الكهنوتية الوقع على صدر النور وذاك الورع الذي سَكب الحِبْر بيدين دَبّت فيهما وعود الشموع
هنا الشموع كناية عن الليل الذي يبعثر كل المتاهات إلا الخشوع فالشموع موقعها العتمة وهو بذلك بدد بتلك الاتقادات القصيد الذي أقصاه عنه ليهز أوردة توهانه بيقين وهو مثمل بالقناعة
في هذا الجحيم النفسي إنْداحَت همساته المسكونة فيه بالرؤى وفوق خياله المنسجم مع ميتافيزقية متورمة ...
و" أخذت التيه دليلاً دهست كل غابات الحيرة ...إنما كلّما وقفت عند زاوية التهيؤ أكتبك "
وصف دقيق للتهيئة وهو يَحتّطب الشفق بكل إرتباكات العشق الحائرة فلقد بات يُثرثِر بالقفر دلالة على صقيعه الحسّي الكامن وقَلقِه
ف " إنما " قد تكررت بالنص لتوكيد الغاية المعنّاة لدى الشاعر التي أثارتها مؤثرات خارجية موازية للعمق الفكري للشاعر في اقتناء الجفاء المغلف في مشاعر ساكنة دَغْدَغت حواسه حتى وهو يَنْفي ماوَقّعه نفسياً " نسيت في عينيك أشعاري والزقزقات "
فلقد اعتمد الشاعر بنثريته تراكيبه المتمفصلة والحوارية الذاتية التي تتكوثر بوتر الوجوم لها رنين وجداني يُثير الذهنية وذلك لم يؤثر على الوحدة العضْوية ولاعلى الصدق الفني وذلك تجلّى بتكثيف الضمائرية بالنص " ذكريني-أراني-"
فماذا يكتب وهي ماعادت تساكن بئرالروح وتَجلّى ذلك بحجم الإنتهابات في قاع النص وانمحاء الذاكرة والإرتحال صوب أمس ضاع أمام النوافذ المغلقة حين يترّمد الكلام
إن القيمة الأسلوبية أدركها الشاعر وأظهرها بالتأويل والرمز في أغلب مواقع الفكرة بالنص مع أنه اتخذ الأسلوب الخبري للتأكيد وتعميق الفكرة " نسيت -استيقظت -ارفع -أمهد" مع ندرة الإنشائي والذي متعارف عليه قواعدياً لإستنهاض الغرض البلاغي واستثارة المتلقي " ذكريني _ياصنو_ اكتبني"
لكن النص كان مخالطاً بالأسلوبين ولقد حقق صور فنية بيانية إكتنزت بكل سطور النص لتعكس صراعه وتبعده عن التقريرية والمباشرة
أما هنا
"إذ أتصبب عرقاً من طيفك المتجسد فوق الموج"
يجد نفسه وقد ألْجَّمه الكلام فلا يجد حروف تكتبها فلقد تدّثر صوته في ظلال هيئتها المزروعة في عين غمامة فوق صخب الإختلاجات
فحين يتوارى خلف الحرف يجد طيفها فيسكنه الوجوم ويتندى بين زغابات الحنين ومحاصرة الذات التي تبعثرت بذاكرة النسيان
فهو الإنجرار وراء خمرة الأنقاض وخيوط الكلمات يُرغمه على الإنفلات من قيد التماهي والتجاوز ليعْبّر عن تفوق حشرجاته الخرساء اللسان
على خفقات مذاق ذاك الخيال الموشوم فيه فلقد تفَنَن في التصوير الحسي والمعنوي بديالكتيكية
" فأشرب غرقي الذي اشتد امتلاؤه بالإنطفاءات
ماذا أفعل بأنهارالعتمة !؟ " نجد الأنا ترتمي بحضن السؤال للذات نفسها
من شدة الخفوت وشواظ الحالة التي باتت تَحْتَطب شفقها بخرير مركوم الرماد فلقد فاض برزخ الحيْرى واستغرقت الذات بالطوفان تتناسل حلمها في مخادع السماء مرسومة على ثغر الرحيل
ونرى الشاعر شكّل حالة وجدانية بين القمر والشمس "الشمس والقمر يتلاعبان بالحواس" ليساكن آفاق العقل المتشعب بالنفس بحالة تَمُدّها الحيرى متأثرة بصورة تعكس الدرامية بالاعتماد على مفردة دينية "برزخ "
و" الشمس والقمر يتلاعبان بالحواس
القلب يجرح الكلام بالصمت
والروح تشرق في الظل"
إشارة لهما بالإنغمار بولوج متاهات سديمية إنما ينطوي الشاعر بعد ذلك
على ذاك القلب بالسكوت لتُطّل روحه الهائمة وتَتبدّى بظلالها ..هي أحواله الآن .!!
" سأروي رئتي بنمير اللهفة وأزرع ظلي فوق حفوف الشمس
جمعت فاكهة الضوء
وقذفت انطفاءاتي سبع"
لكنه لم يستكين للحالة بعد ذلك السؤال فهو سيحرك نبضه في مسالك الإحتراق
ليتدّلى من عتمه المتوارية ويُجابه النور ويتحدى الإنطفاء بإشتعالاته من جديد ويرمي بكل صمته وبإخمادات سبع الى آفاق بعيدة
مفردة "سبع" معنية لم يقل ثمانية فالعجائب سبع وخلق الله الكون بسبعة أيام والموبقات سبع والسبع المثاني وو
ليرتل نشيج صخب الأسئلة التي تتعرى على سحب ضفاف آياته لتُرتكب فاحشة الجواب المكنوز
"بالسبع" وهي إيحاء بإقتداره على الثبات بما أخذته إليه واقعة انبلاج ذاته وتبديل مساراته الحرّة ...
وتتناهبه الروح بالتصدعات فمازال مرتبك من السؤال.؟؟
" أراك"
أنطفىء أكثر وأكثر !
حين يراها بمخيّلته يُوشم شفاه الإنطفاء وتتناسل سطوره بالخفاء تطارده أيائل الذكرى
فهي النجوى بأطوارها المتقلبة تحفر على رخام الذات برحلة نفسية لها مفارقاتها بين المكنون والظاهر بإلتقاطات نفسية وتغيرات متمادية حيناً ومقاربة أحياناً لكسر الحاجز بين قطبي النص الأنا والأخرى في علاقة تتخلق خاصيتها لتعطي للفكرة أبعادها في رحلة خطابية مواربة وظاهرة من خلال الحوارية الأنويّة ضمن المضمر في النص ومحموله العام
" مامن سحر يكتبها كيف؟ أكتب التي أحرقت النار بنظرة وأغرقت البحر في عينيها
وأطبقت عليه الجفنين
!؟ "
لكنه بعد كل ذاك الطواف يعجز عن الكتابة هنا نجد تضافر الحس الدرامي مع النبض المعنوي ليؤسس شعرية على أرضية شاسعة تستوعب ذاك التساؤل المشوب بحيرى تعلو وتهبط
فهي القصيدة العصية على الكتابة والقراءة
و"هي التي أحرقت النار بنظرة واحدة "
أجاد الصورة بلوحة فنية عالية التأويل بهذا الذهول بتوصيف الفكرة ليؤكّد لاشعورياً تباين أحاسيسه
حين أعطاها "بعد الواحد للكل" بمفردتي" النظرة " و"النار" فالنظرة مبصرة بإتجاه واحد بحيز ضيق المدى والنار لاحدّ لمتسعها بالإشتعال ومع ذلك كان فعلها مربك للناص
على العكس من التضاد في الجملة المكملة للمعنى الأول
"وأغرقت البحر في عينيها
وأطبقت عليه الجفنين "
عاكسها بالمتسع "البحر"مصوباً للعينين لتغمض بالنهاية جفن الغواية عليه
اعتمد المبدع الجمل الخبرية أساساً بالنص طَغَت كليّاً لنستخلص نصاً مغايراً
محمد أبوعيد له شيْك مدعوم برصيد مفتوح على أفنان الأدب الحقيقي له سرده المقتدر فهو مجرّة من بذخ شعري تقيم الحروف صلواتها على محرابه
ويطيب المقام حول جداوله الأقحوانية ينبئ بربيعه الإبداعي المتفاني بأجمل أشكال السرد الأدبي المحدّق في شجر الفتنة اللغوية
وسر الإيحاء ومزاجات عالية المجاز حين نجد حدّة خميرته بالنص الذي لعب فيه من خلال سياقه ومعناه بذكاء قصدي يبعث المتلقي أن يرى النص من ناحية أخرى أي التوافقية بين الناص والأنا الأخرى لأنه إعتمد الفعلية العقلية بالتداول التيمي البرّاني في دراماتيكية درامية عالية فهو المفاوض الأقوى في بروتوكوله المُوجّه إليها وأيضاً بمخيّلة تَنْحى للتجريد والإنسلاخ الى اللامرئي والميتافيزيقا بفلسفة الحالة والنزوع لعوالم سماوية وانبلاجات تستدعي حالة الهذيان وتلك الإنطفاءات كأنطولوجيا باحثة تسترد الذات من الذات
للأديب الشاعر كل التحايا

