-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

قراءة نقدية في " ما تأخذينهُ معكِ "

قراءة نقدية في " ما تأخذينهُ معكِ "

المجموعة الشعرية للشاعرة والرسامة أفراح الجبالي .

قراءة :  الشاعر عمر دغرير




رمزية الألوان والكلمات واستعراض أسماء الطيور والحيوانات  في قصائد هي كلّ الحياة .

 ط

          تعتبر الألــوان من أهــم ظواهر الطبيعة وأجملها, وتعدّ من أهم عناصرالبناء الفني, بما تحمله من ملامح جمالية في الرسم وفي الأدب, وكذلك من دلالات ذات علاقة مباشــرة بالرؤية الفنية للقصيدة بصفة خاصة , وقد تكشف  في الحقيقة عن إحساس صاحب اللوحة أوالنص , لأنها  مبعث 

للحيوية والنشاط والراحة والاطمئنان, ورمز للمشاعر الموزعة بين الحزن والفرح في هذه الحياة.

          والشعراء منذ الفترة الجاهلية إلى اليوم ظلوا يستنجدون إضافة للرموز الدينية والشعبية والأسطورية برموز طبيعية حياتية لبناء عوالمهم الشعرية، ومن بين هذه الرموز الألوان المتنوعة في الطبيعة وكذلك أسماء الحيوانات بكل اختلافاتها .والشاعرة والرسامة أفراح الجبالي استخدمت في 

مجموعتها الشعرية (ما تأخذينه معك ) العديد من الألوان والكثيرمن أسماء الحيوانات ,وأظنها تعمدت هذا الإستخدام لتثير رغبة القارئ في البحث عن معان ومدلولات متعددة لتلك الألوان ولأسماء الحيوانات داخل نصها الشعري , وقد تغرقه في حيرة السؤال . 

فماذا عن هذه المجموعة ؟ وهل هي بالفعل قصائد موجهة للمرأة فقط  كما يفهم من عنوانها ؟

          (ما تأخذينه معكِ) المجموعة الشعرية الثانية بعد (لابد من قوس لنهرها) للشاعرة والرسامة أفراح الجبالي وقد صدرت عن دارالشنفرى في بداية سنة 2022 .وتضم المجموعة إثنين وخمسين قصيدة نثرية متفاوتة الطول ومتنوعة في المضمون . قدمها لها الشاعر التونسي المنصف الوهايبي بطريقة شعرية كشفت عن ابداع جديد متجدد في تقديم الكتب , وكذلك أظهرت قدرة الشاعرعلى الرسم بالكلمات في قصيدة مطولة اختار لها عنوان (بورتريه لأفراح الجبالي ) وقد جاء فيها في صفحة 7 :

(... تغيير مجرى اللون لعبتها ...كأن اللون حين يندّ حلم لولبيّ ...وحدها كانت تدور به وتدخله ... 

وتخرج وحدها منه .

تقول معاشي اليومي ...زادي الرسم ...قرع الظل ...هذا اللون مثل الجزر , مثل المدّ مسموع ومرئي ...).

ثم يضيف في نفس الصفحة :

(...ولي من قطتي في بيتنا في حضرموت ...تنام حيث أنام ...ملئ جفونها , ظل وحلم لولبيّ .إذ أفكّ قميصي القطنيّ...زرا واحدا ...اثنين ...تغمض ضوءها ...حينا ...وتفتح ظلها حينا ...لها ذيل إلى الأعلى, ولي ما لا أسمي أوأقول ...بريق فروتها , وشيء من نعومتها وقسوتها ... وأرنب لا بدّ في العشب 

منتظر ...).

          وكما تلاحظون في قصيدة الشاعر المنصف الوهايبي  تركيزه على الألوان وكذلك ذكره لأسماء بعض الحيوانات  ولم يغفل عن الإشارة إلى أن الشاعرة شغلها الشاغل ومعاشها اليومي الرسم وما تبعه من ألوان , وكذلك اهتمامها بالحيوان وقد ذكرقطتها في البيت والأرنب الذي ينتظر في العشب.

          والمتابع لكل قصائد المجموعة  يلاحظ  مدى استخدام الشاعرة للألوان ولأسماء الحيوان , بحيث تكاد نصوصها لا تخلو من هذه المفردات ومشتقاتها وبعض الكلمات التي تدل عليها . وتقريبا نعثر في المجموعة على كل الألوان الأخضر والأزرق والأصفر والأحمر والبنفسجي والبرتقالي والأبيض والأسود والقزحيّ والبنيّ والرماديّ والذهبيّ والورديّ وغيرها كثير. كما نعثر في المجموعة على العديد من أسماء الحيوانات والطيور والحشرات نذكر منها القطة والكلب والغزال والذئب والثعالب وابن آوى والفيل والثور والقردة والعصافير والبوم والخطاف والنسر والغربان والديك والبط  والحيتان والسمكة والبقة والنحل والإوزة والبجعة والسنونوات والفراشة والأفعى والثعبان والذباب والأسد والكركدن .

          والشاعرة باعتبارها رسامة بالأساس استخدمت في رسم قصائدها أكثر من عشرة ألوان ,وإن كانت في الحقيقة قريبة من بعضها وترتاح لبعض الألوان دون غيرها حتى أننا نجد اللون الأبيض في أشكاله المتعددة (أبيض وبياض وبيضاء) استخدم في خمس عشرة مناسبة , وكذلك اللون الأسود والبنيّ والرماديّ في أكثر من خمسة عشر موقعا , كما ذكرت اللون الأزرق عشرة مرات , والأكيد أن استخدام الألوان والحيوانات والطيور والحشرات في متن القصائد ما هو إلا صدى للواقع، ولعله يعبر عن لحظة أو مرحلة  من مراحل الحياة . والأكيد أيضا أن الشاعرة لم تستخدم هذه الرموز كهدف إنساني فقط بل مجرد ذكرها لكل هذه الأسماء مرتبط بأجزاء القصائد ذاتها .

          والشاعرة الرسامة أفراح الجبالي لا يمكنها الاستغناء عن الألوان, لِما لها من أهميّةٍ كبيرةٍ في حياتها الخاصة وفي محيطها ، بل لا يمكنها انكارالأهمية الكبيرة التي تحتلّها بعض الألوان في قراراتها اليومية وفي مزاجيتها وحالاتها النفسية, ونلاحظ  من خلال هذا الجولة البانورامية في قصائدها  أنها  تفضّل اللَّون الأبيض في مرتبة أولى ثم اللون الأسود والبني والرمادي في مرتبة ثانية , ويأتي اللون الأزرق في المرتبة الثالثة . ولكلّ هذه الأمور تفسيرات عديدة, حيثُ أثبتت العديد من الدراسات في علم النفس أنّ للألوان أثراً كبيراً على شخصياتنا وعلى حياتنا. ولأنها في اعتقادي من  محبُّي اللون الأبيض فهي شخصية  مثالية بكلّ ما تشملهُ الكلمة من معاني السلام، والهدوء، والتصالح مع الذَّات والأخرين، وهي تسعى إلى التَّرتيب والتَّنظيم، والبعد عن العشوائية. ومادامت تمتلك اللون الأسود والألوان القريبة 

منه , وهو لون يعرف بالقوة والسلطة بالإضافة إلى الخوف والغموض والعمق وهو في ذات الوقت يجمع بين الهيبة والمظهر اللائق والأناقة الكبيرة. ونلاحظ أن اللون الأزرق يأتي في المرتبة الثالثة من حيث ذكره في المجموعة وهو يبدو قريبا منها لأنه متوفر في الطبيعة  ويرمز للهدوء والراحة والسكينة ,وهذا تقريبا ما تحتاجه بصفة عامة الحالة المزاجية لكل إنسان . 

          وفي علاقة بأسماء الطيور والحيوانات يمكن القول  بأن الشاعرة  تحب العصافير والقطط والكلاب وتكره الذئاب والثعالب , وقد ذكرت الطير والعصافير في عشرين موقعا  ووردت كلمات القطط والكلاب والغزلان ثماني عشرة مرة . بينما احتلت الذئاب والثعالب المرتبة الثالثة بخمس عشرة كلمة . 

والمعروف في ثقافة الشعوب أن العرب ما زالوا مرتبطين  بشدة إلى حياة أبائهم الصحراوية  بحيث يشدهم الحصان والكلب والجمل والطير , وهذا الأخير يحتل المرتبة الأولى في قصائد الشاعرة وهو يرمز إلى الألوان الزاهية وإلى نبرات الأصوات الجميلة  حيث يسرح الفكر إلى زقزقة العصافير وإلى أسراب الحمام وهي تحلق بعيدا .وهذا يؤكد رغبة الشاعرة في التحليق وارتياد آفاق جديدة .

ولأنها تبحث عن الحماية والإخلاص والإيمان والوداعة والحب والحنان وكل هذه الخصال متوفرة عند الكلب والقط والغزال حتى أنها  أنها خصت كل حيوان بقصيدة كاملة  بحيث نقرأ عن الكلب "بلاك" في صفحة  61  قصيدة بعنوان  "كلب في الميناء" :

 (... ينهض مثلهم الكلب الذي 

بفضله 

ما تزال النافذة 

تفتح على الميناء 

فهناك حجرات فقدها أحدهم 

ولأسباب متنوعة  يكون الكلب أعزل ,

مثل الجزء المبكي من حياة أحد ما ,

"بلاك"

يدرك مثلي 

أن عبارة "اعتني بنفسك" لا تستطيع النوم ...).

وفي صفحة  73 نقرأ (نهايات قطة) وهي قصيدة موجعة تحكي عن تعرض القطة لحادث مرور فظيع  جاء فيها :

(...لن تذهب بعيدا 

لا يمكنها الذهاب 

الهواء يقشر حلق الظهيرة 

فجأة 

القطة تطير 

القطة تحلق  مثل اعتقاد بارد 

القطة تسقط 

كاحتراق محتمل 

انتهت الأرض 

الموت 

ما يحدث

والفراغ شقيق الجميع ...).

وفي صفحة 99 خصت الشاعرة نصا قصيرا ولكنه مكثف  للغزال جاء فيه :

(... أنحرف إلى الأمام 

مثل متفرّج في حلم شخص آخر 

أتأسف : " نحن لن نذهب لصيد غزال معا" .

لا أستطيع القفز عليه 

لا أستطيع المرور من تحته 

لكن , هذا الشعور ...

أوه 

نستطيع أن نقضم  العشب عبره ...).

ولأنها تخاف من الذئاب وخاصة البشرية منها  فقد خصت ابن آوى بقصيدة جاء فيها في صفحة 47 :

(... أتذكر ابن آوى الذي صادفناه في الطريق ,

طلبت منك التوقف 

عندما ابتسم  بمعجزة مشتركة 

مع أنك لم تتوقف , السيارة أخذت تطوي 

العشيّ الذي شعرت به .

- هل أنتِ بخير؟ 

 الحيوان في نهاية أطراف المرآة العاكسة 

حصيلة جميلة  لغابة 

هو يعرف أنني أراه , قلت :

سحبت  الجزء السفلي  وحكيت القصة مع 

أن أصابعي تواصل انهيارها 

وأنت لا تخبرني أن الحيوان  أعطانا يومها فكيه 

بالمجان 

أنا أردت أن أرى كيف يلمس خطاه فجأة 

ويتنقل داخل ما كان  يسمى " المحبة" 

جزء صغير من الأرض ...

قشرة ابن آوى 

لمست المكان 

حيث كانت العيون التي أحببتها 

في تلك اللحظة  تذكرتك 

-هل تشعر بأنك أنت ؟ ...).

          وابن آوى كغيره من الذئاب والثعالب سمته البديهية هي سجيته المفترسة وبالتالي يقرن بشدة بالخطر والدمار, ما يجعله رمزا للمحارب من جهة و رمزا للشيطان من جهة أخرى . وعلى هذا الأساس كانت الشاعرة تخافه  وقد تصورته في صورة حبيبها  حين سألته : هل تشعر بأنكَ أنتَ؟ 

وخلاصة القول أن الشاعرة في استخدامها صور الحيوان  مع الصورة اللونية  استطاعت أن تضفي جمالاً وتألقا في الصورة الشعرية.

          والملفت للنظر في هذه المجموعة الشعرية أن الشاعرة لم تترك شيئا في الطبيعة إلا وذكرته , حتى أننا نعثر على النحل والفراشات والذباب والزواحف والبق , ويعتبر هذا الأخير من الحشرات الصغيرة ذات اللون البني مسطحة الشكل, وهي التي تتعايش مع الإنسان بشكلٍ كاملٍ , وتتغذى على دمه. ولعل أفراح الجبالي في استخدامها  لهذه الكلمة (بقة) تريد الإشارة إلى وجود أشخاص يشبهونها في سلوكهم وتصرفاتهم .وقد كتبت قصيدة عن البقة في صفحة 39 جاء فيها :

 (...تقف البقة في ذهول 

ذهول لا يتقنه سوى البق 

ولا تسير مع الحبل 

تتوقف في مفردات لا تنطقها بتاتا 

وقد أشرعت الصمت 

بصمت عظيم 

لا يتقنه إلا البق , وبقيت هناك ...).

          أما في خصوص عنوان المجموعة ( ما تأخذينهُ معكِ ) هذه الجملة المثيرة والموجهة لبنات جنسها , فهي في اعتقادي تختزل قصيدة بعنوان (أقول :صعب أن نفترق) جاء فيها في صفحة 165 :

(... وأنا أحمر شفاهي يطير 

يطير عائدا إلى المقهى 

ليشرب من كوبك , 

قبل أن تعود أنت  

إلى إسمه , تسمّيه 

بينما أنا لا أعرف ما آخذه من كلماتك 

غير ما يجعلك تقول ...

وتقول ...

ويجعلني أصغي  إلى ما يأخذني 

بأجنحته الرطبة ...).

          وهي بالفعل المرأة العاشقة التي لا تعرف ما تأخذه  من معسول الكلام ومن سحر الألوان التي تكشف حكمة من نحب , وهذا الحب على حد تعبير الشاعر المنصف الوهايبي : لاإسم له  ولا ظلّ ... والألوان بعض دم يسيل , ولا يسيل ,اللون أحمر داكن كالحب , أو مثل الحياة ...اللون حي لا يموت...).

عن محرر المقال

aarb313@gmail.com

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية