-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

الفنان التشكيلي الجزائري " محمد خدة ". بقلم الحبيب توحيد

 الفنان التشكيلي الجزائري " محمد خدة ".



بقلم الحبيب توحيد 



يتميّز عمل خدة المولود بمستغانم في 14 مارس 1930 بالثراء والتنوّع الفني، حيث جمع بين الرسم التجريدي والنحت والخط العربي الذي عمل على توظيفه كعنصر في الفن التشكيلي، واستعمل الحروف لتقول ما لم يقله النص .

عمل خدة، الذي تعدّ أعماله علامة فارقة في مسار الفن التشكيلي الجزائري المعاصر مع جيل من الرسامين الجزائريين، جاهدا على إيجاد توليفة بين إرث الخط العربي والمدرسة التجريدية الغربية، كما اهتم أيضا بالعمارة الإسلامية والنحت .


محمد خدة يسعى إلى"جعل التجريد منتظمًا في التصور الرمزي للعالم الإسلامي و ليس في المحظورات كما يزعم بعضهم . وفي ذلك ما يشير ضمنًا إلى أن الرسام يتجاوز الجدل الذي كان قائمًا حول الخوض في مسألة تحريم الصور في الإسلام؛ ويلتفت التفاتًا خاصًا إلى المبدأ الرمزي الذي يطبع مفهوم الإدراك للأشياء. فالتفكير في الشيء هو نقله رمزيًا من صورته المحسوسة إلى الصورة الذهنية المُجردة. وهذا ينطبق على الفن الإسلامي ؛ حيث يستعير الفنان الشكل الرمزي للشيء، ويضعه ضمن علاقات تشكيلية تحفظ لهذا الشيء ماهيته المجازية التخيلية؛و لذلك يرى خدة أنه "باستبعاد التشبيه لصالح الزخرفة بِفِعل المد التجريدي؛ وبخلاف التشكيل القديم الذي أدرك في الطبيعة المظهر الخارجي للأشياء . فقد أنتج الإسلام فنًا ميتافيزيقيًا استُبعدت منه الحكاية. فهو فن التصوف الذي كان يطمح إلى كمال روحية الإنسان وتهذيبها ، مما يدل على أن التجريد في رحاب الإسلام قد اكتسب خصوصيته الفنية استنادًا إلى رؤيته الباطنية التي باتت تنظر إلى الطبيعة نظرة داخلية وليست خارجية. ومن ثمة تحولت زاوية النظر في تصوير الواقع الخارجي وأضافت قصدًا جديدًا على الموضوع .




ينفصل خدة عن التصوير التشبيهي بداية عام 1954، ويشق لنفسه مسارًا فنيًا مختلفًا ، يكاد يكون مُنعرَجًا تشكيليًا في حياته الفنية ، وذلك بانفتاحه المُتبصِر على خبرات الآخر سواءً أكان عربيًا مغاربيًا أم مشرقيًا أم غربيًا . ولأجل ذلك.، نجد الفنان مُعترِضًا على بعض المصطلحات التجريدية ، مُفضِلاً في المقابل مصطلح غير التشبيهي فبعضهم يقول عنه بأنه تجريدي ، بينما يصفه آخرون برسام الطبيعة ؛ لكنه كان يفضل عبارة غير تشبيهي ما دام أن الأرض والتراب والشجرة والإنسان- بطريقة ما - هم حاضرون في لوحاته . ومما هو ملاحظ فإن هذا التفسير ، يستند إلى مُكوِن تشكيلي يقوم عليه الفن غير التشبيهي ؛ ذلك أن عدم المشابهة مع العالم المرئي هو الحد الذي بموجبه يتخذ موضوع اللوحة طابعًا غير تشبيهي يبتعد بالأشكال المرسومة عن الدلالة الطبيعية و يمنحها طاقة رمزية أكبر . ولذلك يُشير الفنان ضمنيًا إلى أن غياب التشخيص في أعماله لا يدل مطلقًا على أن موضوعاته منفصلة عن الواقع انفصالاً تامًا ، بدليل حضور الأرض والتراب والشجرة وبشكل ما الإنسان . وإنما يتخذ العنصر الطبيعي مجالاً للتعالي عن طبيعته المألوفة ، ويُنْتِجُ بموجب ذلك دلالات غير منتهية ضمن سياقاته البصرية . فالعمل الفني يُلمِحُ أكثر مما يُصرِحُ ، ويَسْنُدُ إلى المُشاهِد دور الإيضاح والكشف والتخيل والمشاركة في الفرجة إجمالا .











من هنا ، لا يقف معنى العمل الفني عند حدود تصنيفه ، بل يتجاوزه إلى تأويله من خلال مشاركة المُشاهِد له والتفاعل معه على نطاق واسع من التحاور ، مما يدل أن الفنان خدة كان حريصًا على تقريب المسافة الموجودة بين اللوحة ومُشاهِدها، حتى يتسنى له أن يتذوق أبعادها الجمالية. 


لا يعني التجريد عند خدة انفصال الفنان عن مجتمعه وهمومه، بل على العكس من ذلك تمامًا، نجد أن الانشغال لديه بالجانب العملي يُعَدُ من الاهتمامات المركزية لدى الفنان. ذلك أن انضمامه المبكر إلى الحزب الشيوعي الجزائري عام 1954، قد جعله من أكثر الفنانين اليساريين التزامًا بقضايا مجتمعه . يو قد ميِز خدة بين الالتزام الطوباوي الذي يرفض كل شيء من المجتمع والالتزام المعتدل والواضح الذي يربط الفن بالبُعْد الطبقي ضمن رؤية ماركسية . وانطلاقًا من ذلك ، يُلاحظ خدة أن هناك اتجاهيْن يُسيطران على الساحة الفنية الجزائرية : يُمثل الاتجاه الأول زمرة الفنانين الذين ينشغلون بصفة جوهرية بالشكل خطوط وأشكال وأللوان ويؤدون الانطباع . وتكون الرسالة ، إنْ كانت موجودة ، وكأنها مُحتجِبة من خلال الأسلوب . أما بالنسبة إلى الاتجاه الثاني ، فالشيء المُعبَر عنه والمعنى المراد للفنان يكونان على الفور واضحيْن . و تبقى رؤية الفنان تتبنى الاتجاه الثاني شكلاً ومضمونًا. 


اهتم الفنان خدة بالبُعْدِ الاجتماعي للعمل الفني لأنه كفيل بمحو الاغتراب منه. فالعزلة لا تُفْضي إلى غير التهميش : "متى يخرج الفنان من مَعْزَلِهِ ويختار مُعسكره ؟" وقد لا نُجانب الصواب إذا ما اعتبرنا نبرة التساؤل تدل دلالة عميقة عن هشاشة الدور الذي يضطلع به الفن في المجتمعات المتخلفة. ولعل الصلة بين الفن والثقافة من الترابط الكبير الذي يُفضي إلى تبادل التأثير بينهما. وهو ما يجعل الفنان خدة يحرص على الاعتناء بتثقيف المشهد التشكيلي، لأن ذلك يعني قابلية انفتاحه على الحوار والتأويل. مما يُفسر نشاطه الكثيف في مجال الكتابة الصحفية حتى يُوجِدَ لوجهته حضورًا فعالاً إلى جانب معارضه الشخصية والجماعية. فهو يُعَدُ في نظر الناقد Yves–Michel Bernard "من الفنانين القلائل لجيله الذين تصدوا إلى النقد الفني بمسافة سواء تجاه إنتاجه الخاص" . وفي هذه الشهادة ما يؤكد التميز الذي طبع الالتزام الفني في مسار التكوين الشخصي لمحمد خدة، لاسيما أن الساحة الفنية تشهد – إلى يومنا الحاضر – غياب تقليد الكتابة في الحقل التشكيلي إلا القليل القليل الذي لا يُشْفي غليل البحث وعنائه .


الحبيب توحيد .

عن محرر المقال

رولاالعمري

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية