أ.د. لطفي منصور
خاتِمَةُ الْحَجَّاجِ:
الْحَجّاجُ بْنُ يُوسُفَ الثَّقَفِيُّ أَمِيرُ الْعِراقَيْنِ : البَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ، وَسَيْفُ بَنِي أُمَيَّةَ الْمُصْلَتُ عَلَى خُصُومِ بَنِي أُمَيَّةَ، وَخادِمُهُمًُ الْأَمِينُ، قَتَلَ الْآلافَ رِجالًا وَنِساءً.
بِجانِبِ هَذا كانَ أَدِيبًا فَصيحًا خَطِيبًا، وهوَ الْقائِلُ مُخاطِبًا أَهْلَ الْكُوفَةِ مُسْتَشْهِدًا:
أَنا ابْنُ جَلا وَطَلّاعِ الثَّنايا
مَتَى أَضَعِ الْعِ الْعِمامَةَ تَعْرِفُوني
وَكانَ الْحَجّاجُ مُحِبًّا لِلشِّعْرِ مُمَدَّحًا، مَدَحَتْهُ الشَُعَراءُ وَمِنْهُمْ لَيْلَى الْأَخْيَلِيَّةُ فَقَدْ مَدَحَتْهُ بِقَصائِدَ مَشْهُورَةٍ، وَنالَتْ عَطاءَهُ الْجَزْلَ. وَلَهُ أخْبارٌ ماتِعَةٌ مَعَ زَوْجَتِهِ هِنْدٍ الْفَزَارِيَّةِ الشَّاعِرَةِ مَنْثورَةٌ في كُتُبِ الْأَدَبِ، وخاصَّةً كِتابَ الْأَغانِي لِأَبي الْفَرَجِ الْأَصْبَهاني.
أَحْبَبْتُ أنْ أْطْلِعَ القُُرّاءَ عَلَى أحْوالِ الْحَجّاجِ حِينَ كانَ يَحْتَضِرُ سَنَةَ ثَلاثٍ وَتِسْعينَ لِلْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ الشَّريفَةِ، كَما وَرَدَتْ في كُتُبِ الْأَمالي
وَخاصَّةً أمالي أبي عَلِيٍّ القالِي.
لَمّا حَضَرَتِ الْحَجّاجَ الْوَفاةُ، طَلَبَ أنْ يُسْنِدُوهُ
وَأَذِنَ لِلنّاسِ أنْ يَدْخُلُوا عَلَيْهِ، فَذَكَرَ الْمَوْتَ وَكَرْبَهُ، وَالْقَبْرَ وَوَحْشَتَهُ، والدُّنْيا وَزَوالَها، وَالْآخِرَةَ وَأَهْوالَها، وَكَثْرَةَ ذُنوبِهِ، وَقالَ: مِنَ
الخفيف
إنَّ ذَنْبِيْ وَزْنُ السَّماواتِ وَالْأَرْ
ضِ وَظَنَِي بِخالِقِي أَنْ يُحابِي
(يُحابي: أيْ يُعْطِي وَيَخُصُّ)
فَلَئِنْ مَنَّ بِالرِّضا فَهُوَ ظَنِّي
وَلَئِنْ مَرَّ بِالْكِتابِ عَذابٍي
لَمْ يَكُنْ ذاكَ مِنْهُ ظُلْمًا وَهَلْ يَظْ
لِمُ رَبٌّ يُرْجَى لِحُسْنِ الْمَآبِ
ثُمَّ بَكَى وَبَكَى جُلَساؤُهُ، ثُمَّ أمَرَ الْكاتِبَ أنْ يَكُتُبَ إلى الِخَليفَةِ الْوَليدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فكَتَبَ: كُنْتُ أَرْعَى غَنَمَكَ، أَحُوطُها حِياطَةَ النّاصِحِ الْأَمِينِ ، فَجاءَ الْأَسَدُ وَبَطَشَ بِالرّاعِي، وَمَزَّقَ الْمَرْعَى كُلَّ مُمَزََقٍ، وَقَدْ نَزَلَ بِمَوْلاكَ ما نَزَلَ بِأَيُّوبَ. ثُمَّ كَتَبَ: مِنَ الطَّويل
إذا ما لَقِيتُ اللَّهَ عَنِّي راضِيًا
فَإنَّ شِفاءَ النَّفْسِ في ما هُنالِكِ
فَحَسْبِي بَقاءُ اللَّهِ مِنْ كُلِّ مَيِّتٍ
وَحَسْبي حَياةُ اللَّهِ مِنْ كُلِّ هالِكِ
(حَسْبي: كافينِي)
لَقَدْ ذاقَ هَذا الْمَوْتَ مَنْ كانَ قَبْلَنا
وَنَحْنُ نَذُوقُ الْمَوْتَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكِ
فَإنْ مُتُّ فَاذْكُرْنِي بِذِكْرِ مُحَبَّبٍ
فَقَدْ كانَ جَمًّا في رِضاكَ مَسالِكِي
وَإلّا فَفي دُبْرِ الصَّلاةُِ بِدَعْوَةٍ
يُلْقَى بِها الْمَسْجُونُ في نارِ مالِكِ
(نارُ مالِكِ: جَهَنَّمُ. ومالِكٌ مَلَكٌ يَحْرُسُها)
عَلَيْكَ سَلامُ اللَّهِ حَيًّا وَمَيِّتًا
وَمِنْ بَعْدِ ما تُحْيا عَتيقًا لِمالِكِ
(يَتَمَنَّى لِلْخَليفَةِ الْوَليدِ النّارَ. يُعْتَقُ مِنَ الْقَبْرِ مُرْسَلًا إلى مالِكٍ مَلَكِ النّارِ)
ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو الْمُنْذِرِ يَعْلَى بنِ مَخْلَدٍ الٍمُِجاشِعِيُّ: كَيْفَ تَرَى ما بِكَ يا حَجّاجُ مِنْ غَمَراتِ الْمَوْتِ وَسَكَراتِهِ؟ قالَ: غَمٌّ شَدِيدٌ وَجُهْدٌ جَهِيدٌ، وَأَلَمٌ مَضِيضٌ، وَنَزْعٌ جَرِيضٌ (غُصَصٌ) وَسَفَرٌ طَويلٌ (البرزخ) وَزادٌ قَليلٌ (زاد التَّقْوَى) فَوَيْلي وَيْلي إنْ لَمْ يَرْحَمْنيَ الْجَبّارُ (وَيْلٌ: وادٍ في جَهَنَّمَ).
قالَ: الْمُجاشِعِيُّ: يا حَجّاجُ إنَّما يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبادِهِ الرُّحَماءَ الْكُرَماءَ أُولِي الرَّحْمَةِ وَالرَّأْفَةِ وَالتَّحَنُّنِ وَالتَّعَطُّفِ عَلَى عِبادِهِ وَخَلْقِهِ. أَشْهَدُ أَنَّكَ قَرِينُ فِرْعَوْنَ وَهامانَ لِسًُوءِ سِيرَتِكَ، وَتَرْكِ مِلَّتِكَ، قَتَلْتَ صالِحِي النّاسِ فَأَفْنَيْتَهُمْ، وَأَطَعْتَ الْمَخْلُوقَ في مَعْصِيَةِ الْخالقِ، وَسُسُتَ سِياسَةَ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ ، لا الدَِينَ أَبْقَيْتَ،
وَلا الدُّنْيا أَدْرَكْتَ، أَعْزَزْتَ بَنِي مَرْوانَ وَأَذْلَلْتَ نَفْسَكَ، وَعَمَرْتَ دُورَهُمْ وَأَخْرَبْتَ دارَكَ، فَالْيَوْمَ لا يُنْجُونَكَ، وَلا يُغيثُونَكَ.
لَقَدْ كُنْتَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَناءً وَبَلاءً، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي أَراحَها مِنْكَ، وَأَعْطاها مُناها بِمَوْتِكَ وَخِزْيِكَ.
قالَ الرّاوي: فَكَأَنَّما قَطَعَ لِسانَهُ فَلَمْ يُحِرْ جَوابًا، فَخَنَقَتْهُ الْعَبْرَةُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وأَنْشَدَ:
مِنَ الْخَفيفِ
رَبِّ إنَّ الْعٍبادَ قَدْ أَيْأَسًُونِي
وَرَجائِي لَكَ الْغَداةَ عَظيمُ
أَقُولُ: جَزاءُ الظّالِمِ جَهَنَّمُ وَبٍئْسَ الْمَصيرُ.
قالَ طَرَفَةُ:
وَظُلْمُ ذَوِي الْقُرْبَى أَشَدُّ مَضاضَةً
عَلَى النَّفْسِ مِنْ وَقْعِ الْحُسامِ الْمُهَنَّدِ
فَهَلْ يَعْتَبِرُ الْعَرَبُ والْمُسْلِمُونَ؟؟
