-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

نضال العياش .... يكتب >


نضال العياش .... يكتب >




حسناً..
وكما شئتم ..
الآن صرتُ ولداً جيّداً ، قليل الكلام ..
كثيرَ الهدوء ..
مثل تلميذ شاطر ..
أنفّذ وصايا المعلّمة الصارمة وأطبّق مقررات القراءة الخلدونية ...
لا أصاحب الأولاد السيّئين ..
ولا أخرج من البيت ..
ولا أعبث بالأشياء ..
أراجع دروسي جيّدا ..
وأفرّش أسناني
وأنام مبكّراً كي أصحو مبكّرا ..
وأهيّء جدولي وملابسي وأقلّم أظافري ..
وحين أستيقظ ..
آه نسيت ..
لقد كبرت
وصار لي بيتٌ مستقلّ أنا ربُّه لكن لا يهم ..
سأوجّه وجهي صوب المقبرة القريبة وأقول ( صباح الخير يا أبي ) ..
وأرسل بمثلها مسجاً الى أمّي التي لاتشاركني بيتي ..
صرتُ ولداً جيّدا ..
لا أدخّن ولا أشرب الخمر ولا أسهر ولا أشاكس النساء ..
( هل قلتِ إنّك تخافين الشيخوخة ؟
لاتخافي فطفولتك مازالت في يدي…
أبعثها فيك متى ما أشاء )
حسنا دعيني أكمل ..
أعدُكم بأنني سأقلع عن الجنون تماماً
و عن العزف
وعن الكذب الجميل ..
وعن الخيانات النبيلة…
سأصير صادقا جدا ..
ولا أكتب الشعر ولا أمارسه ..
ولا أصخب أو أتمرّد ..
كل وظيفتي الآن أن أبقى على قيد الحياة لكي أموت بصحّة جيدة ..
يسعدني أنكم سعداء بي جدا ..
ولكن يبدو أنني مازلت أعاني نوبات شعرية ..
أحاول أن أشفى منها واصير كما تريدون أن أصير…
أما وقد بلغت هضبة الأربعين ..
وصارت السماء أقرب من أيّ وقت مضى ..
والماضي يشبه مروزاً منظمة تبصرها من نافذة طائرة أقلعت للتوّ ..
الطائرة سكّين أنيق لايوجع صدر الغيم ..
ولا تتأوه السماء منه ..
أكرّر بأنني صرت ولداً جيّداً ..

ولكنكم تنسون أنني عدتُ توّاً من برزخ البنج ..
لأكتشف الحياة من جديد ..
وبأنني مازلت حيّا !
كنتُ ملهوفاً لاكتشاف ذلك الغياب ..
كنت ملهوفاً لأكون غيري ..
دخلتُ صالة العمليات مثلما دخلت المدرسة لأول مرّة الذي اختلف هذه المرّة أنني لم أكن خائفاً ..
كنت متصالحاً مع الفكرتين ..
فكرة أن امضي دون أن أدري أنني مضيت ..
وفكرة أنني سأعود وأنا أدري ..
لا أذكر جرعة البنج الأولى
ولا الإنزلاق الأول ..
ولكن أذكر أنني كنت مبتسما ..
وكنت فرديّاً جدا ..
عذراً لكم لأنني لم أفكّر بأي أحد منكم ..
لأنني لم أفكّر بشيء ..
هل جرّبت ألا تفكّر بشيء ؟
يالها من مسرّة ألّا تأبه ..
ولاتهتم ..
وأنت تنزع عنك كل أوزارك ..
كلّ ما يضعفك ..
ويحول بينك وبين سعادة غامرة ..
سعادة ألا تعرف ولا تدري ..
عذراً مرّة أخرى ..
خذلتكم فقد كنت شجاعا جدا لدرجة أنني لم أتشهّد ولم أطلب المغفرة ..!
فجأة شعرت أنني بريء جدا ..
أنني بلا ذنب ..!
فابتسمت ومارست انزلاقتي السعيدة ..
على هضبة الأربعين لاشيء يخيفني أبدا ..
وماتبقّى أقل مما مضى لكنه أكثر جدوى ..
رغم أنني صرت ولداً جيداً وهادئاً لكن الخطأ الطبي هو السبب
فقد عالجوا شراييني كلّها لكنهم نسوا أن يستأصلوا لعنة الشعر منها ..
وهكذا عدت من ذلك البرزخ السعيد شاعرا ً لايريد أن يموت بصحة جيّدة…
ولذا سأفعل مافعلته مع طبيب التخدير ..
سأبتسم كثيرا…

عن محرر المقال

aarb313@gmail.com

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية