قراءة نقدية للأستاذة الزهرة الصالح في نص "رائحة الأضاليا" للأديبة مهدية أماني الرغاي / المغرب
منقول من واحة القصة القصيرة
#قص عفوي، كأنه نسخ من الفكر مباشرة على الورق، من دون تهييء مسبق، أو سابق إنذار، استرسل السرد دفعة واحدة، لم نحس بتوقف ولا انقطاع في أي لحطة..لم يته عنا ولم يتركنا نتوه عنه.
قص سخِر منا، جعلنا نضحك في الأول، رأيناه كوميديا؛ ليحيلنا على أنه ساخر، فنكتفي بالابتسام الباهت؛ ونكتشف في الأخير أنه دراما مؤلمة. محت الابتسامة وأسالت الدمعة.
حوار مفعم بالمشاعر والإحساس، يؤكد ارتباطا قويا
بين ابن يقطن الديار الإيطالية وأمه العجوز، امرأة من بيئة تقليدية،لم تدخل مدرسة التعليم لكنها أكيد دخلت مدرسة الحياة واستقت من حلوها ومرها، وذلك يظهر من طريقة كلامها، ومصطلحاتها التقليدية المستعملة في الحوار.
يلتقيان كل ليلة أربعاء عبر الهاتف، تختلق الأعذار لكي تخلو به، فالأربعاء يخصهما وحدهما(الأربعاء يومنا... الهدرة=الكلام=الحديث)، يحكيان عن الماضي والحاضر، تذكره بوالده وعودته من السوق لتسمع ضحكته الجميلة(الزوينة=الجميلة)، والتي يتخللها صوت كالشخير، ربما يتذكر شقاوته، أو ربما توبيخ أبيه، أو أشياء جميلة كانت تفعلها أمه لأجله؛ فالضحكة التي يخرج معها صوت الشخير ما هي إلا قهقهة من الأعماق!...
تذكره بالزمن الجميل الحلو(الحلوى السكاكر)،
زمن الرضى، فالأربعاء هو يوم التسوق الأسبوعي، تدخل فيه الأكلات الطيبة كاللحوم والحلوى لبيوت عامة الناس وخصوصا الفقراء..
تتابع الحوار وهي تتخيل ملامحه، وارتسامات وجهه مع كل حدث تذكره به(والغمازتين على خدك..أراهما).
تخبره عن عدم سقوط المطر. ففي المغرب حين لا تمطر السماء، ترتفع الأسعار، ويكثر الغلاء، فيتضرر الفلاح والفقير، تُفقد الطمأنينة وينعدم والأمان، لتسمى السنة ب "عام الجفاف" (عام الجفاف.. الله يلطف).
تسأله عن سترته هل تدفئه؟ وتذكره أنها هي من حاكتها بكل إحساس الأمومة، وبمساعدة المرأة التي أحبته.. لقد كانت سترة الحب، حب امرأتين، امرأة تملك قرارها بين يديها،كانت ومازالت وستظل. وامرأة لا تملك حق تقرير المصير، كانت، وانتظرت، فباتت ولم تصبح.. فالجارة الحسناء الضاوية المحبة("الضاوية" من الأسماء المغربية المؤنثة وتعني المضيئة)، زوجو ها من دون إرادتها!...
تريد أن تقول له انظر! لقد وهبتك سترا، ودفئا، وحبا.
ليبادلها هو الأخير بجرعة حب مقابل لحبها؛ لم يغسل السترة حتى يشتم فيها رائحتها، فتنعته بالشقي وكأنه أخجلها، ليزيدها جرعة أكبر بمناداتها ب"ميمتي"!!!.
"ميمتي"، تصغير ل "أمي"، مفردة لا ينطقها الولد إلا تعبيرا عند ارتفاع درجة الحب، أو عند الحاجة القصوى للحنان، أو عند الإحساس بالحرمان...
(طالت غيبتك وليدي... الأوراق؟..لم تأخذها بعد؟..العجوز.. منحتها شبابك.. طردتك الشيبة العاصية _"الشيبة العاصية = العجوز الشمطاء"_ سرقتها؟..حاشا أمي لم تكن امرأة.. كانت رجلا؟!..لابس حوايج النسا ومزوق؟ _لابس حوايج النسا=يرتدي لباس النساء_ مزوق= يضع مساحيق التجميل على وجهه(مكياج)، الزواق= كثرة الألوان_ ..ارتكبت الفاحشة التي لا تذكر؟.. لا، لم تفعل؟ الحمد لله.)...
هذا المقطع من الحوار يجعلنا نتوقف، ونتأمل، يجعلنا نأخذ نفسا عميقا كي نستوعب! أين سنضع أنفسنا؟ أ مكان الابن الذي هاجر هجرة غير شرعيه وباع شبابه ورجولته، لامرأة عجوز من أجل تسوية وضعيته القانونية، ليتضح أنها لم تكن سوى ذكر شاذ جنسيا، متشبه بالنساء في كل شيء، ويجد نفسه مرميا في الشارع من دون أوراق ولا هوية؟! أم مكان الأم التي لم تعد تعرف لابنها قرارا، ولم يعد همها الوحيد سوى ألا يرتكب الفاحشة...
كِلا الموقفين صعب، وصعب جدا!.
الآن يعود بنا الحوار ليحيلنا إلى وضعية الأم وحالها بعد سفر ابنها...
(أنا، ماذا أفعل؟...غرفتي... لم يتغير فيها شيء... الدولاب ...يكاد يتمه العث والبخوش= تكاد تقضي عليه الحشرات _ البخوش= حشرات زاحفة صغيرة جدا_ ..السرير؟ مازالت نتوءاته تؤلم ظهري وضلوعي... ما بعثته استحوذت عليه زوجة أخيك... "وافا كاوش.. كارش؟ بمعنى "وفاكاش wafacash وهي شبكة لتحويل الأموال ...كوشت عليه...اشترت دمليجا... أعجب أخاك...المسكين... يؤلمني حاله المايل... صندل في رجلها تمسح به الأرض وتطأ به الأشواك والوسخ... جعلته يأكل النانوخة ولسان الحمار، إشارة للشعودة والسحر، إنسان منونخ = إنسان عبيط... لا تضربني... أبكي... تلمست الصحن النصف فارغ وقطعة الخبز اليابسة... )...
تعيش هاته الأم في غرفة لا ونيس لها فيها سوى الحشرات التى اتخذت من دولابها مسكنا وطعاما، تنام على سرير مهترئ شاب مع شبابها وخرف مع خريفها، سرير يزيدها تعبا على تعبها، تعيش منعدمة الأمان والطمأنينة، بين يدي كنة عديمة الرحمة، متسلطة، مشعودة، تنهبها، تجوعها، وتبرحها ضربا،
تحتضر كل يوم وهي ترى ابنها الثاني، خروفا ضعيف الشخصية، لا هو يستطيع حمايتها، ولا هي تستطيع حمايته..تعيش الذل والهوان، منتظرة قبسا من نور يأتيها عن طريق الابن المغترب لينقدها مما هي فيه، ويعيد لها كرامتها وكبرياءها...
ترى هل هذا ماسيحصل؟ هل سيتحقق الحلم؟ هل ستنتهي المعاناة؟...لنحضر الحوار وننظر ماذا تخبئ لها الديار الإيطالية...
(احك لي أنت... العمل في مطعم يملكه يهودي؟...
_في الطاليان أيضا يهود؟ ماشي غير في فلسطين= هل يوجد أيضا يهود إيطاليا وليس فقط في فلسطين؟_ .."رايس الطباخة" في مطعم عربي..غيرت؟ يحبسكم في القبر ولا ترون الشمس...تقول السواد... يضيؤون لك اللكتريسنتي= l'elèctricité= الكهرباء...ولد الزاهية في الحبس؟...خرج في النهار يبحث عن الشمس وظلموها عليه... الزاهية الزغبية= الزاهية المنحوسة وهذه إشارة للشؤم... سيعود رفولي=refoulé =طرد بطريقة قمعية...)...
لقد اشتغل الابن عند عربي، ليحبسه في قبو بل "قبر" على حد قول الأم ، لا تطاله الشمس. فيلتجئ إلى يهودي أيطالي، والذي لم يكن في حسبان الوالدة المسكينة التي كان رجاؤها في العربي كبيرا. والتي تخلط بين الاسرائيلي واليهودي. فقد تربت على أن كل اليهود سواء، ولا يوجدون إلا في فلسطين.. كيف يمكنها أن تتخيل ابنها في يد احتلال من نوع آخر؟! ..ما هو إحساس هاته الأم وهي تسمع أن ابنها يختبئ ولا يخرج إلا بالليل كالفئران، وهي تسمع أن ابن جارتها مسجون، وسيطرد طرد الكلاب، ويعود خاوي الوفاض إلى السكر ثانية وإلى العصيان.. ومع ذلك ترتاح المسكينة وتحس بالفخر، فقط لأن ابنها لم يطله الأمن بعد.
ما هذا؟ ..هاذا ما جادت به إيطاليا، وما جادت به الغربة من أجل الكرامة، فيا له من جود! ويا لها من كرامة!!.
(لا لا لا لن أموت.. سأنتظرك.. ستعود؟..أههههاه،
بسيارة أم عيون كاللوز.. طويلة وعريضة سوداء كسيارة الوزير؟..وستذهب بي إلى حامة مولاي يعقوب في فاس؟....و...)...
هنا يعدها ابنها بوعود كاذبة أملتها وبقيت تأملها... إلى أن...
"لم أستطع يا أستاذة مهدية، لم أجرؤ على قراءة الخاتمة! لماذا هاته الخاتمة يا أستاذة؟!.. نعم أعرف أنها الحقية؛ ولكنها موجعة.. موجعة جدا.. جدا.. جدا!!!"
إلى أن سمعت صرير الباب، فانكمشت في رعب وخوف، رافعة يدها اتقاء للضرب، فالقادم متسلط جبار ، كنتها التي تعنفها كلما سمعتها تهترف وتكلم طيف ابنها الذي مات غرقا في البحر إثر هجرته السرية!.
نعم كل ما رأيناه من قبل، لم يكن سوى مونولوج لثكلى مفجوعة، لم تتركها الصدمة تصدق فقدان ابنها، وتعيش على أمل أنه سيعود.. ولم يكن الهاتف سوى لعبته مذ كان صغيرا،..لقد كانت تهاتف طيفه، وتهتم بزهرته الأضلاليا الجميلة ذات الرائحة الطيبة التي لا تونع إلا في تربتها، ولا تتفتح إلا في الضوء تحت أشعة الشمس وليس في الظلام ولا في القبو.
لم تكن زهرة الأضاليا إلا ابنها الغائب الذي، مازالت تراه متفتحا في ريعان شبابه، ولم تكن رائحتها إلا رائحته الزكية ومن ثم العنوان"رائحة الأضاليا".
إليك أيتها الكاتبة العبقرية!
ماذا فعلت؟ لقد عريت الحقائق كلها، رسمت الصورة بمشاعرها وانفعالاتها وأنطقتها لتصرخ وتقول هل من متعظ؟...لقد ناديتِ ، إليكم ياشباب! هاهي الحقيقة أمامكم،أمازلتم مصرين؟
هذا ماتجود به الغربة، التي تركبون البحر من أجلها، من دون شهادات، مغامرين بحياتكم وبكل ما لديكم باحثين عن العيش الكريم والأمن والأمان الذي لم تجدوه في بلادكم...
إليكن يا أمهات، اللاتي تدفعن أولادكن لركوب البحر من أجل التباهي على جاراتكن! فأبناؤكن كالأضاليا لا يينعون إلا تحت الشمس، شمس المغرب، وأنتن أولى برائحتهم الزكية.
إليك أيها المجتمع، إليكم يا أهل الإصلاح، هيا! الآن! قبل فوات الأوان!.
نص يجب أن يوضع ك"تيفو" بين الحدود.
تحيتي وتقديري أستاذتي
الزهرة الصالح /المغرب
_---------------_------------------------------------------------------
القصة
رائحـــــةُ الأضَاليــــــا.
اِبني ..اليوم ليلة الأربعاء يومنا- نحن الإثنان- وقت الكلام والهدْرة ..البيت أظنه فارغا، خرجوا ليتعشوا عند عمك العربي.، لا لم أذهب.. رفضت ..كيف أخلف موعد الأربعاء؟ ..أعرف أنك تحبه يذكرك بعودة أبيك من السوق محملا بالحلوى والسكاكر .. نعم ..آه أنت تضحك ؟ أسمع ضحكتك "الزوينة" من هنا مع الشّخرة الأخيرة المحببة التي تختم بها ..والغمازتين على خديك ..أراهما .. كيف الجو؟ ..الجو بارد هنا، لكن ولا قطرة مطر سقطت، عام الجفاف..الله يلطف..وأظنه هناك أبرد .. -لا ..ليس كذلك، كيف، وأنت قلت لى أنك في مكان تكثر فيه الثلوج ..السترة التي حكتها لك تلبسها..حقا ؟ تشعرك بالدفء، لأني حكتها بكل أحاسيسي الحنونة، لقد ساعدتني فيها الضاوية ..جارتنا الحسناء أتذكرها ؟ سكتّ؟.. لا شيء يخفى على أمك ..لا تخجل..تأخرتَ عنها كثيرا بُني فزوجوها رغما عنها .. السترة، لم تغسلها بعد، احتفظت برائحتى عليها ..يا شقي متى ستكف عن شقاوتك؟ إسمع لما تحب أن تغسلها، لا تضعها في تلك التي تقول عنها الماكينة، بيديك.. لا تنس إغسلها بيدك، ولا تعصرها وقبل ذلك ضعها في الثلاجة ساعتين بالتّمام حتى لا تتقلص .. كيف عرفت؟ الأذن لا تشيخ بُني، قالتها لي الفاسيّة الخياطة .. حاضر أمّيمْتي .. قلت أميمتي ؟ ..يااه كم اشتقت لسماعها منك، طالت غيبتك وْليدي ! ، الأوراق ..لم تأخذها بعد؟ كيف ذلك والعجوز التي منحتها شبابك مقابلها، ماذا فعَلت؟ ..لا شيء.. لاشيء؟ ولم طردتك الشّيبَة العاصية، ماذا فعلتَ ؟..إياك أن تكون سرقتها؟ حاشا ..أمي، لقد اكتشفتُ أنها ليست امرأة بل رجل.. رجل، أعوذ بالله، رجل، ولابس حوائج النّْسَا ومزوّق ؟ "عنداك" تكون ارتكبت الفاحشة التي لا تُذكَر ؟ -لالا..لا، لم تفعل؟ الحمد لله ..وأنا ماذا أفعل ؟ أنا جالسة في غرفتي، تعرفها، لم يتغير فيها شيء، الدولاب الخشبي الذي اشتراه لي أبوك في العرس، يكاد أن يُتمه العَثّ والبخّوش، أسمع قرضه في الليل، يتساقط كل يوم منه شيء كالدقيق.. والسرير؟ لم أغيرْه، ومازالت نتوءاته تؤلم ظهري وضلوعي، ما بعثته لي استحوذت عليه زوجة أخيك، نعم اصطحبتني إلى 'وافا كاوش".. كارش؟ آه كاش، كوَّشَت عليه ، من يده لحقيبتها، اشترت به دمْليجا، نعم جميل، أقِرّ أنه جميل ، كان عندي أمثاله أتتذكّر؟ من ثمنهم دفعت "للحرّاك" حتى تسافر..أعجب أخاك في يدها، لم يسألها حتى من أين حصلت عليه ..المسكين، كم يؤلمني حاله المايْل..صندل في رجلها تمسح به الأرض وتطأ به الأشواك والوسخ، جعلته يأكل "النانُوخة ولسان الحمار" .. لا يشتكي؟ أبدا .. ولا يقدر على مواجهتها حتى..لا تنعثها بالخادمة، كانت .. هي الآن سيدة البيت .. وأنا ؟ " طالبة فقط السلامة" من لسانها ويدها..لا، لا تضربني، لستُ أبكي ولدي لقد شرِقت بشربة ماء فحسب.. تطعمني؟ نعم وتلمست الصحن النصف فارغ وقطعة الخبز اليابسة ..إحك لي أنت..آه العمل ولا شيء غير العمل..في مطعم ؟ يملكه يهودي؟ يهودي ، طلياني ويهودي، في الطليان أيضا يهود؟ "ماشي غير في "فَلاسْطين" ؟ قلت لي أنك "رايس الطباخة" في مطعم عَرْبي ..غيّرت؟ كان يحْبسكم في القبور ولا ترون الشمس؟.. القبو يا مّْي..! فهمت وليدي، في القبْر..القبر الأوراق..دائما الأوراق، لأنكم تعملون في النْوَارْ .. النّوّار والورْد تحت الأرض ؟ مَزياان أنت تحب الزهور!.. فوق السطح ما زالت نبتتك"الضّلاليا" ، تزهركل صيف، لا تضحك، لم أعرف كيف أنطقها يوما..شُمّ ، كيس لُسيناتها اليابسة معلق بجانبي، أجمعها لك ..رائحتها كرائحتك.. تقول السّواد، كيف في السّواد؟ لا يُضيئون لكم "اللّكتْرِسينْتي" ..آه فهمت ..من لا أوراق له أسْود .."أكحل الراس " عربي "زَعْما" ..!! وهذا، هل يترككم تخرجون من القبر؟ في الليل فقط ؟ ..ولد الزاهية في السجن ؟..خرج بالنهار، يفَتّش عن الشمس وظلّمُوها عليه ؟ ..يا الله على الزاهية "الزُّغْبيّة المسكينة" سيطير عقلها لما تعرف، لا، لن أقول لها وهل أنا حمقاء، ستصيبني بعين الحسد ، ولماذا ؟ ..لم يجدوا عنده
الأوراق..الأوراق الأوراق..دائما الأوراق سيعود.."روفولي".. سمعت ذلك في جلسة الحمّام البَلدي .. أخوك ؟ بالسيارة ؟ عُمري ما ركبت فيها، لا.. هي من ذهبت بي، تركتني "للطيّابة" ، قالت لها أن تُغسّلني ! تغسّلك؟ ..الله يحفظك ويطول عمرك..إيوَا ؟.. وذهبت عند الكوافور "لتَتزيّز" وتتحضّر للسهرة..! آه ..نعم عدت لوحدي، لم أسقط في أية حفرة .. الشارع ؟ ما زال كما تركته ..لوكان عندي بنات ؟ ..إيوا يا وليدي " من ليس لديه بنات ما عَرفه أحد باشْ مات "! قلتَ "رُوفولي " طردوه وسيرجع ؟ الله يا وْليدي، أطلُبْ منهم أن يدَعُوه هناك ، أو يبعثوه إلى شِي جهنم كَحْلة..الدّرب ارتاح من تعربيده وسكره وكلامه القبيح..منذ ذهب صرت أنام ولا يوقظني صراخه تحت نافذتي ولا بكاء أمه حين يهْريها بالضرب كبطانة كبش العيد..كانت تدعو عليه أن يأكله الحوت يمكن عافَه.. وتفَله ..المعفُون..! - وأنا ؟.. صابرة ومتصبّرة هنا، انتظر عودتك وحشتك تقتلني ..لا..لا لن أموت سأنتظرك .. ستعود ..أهههاه. بسيارة أم عيون كاللوز، طويلة وعريضة وسوداء كسيارة الوزير، وستذهب بي إلى حامّة مولاي يعقوب.. في فاس ؟ ..أسخّن عظامي..يا بَركة مولاي يعقوب.."بارد وسخون أمولاي يعقوب"..يغسل الذنوب ويشفي الحبوب..آه والقلوب، هل يشفيها ؟ ويغسلها وينقّيها ؟
صريرمفتاح في الباب يجعلها تنكمش تحت غطائها الرث ، تنكفئ وتتداخل في بعضها وتتقلص حتى تصبح غير مرئية، تسمح طقطقة مكبس النور، يغمر الغرفة ضوء جعلها وهَجه تغمض عينيها، وترفع ذراعها الهزيلة إتقاءَ ما تتعرض له.
تنظر إليها المرأة شزرا ..تصرخ في وجهها :
- إن سمعتك تهترفين مرة أخرى وتزعجين راحتي ..أقسم ، أنك ستجدين نفسك تتعفنين في دار العجزة .. هسْسْ ..لا نفْس و لاحَسْ..يا عجوز النحْس..إإإخ...
يعم الظلام ، ويبقى صفق الباب العنيف يتردد في رأسها طويلا ، تخضّل دموعها وسادة تزاحمت عليها رأسيهما وشهدت سعادتها به.. تخرج من تحت الدثار المهترئ تليفونا عبارة عن لعبة أطفال مبعوجة، لَهتْ بها أيدٍ كثيرة، تُشبعه تقبيلا، توشوش فيه وعينها على الباب:
-آآه.. يا ولدي ليتك ما ركبت البحر.
