"ملكة الصحراء.. خاتون العراق"
جميلة وأنيقة، وِلدت وتربت وسط جمال الريف الإنكليزي، نالت البكلوريوس في التأريخ بتفوق عالٍ، مع انه كان حكراً على الرجال! تخلت عن كل ذلك لتحقق رغبتها في إكتشاف مجاهل الصحراء وخبايا المدن الأثرية في الشرق الأوسط؛ سارت الفي ميل قاطعة للصحراء بظروفها المعادية للحياة؛ وبذكاء عالٍ وقدرة على التكيف مع أشد الظروف، أجتازت كل مايعترضها من مصاعب.. فاستحقت بذلك لقب ملكة الصحراء.
"غيرترود بيل" او المس بيل، الكاتبة والشاعرة الإنكليزية، بدأت رحلتها بعد تخرجها من الجامعة، بدءاً من طهران نقطة انطلاقها (حيث اقامتها في بيت خالها السفير البريطاني لدى ايران) ثم تركيا والقدس ودمشق ونجد والحجاز ثم العراق.
في رحلتها الشاقة هذه، كونت علاقات قوية مع زعماء القبائل وشيوخها، ودخلت بيوتهم وتفاعلت مع نسائهم، تستمع الى مجالس الغيبة والنميمة!! مكونة صورة متكاملة عن حياتهن وطباعهن وحتى اسرارهن! وفي ذات الوقت كانت موجهة لهن للكثير من الأمور ..المس بيل وثّقت كل إكتشافاتها لترسلها الى والدها، وفيما بعد جمعتها زوجة ابيها وحفظتها في ثلاث عشر مجلد!
وبعد الإحتلال البريطاني للعراق عينها المندوب السامي مستشارة لديه كونها ضليعة باخبار العامة والخاصة، وهي أول سيدة خاضت مضمار السياسة، وكان لها التأثير الواضح في صناعة القرار البريطاني وسياسته في الشرق الأوسط، فتركت بصمات واضحة في مستقبله ورسم حدوده.
"الخاتون"وكما يطلق عليها اهل العراق لأناقتها واتباعها فن الاتكيت، اصبحت من الشخصيات المهمة، وتصدرت مجالس الرجال! ولكن بعضهم لم يرُق له ذلك، فالصق بها تهما باطلة، ولكن بقوة شخصيتها وثقتها بنفسها ضربت كل ذلك عرض الحائط ومضت قُدما في تحقيق طموحاتها.
ملأ اسمها الآفاق لما لها من تأثير على اطراف مهمة، مثل الادارة البريطانية في العراق، وجميع الزعامات السياسية العراقية من وجهاء وزعماء قبائل وبعض رجال الدين! ونالت احترام الجميع ولم يتردد احد في طلب المشورة منها.
تُعد المؤسس الفعلي للملكية الدستورية في العراق، فهي من نصبت ملوك العراق ومنهم فيصل بن الحسين؛ ، واتخذوها كمستشارة سياسية لهم، كما انها شاركت في وضع مشروعات القوانين.. وبذلك فهي استحقت عبارات التمجيد والاطراء والثناء؛ كما ان الجميع يتسابق للجلوس جنبها، ومحادثتها، والتقاط الصورة معها أوخلفها!
المس بيل اصبحت مثار جدل، هل هي جاسوسة تعمل لصالح المحتل، ام انها تصبو الى بناء عراق ديمقراطي برلماني، جاهدت في سبيل نيل استقلاله، وبناءه كدولة مدنية عصرية يُشار لها بالبنان؟! فان كانت جاسوسة أو لم تكن تبقى فمصيبتنا واحدة وهي في الذين باعوا ولا زالوا يبيعون اوطانهم ويعملون لصالح المحتل( العمام والخوال)!
قد تكون الخاتون صنعت الملوك وقد تكون جاسوسة لكنها اصابت في الذين اتت بهم، فالعراق مرّ بعصر ذهبي يحسب العالم له ألف حساب، ففي زمن الملكية عمروا وبنوا بلدا ديمقراطيا برلمانيا متطورا، مدني الصبغة، صداه ملأ مشارق الارض ومغاربها.. ولولا انقلاب عبد الكريم قاسم لكنا الان في مستوى الدول المتقدمة!!
ماتت الخاتون في اوج عظمتها وقوتها، وليس هناك مايبرر موتها! فيُقال انها انتحرت! لتنتهي حياتها الحافلة بالعطاء ولآخر يوم في حياتها عندما تكلل مجهودها (في جمع وترميم الاثار المستكشفة) بافتتاح المتحف التأريخي في بغداد! وتسمية أحد اجنحة المتحف باسمها، ونصب تمثال نصفي لها.
الخاتون غامرت وجاهدت وتكللت اعمالها بالنجاح، الاّ الحب! فقد أحبت مرتين، وفُجعت بموتهما ! وكانت رحلاتها سلوىً لها، فتراها على ثلوج قمم الجبال تارة، أو وسط تموجات رمال الصحارى مرة اخرى، لتكون بغداد اخر محطاتها! فتُقيم هناك وتموت وتُدفن هناك!

