دراسة نقدية لقصيدة ( رثاء بغداد ) للشاعر حسين البابلي
بقلم - الأديب قاسم عبدالعزيز الدوسري
رثاء بغداد
******************
مالِلأراكةِ هاجَها استعـــــــــــــبارُ؟
أمْ حزَّ نحرَ ظِلالِها المنــــــــــشارُ؟
أمْ ماتَ في دَمِهَا الربيعُ فَأُثكِلَتْ؟
أمْ خانَ غاضِرَ حُلمِها مِــــــــدرارُ؟
بِأَريضةٍ ذبحَ الخرابُ بنَــــــــــاتِها
وبجذعِها كأسُ المنونِ تُـــــــــدارُ
ألقى أساها جدولٌ بِضفافِــــــــهِ
ماءُ المآقي، فالشجونُ كُثـــــــارُ
ضُرِبتْ أَمانيها وبزَّتْ ثوبَهــــــــا
رِيحٌ فَأفلتَ خِصرَها الزنّــــــــــارُ
حسناءَ كانتْ لامثيلَ لِسـحرِهَـــا
ولطالما صدَحَتْ بها الأطيـــــــارُ
كانتْ أمامَ العينِ إمرأةُ الهــــوى
فتسابقتْ بغرامِها الأشعــــــــــارُ
وإذا بها انجدلتْ بسيلٍ عــــــارِمٍ
يحدوهُ ركبٌ حاقِدٌ وتتـــــــــــارُ
أَوَ هكذا يمضي الطريقُ إلى سُدى
دونَ الرجاءِ وتنقضي الأعمــــــارُ؟
ياعينُ صُبِّي مااستطعتِ جَـداولاً
حرّى فماأجدى الجوى التصـــبارُ
حسين البابلي
************
التعريف بالشاعر :
***************
الشاعر حسين البابلي من شعراء العراق الموهوبين الذين يتمتعون بالحس الوطني الفائق والدفاع عن الوطن وحمايته والغيرة على حرماته -ويمتلك الشاعر ثروة لغوية ضخمة وموروث ثقافي وتاريخي رائع وقدرة فائقة على الإبداع - وغرض الرثاء لايطرقه إلا القليل من الشعراء النابغين .
اختيار العنوان :
************
لم يضع الشاعر عنواناً لقصيدته ليفتح المجال أمام العقول للتدبر والاختيار المناسب للاحساس والعاطفة وانا بدوري وجهت القصيدة وطنياً تحت عنوان : "رثاء بغداد" وكان اختيار العنوان موفقاً لعاطفة الشاعر وألفاظه .
تحليل النص :
***********
تسيطر على الشاعر عاطفة الأسى والحزن على ماأصاب بلده من خراب ودمار على أيدي المفسدين الذين قلبوا حسنها قبحاً وعزها ذلاً فيتحدث بأسلوب استفهام استنكاري يملأه التعجب والدهشة من حال شجر الآراك وقد غطته كثرة الدموع وهو يحتضر وقد أوشك المنشار يقطع نحره -فمات الربيع فيه بنضارته فكأنه امرأة ثكلى فاضت عيونها بالدموع وضاعت منها الآمال- وحل الخراب بأرضها وذبح بناتها وكأس الموت يدور حولها -وأصبح الأسى نهراً تفيض ضفافه بدموع المآقي وكثرة الأحزان -وضربت الريح الأماني ومزقت الأثواب والأحزمة -فقد كانت البلاد حسناء ساحرة لامثيل لها تغني فوق أشجارها الطيور -وكانت كالفتاة الجميلة المحبوبة التي يتسابق الشعراء حولها في الوصف والغزل -وفجأة أصابها سيل عارم من التتار الحاقدين -حتى وصلت إلى طريق مسدود لافائدة فيه ولا رجاء حتى تنتهي الأعمار -يبكي الشاعر على ضياع بلده ويطلب من العين البكاء الغزير انهاراًوجداولاً فما ينفع الصبر مع شدة الحزن .
تعليق عام على النص :
******************
الغرض الشعري :رثاء الممالك الزائلة وهو غرض قديم ظهر وانتشر في بلاد الأندلس بعد سقوط الممالك الاندلسية ثم تطور بعد ذلك في رثاء دمشق وبغداد بعد سقوطهما على أيدي التتار -وشاعرنا تأثر بحال بغداد بعدما أصابها من ظلم واعتداء فكتب هذه المرثية يصف لنا حالها بعد العدوان وقد أجاد الشاعر في حسن اختيار الألفاظ المعبرة عن الأسى والحزن وما آلت إليه احوال البلاد مثل :مات -خان-ذبح -المنون- أساها -الخراب-حاقد -الجوى -التصبار -كما أجاد الشاعر في استخدام الأساليب الانشائية المعبرة عن الألم والبكاء والتعجب والدهشة والاستنكار -:ماللاراكة -أم حز -أم مات -أم خان -أوهكذا -والنداء :ياعين :كلها اساليب انشائية قوية ومؤثرة -كما أبدع الشاعر في صياغة الصور البلاغيةالتي تخدم المعنى :مثل :حزّ نحر ظلالها -مات الربيع -ذبح الخراب بناتها-استعرات مكنية رائعة للتشخيص والتجسيد الذي يقوي المعنى ويوضحه -كانت امرأة الهوى -كانت حسناء لامثيل لها :تشبيه بليغ رائع -ياعين صبي :تشخيص للعين بانسان يصب الدموع.وقد استخدم الشاعر الأساليب الخبرية الدالة على الوصف والتقرير .
يرثي الشاعر بغداد ويصف لنا حالها حين عزها وحسنها وما أصابها من خراب ودمار وكان موفقاً في اختيار الأسلوب السهل الممتنع فجاءت الالفاظ سهلة والمعاني قريبة وواضحة مما يجعل جمهور القراء يقباون على إنتاجه الأدبي -كما يتمتع الشاعرة بقدرة فائقة على الحوار ويمسك جيدا وبقوة بزمام اللغة العربية وكلماتها المتناغمة وحروفها الموسيقية مما يجعل القصيدة وكانها نسيج واحد او لوحة فنية رسمها فنان بارع أو قطعة موسيقية لفنان ماهر -.
التعقيب :
**********
تحياتي وتقديري للأستاذ الشاعر حسين البابلي وأحيي فيه الحس الوطني الرائع وقوة الانتماء للعراق أرض الحضارات في بابل والموصل والبصرة وبغداد - ونسأل الله الأمن والاستقرار ورغد العيش للعراق الشقيق -وأكرر شكري وتقديري لهذا العطاء المتميز وأتمنى لك دوام التألق والإبداع.
