الجوهر النفيس
قصة . . . مُحَمَّد الباشا / الْعِرَاق
زَوْجَهَا الْفَقِيرَ كَانَ يُرَاهِن عَلَى الْأَيَّامِ كَي تَبَدَّل طَبَائِعِهَا الشحيحة الْأَرْزَاق ، وتنقذه مِن تَقاعَس الرِّزْق وَنُدْرَتِه ، الزَّوْجَة تَسْتَعِين خُفَّيْه بِأَهْلِهَا لِإِكْمَال نَوَاقِص مصروفها الْيَوْمِيّ ، فِي أَحَدِ الْأَيَّام جَاءَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ قَائِلُه :
_ ضَجِيج الْجُوع نَالَ مِنْ قوانا ، هَائِجَة أَصْوَات الأحشاء الْعَارِيَّة ، أَوْلَادِنَا يصارعون صَدَى الْأَمَانِيّ بموائد عَامِرَة ، مَتَى تَتَغَيَّر مَلامِح وُجُوهِهِم الَّتِي أَعْيَاهَا الْفَقْر ، لَيْس عاراً أَنْ نَكُونَ فُقَرَاء ، وَنُمْسِك بِذَات الْوَقْت بِالْعِزَّة وَالْكِبْرِيَاء ، عَلَيْكَ أَنْ تَسْعَى جاهداً لِلْوُصُولِ إلَى مَا كَتَبَ لَكَ مِنْ الرِّزْقِ فِي الْغَيْبِ ، أَمَّا أَنَا فَإِنِّي سالجأ إلَى الْأَهْلِ لِيَكُونُوا عوناً لَنَا كَمَا هُمْ دائماً لَتَجَاوَز مِحْنَةٌ هَذِهِ الْأَيَّامِ البخيلة .
غَضِب الزَّوْجِ عَلَى مُسَاعَدَة أَهْلِهَا لَهُمْ بِدُونِ عِلْمِهِ فَصَرَخ بِوَجْهِهَا :
_ مُنْذ مَتَى وَهُم يَتَصَدَّقُون عَلَيْنَا ، لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ بِهَذَا مِنْ قِبَلِ ، لَقَد اقترفتي ذنباً كبيراً ، أَنَّا لَا أَرْتَضِي لِنَفْسِي وَلَا لِأَوْلَادِي أَنْ نَأْكُلَ مِنْ فَضَلَاتِ أَهْلِك وَعَطْفِهِم ، تباً لَك لَقَد جئتي بِذَنْبٍ لَا اغفره لَك ، فأعدي الْعِدَّة كَي ترحلي إلَى أَهْلِك ، حَتَّى لَا تزيدي مِن أحساسي بِالْعَجْزِ عَنْ مَعِيشَتِك ، اذْهَبِي إلَيْهِمْ بِلَا رَجْعَة .
صَرَخَت بِوَجْهِه لِتَزِيد مِن عصبيته :
_ أَنْتَ كُنْتَ عاجزاً عَن تَوْفِير رَغِيف خُبْز لعائلتك ، مُسَاعَدَة الْأَهْل لَيْس جرماً وَإِنَّمَا هُوَ رَحْمَةٌ وَرَأْفَةٍ ، الْعَتَب كُلّ الْعَتَب عَلَى تقاعسك فِي السَّعْيِ الْحَقِيقِيّ وَرَاء الرِّزْق ، اعْلَمْ أَنَّ تظاهرك بِالْعِزَّة واستنكارك لِمُسَاعَدَة الْأَهْل لَا مُبَرِّر لَه ، فالأيام دُوَلٌ بَيْنَ النَّاسِ ؟
خَرَجَتْ إلَى أَهْلِهَا بَاكِيَةٌ تَجْر أذيال الْخَيْبَةِ مِنْ رَجُلٍ مُتَهَاوَنٌ فِي السَّعْيِ لرزقه ، ويتظاهر بِأَنَّه مَجْرُوحٌ الْكَرَامَةِ مِنْ مُسَاعَدَة الْأَهْل .
بَعْدَ عِدَّةِ أَيَّامٍ مِنْ عِنَادُه وَتَرَكَهَا هِي وَأَوْلَادِهَا عِنْدَ أَهْلِهَا ، أَرْسَلَ لَهَا خَبَر طَلَاقَهَا مبررا ذَلِكَ أَنَّهَا لَمْ تَحْفَظْ لِزَوْجِهَا فَقْر حَالَة ، وَرَاحَت تستجدي عَطْفٌ أَهْلِهَا لينفقوا عَلَيْهِم ، وَبِذَلِك قَدْ أَسْقَطْت كَرَامَتِه وَعَرَضْته وكبرياءه لِلِاسْتِهْزَاء .
مَرَّت أَشْهُرٍ فَكَانَ الْقَدْر يَكْتُب شيئاً مؤلماً لَه ، تَعَرَّض طليقها لِحَادِث أفْقَدَه إحْدَى أَرْجُلِه ، لِيُصْبِح مقعداً يَسْتَحِقّ الْعَطْف .
قَالَت لِأُمِّهَا بِكُلّ وَجَع :
_ لَقَد بَعَث طليقي خَبَرًا يُطْلَبُ فِيهِ الْمَغْفِرَةُ ، كَي أَعُودَ لَهُ وَأَنْسَى تَهَوُّرَه ، وَأَنَا لَن أُفَكِّرُ فِي الْأَمْرِ كثيراً ، سأعود لَهُ لِأَنَّهُ فَقِيرٌ مَقْعَد لَا أَحَدَ يُسَاعِدُه غَيْرِي ، أَنَّه زَوْجِي وَوَالِد أَبْنَائِي ، سَأَكُون جَنْبِه لاحظى بِرِضَا رَبِّي ، وأكسب أَجْر مُرَافَقَتُه وَإِعَانَتِه ، وَأَنَا أَعْرِفُه عَزِيزُ النَّفْسِ عَالِي الْكِبْرِيَاء ، وَلَن ادْع عَجْزِه وَفَقْرِه يَدْفَعُه للأستجداء ، سَأَكُون سنداً لَه وَعِزَّة وَكَرَامَة .
هَكَذَا عَرَفْتُهَا صديقتي فالجوهر النَّفِيس دَائِمًا يَظْهَرُ عَلَى حَقِيقَتِهِ عِنْدَ الشَّدَائِدِ ، رَاحَت تَعْمَل وَتَعْمَل وَتَعْمَل لِمُسَاعَدَة زَوْجِهَا وَأَوْلَادِهَا .

