-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

في التسليم سلام/ قصة قصيرة بقلم الأديبة: غفران كوسا / سوريا


 في التسليم سلام

لم يكن أبي واعيا تماما عندما أحرق ألواني ،ولوحاتي، والميدالية الذهبية التي تحصلت عليها لفوز لوحتي في مسابقة الرسم الكبرى، والتي ظن والدي أنها صورته الشخصية وزوجته تتلوى على سرير أمي، وهذا لم يكن حقيقيا تماما، ربما كانت المرأة في الصورة حية كزوجة أبي، لكن الرجل المسكين المرسو م على زاوية السرير لم يكن والدي، بل كان كل الرجال الذين عرفتهم...
حملت ريشتي وتسللت خارج البيت في الصباح الباكر قبل أن يستيقظ غضبه من جديد، واتجهت إلى الساحة العامة، لأقرر هل اسافر في القطار أم في النقليات العادية، فأنا لا وجهة لي، لهذا سوف أختار القطار، التقيت بعجوز الحي صاحبة العين الواحدة واللسان الطويل، قالت: احملني في هاتفك ...
قلت لها سوف أفعل ولسوف أرسمك في يوم آخر وجها لهمومي، وآخر عاصفة تمر بي، أمسكت هاتفي وأخذت لها عدة صور، وأسرعت قبل موعد القطار الثابت السادسة والنصف صباحا، كنت قد اشتريت علبة سجائر ، ولم أكن قد اعتدت على استنشاق همومي، وخروج مواجعي مع لوحات الدخان المتصاعد. قبل السابعة كنت قد غفوت، وقد علمت أن المحطة الاولى للقطار ستكون في الساعة الثامنة... رأيت في حلمي أنني أجالس أمراء من العصر الأموي، قالوا لي من أي عرب أنت، كنت جاهلا وجعلتهم يسخرون مني، وكانت تجلس بينهم أميرة ذات حسن، قيل لي هي سكينة ابنة الحسين، وهي تعرف الناس من وجوههم، ولا بد ستتعرف عليك، خفت كثيرا وترددت في الخروج قبل أن تمعن النظر بي، إلا أنها سألتني هل تعلم من أشعر الناس، قلت لها ليس والدي، ولست أنا، قالت : أولم تقرأ في كتبك عن أشعر الناس، قلت لها دعيني أسأل هاتفي، ابتسمت وقالت : قلت سابقا للفرزدق جرير أشعر أهل عصرنا. قلت لابد كان في زمانكم أشعر من جرير، وفي زماني رسامين أشهر مني، خرجت من المجلس ولم تعد، لكنتي استيقظت على صراخ، وتأنيب من راكب القطار الذي جاورني أنه علي النزول فالقطار لن يعاود الرحلة قبل الساعة الرابعة، قلت: أنا سأمكث هنا ولن أعود لا اليوم ولا غد، بل سوف أبحث عن وسيلة تقلني بحرا أو جوا خارج الحدود ولو كلفني ذلك كل ما أملك، بقيت وحيدا في وسط مدينة لا أعرف فيها شجرة تظللني، ولا صاحب يستقبلني، ولا مال يكفي لمدة طويلة في فندق، وقفت على باب محل لبيع الثياب النسائية وكانت تجلس على مكتب فاهر ضمنه سيدة أربعينية ممتلئة الجسم، شقراء الشعر، منفوخة الشفاه، بحواجب موشومة قبل مدة قصيرة فتبدوان كغرابين متواجهين على جبهة كبيرة، لم أكن مرتاحا لها لكنني ضربت ضربة حظ وقلت هل تحتاجين لشاب يعمل معك مقابل قوت يومه واحتياجات هاتفي فقط، ضحكت وقالت لست حكومة لأوظف الشباب، لكنني لست غبية لأرفض نعمه من السماء، وكأنك ملاك يطرق بابي ولا أرده طالما خلق الله لي عقلا في رأسي ، سوف أمتحنك لعدة أيام، ولكنك ستنام في غرفة الكلب... مجرد تسمية لقد مات الكلب منذ سنوات وفيها سرير ولها حمام وهي مناسبة لك... لم أكن لأنتظر أفضل من هذه الفرصة، لم أرسب في اختباراتها، اجتزت امتحان الأمانة إذ وجدت بالقرب من غرفتي والتي ما يزال اسمها غرفة الكلب، خاتما غالي الثمن، أعدته عن طيب خاطر، اجتزت امتحان الجوع، العطش، والقل، تشبثت بعملي مع السيدة لعدة سنوات بعدها أدخلتني القصر كرجل عصري، وكابن، ثم تزوجت ابنتها الوحيدة وكان اسمها سكينة... قررت العودة مع زوجتي لأتفحص ما آلت إليه الحياة في منبت رأسي، ومع والدي وأختي، عدت بسيارة بعرض حينا، وجدت قبرا لأبي ووصية، أوصى برضاه عني، و بأرض كبيرة ، وبقية باقية من ثروة جمعها من جوعه، بعدما هجرته زوجته وهاجرت أختي مع من هاجر خارج الحدود ، ليترك لي أبي أيضا مكتبة كبيرة تضم شعر جرير، والفرزدق، نحت بحرفية صورة وجه أبي على صخرة كبيرة كأمير وأسميت اللوحة: القدر .
وأعدت مرات قراءة الوصية: لا تهرب من قدرك واسع في الأرض واتكل على الله، ولا تتردد في فتح كل باب تمر به... كبر ابني و رسمني بجانب محل الألبسة على شكل فستان نسائي تحيط بي الدولارات، وتبدو شواربي شارة تجارية، صفقت له مع اللجنة التي أثنت على دقته، وعلى أنه أول رسام في المدينة تفوق علي في رسم تفاصيل دقيقة فاقت دقة الكاميرات الحديثة، لكن موهبته لن تطعمه خبزا في بلاد لم تصفق إلا للشقاء والحروب، والتعري وماتزال لقمة العيش تبعد الموهوبين وتهمشهم.
غفران كوسا












عن محرر المقال

صديقة علي

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية