قراءة نقدية
جمال الشمري
إن موضوع الفلسفة في القصة هو (القصة)
ذاتها؛ فهو موضوع مميز ومهم, سواء أكانت القصة تمثل مشهدًا من مشاهد الحياة أو
تحكي تاريخًا ما، أو تروي علاقة البشر بعضهم ببعض, أو علاقتهم بالزمان والمكان،
فإنها غالبًا تقدم شيئاً ملهماً, بينما في
المقابل تتجه الفلسفة إلى البحث عن الحقيقة.
وقد استندت المقاربات النقدية لفن القصة إلى عدة
معايير، بعضها أنصب على الجوانب الدلالية والبعض الآخر على الجوانب الشكلية؛ ومن
هنا جاءت هذه الرؤية ، كفن يجب أن يستخدم الفلسفة لتمرير الأفكار والمشاهد والصور
والمفاهيم ، والعناصر البنيوية الفلسفية التي تخدم القاص والنص والمتلقي .
في قصتنا هذه ( أفعى) نجدها تحفل
بإيقاع حيوي ،
ما أدى بالقاص للابتعاد عن السياقات الرتيبة واتجه نحو الوعي للبحث عن
نموذج لتشكيل إيقاعاتها وحسها وتغيراتها, حيث يضمر القاص معنى داخل المعنى نفسه
فيخترع المعنى ثم يتدرج الحدث من صورة إلى صورة أخرى, مع تعمق وثراء في تفاصيل
المعنى ومتانة في بنائه القصصي.
بدء بالهشيم الذي نراه يتمدد على
المصاطب منذ سنوات عدة مرت
هذا كان التمهيد الأول ؟؟
ثم تفقد البطل لأشجار الزيتون ، و
أظنها مرتبطة بالهشيم ، أو بأحلامه السابقة التي تبعثرت كالهشيم !!!؟
ثم الانتقال لفسحة المستقبل وأشجار
اللوز الجديدة المعدة للزراعة
هل أشجار اللوز هي امتداد لسابقاتها
وهل هي التجديد والتطوير؟؟
، سيما حين تكلم البطل عن باكورة
أعماله سابقا في المسودات التي أثمرت كشجرة!!
بعده أتى الانتقال إلى الحاضر ومشاريع
الإبن
وكان لابد لها من حياة ورعاية وماء
وتلك الجرافة التي تدك هشيم الماضي
وتبعاته وأوجاعه
القسوة مع اللين حين قتل الأفعى
ربما تعبر عن قسوتنا حين نحارب
مواريثنا الأصيلة فندمر دون قصد أغلى و أجمل ما فينا
موروث لم يؤذنا بقدر ما جمعنا ووحدنا
وكان حاضرا في كل أفراحنا وأتراحنا
إن المقصود هنا ليس فقط توظيف القصة لخدمة
الأغراض الفلسفية، وإنما تتجاوزه إلى منح القاص الوعي الفلسفي الكافي والذي لا
ينعكس على موضوع القصة فحسب، وإنما على بنائها الفني، والتجريب والتحديث في
أشكالها السردية، ما ينهض بالفن القصصي وأدواره.
إن البعد الفلسفي في القصة أصبح ضرورة فنية ضمن
السياقات الفنية الأخرى التي تدخل في صناعة النص، ولم يعد يقتصر تأثير الفلسفة على
الجوانب الدلالية للنص والمحتوى, وإنما تجاوز ذلك إلى اللغة والأسلوب وطريقة تنظيم
المعاني وخصائص البنى الجمالية بصفة عامة، أي أنه اهتم بكلا الجانبين: الشكل
والمضمون؛
الأديب: جمال الشمري
القصة :
أفعى
سليمان جمعة
الهشيم الذي تكاثر من سنين يلبس مصاطب
حقلي ،وتتسلل خلاله عرائش العنب وتتمدد
نزولا على سفحها .
نزلت يوما أتفقد شجيرات الزيتون،
تأملتها كمن يقرأ مسودات قد أهملها وخربش
فوقها يتسلى؛
نويت أن اكتبها من جديد .. وأنقص من
امتداد السفح فأضيفه للسهلة من الحقل ،وأقيم حائطًا من دبش الحجر يسنده ...
الكتابة نسخًا عن المسودات مملة وفيها
بعض الفرح اذ تتعرف على أفكارك القديمة التي تركتها محبوسة .
لا بأس قد تزيد السهلة مترين ..مما
يسمح لي بزراعة عدد من أشجار اللوز في تربة بكر لم تزرع من قبل ..
تلك المسودات أثمرت عددًا كبيرًا من
الأفكار التي كانت باكورة كتاباتي .
خططت لذلك وأنا أعود أدراجي شابكًا
يديَّ وراء ظهري.. أسند صعودي عائدا الى البيت.
هدرت الجرافة هناك ...
وأنا اقف فوقها عند كتف الجل ؛
والى جانبي ابني الشاب يتأمل ويحدثني
عن مشاريع سيقيمها اذا اكرمنا المولى ببئر ماء ..
كنت أصغي ونظري أسفل المصطبة ..
انحنيت تناولت حجرا بقدر ضعفي راحة
يدي...
قذفتها بمهارة ...
أصبتها ..
لم تمل أكثر من مترين، بعد أن خربت
الجرافة جحرها .
علا صوتي ..لا.. لا ..لم أكن أريد ذلك لقد
ماتت...كنت أريدها ان تغادر فقط.
تنبه ابني ..
نظر الى الاسفل فرآها... أفعى ممددة...
-كيف ذلك يا أبي ؟
واستدار وهو يبربر ...- ماذا فعلت لك؟
دائما
تنبهنا ان لا نقتل تلك الزواحف في الحقل ..ولا نجابهها ..ولا نحطم
النمل..ولا ..ولا..أين كلامك ؟
لم أملك أن أجيبه...
أقمت الحائط الساند، ولكن ما زلت أفتش
في ظله عن جواب أقنع به ابني علي ..ليسند به مسودة أحاديث غزاها الهشيم و تتسلل خلالها أصابع
داليات بكر ما زال يستطيب عناقيدها ...
سليمان جمعة

