-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

الوسطية منهاج حياة / جنان السعدي

  الوسطية منهاج حياة

جنان السعدي



الحديث في جو أكاديمي عن التأريخ والتراث والدين والشريعة والفقه إبتدأ بنوع من التقارب في الطرح ,لكننا ما إن أسهبنا قليلاً في الإيغال فيما حوته الذاكرة بل فيما ورثناه عن العقائد وأصول الدين وفروعه إلّا ووجدت نفسي محاطاً بجو ملغوم من الغلو في التفكير والسلوك وكيل الشكوك والإتهامات ورائحة الفرقة والتناحر والتنابذ ورفض الآخر أو النفرة منه والحط من قيمته ,وهذا الأمر سحبني لمراجعة مادار في هذه الجلسة البسيطة وما آل اليه الحال في بلداننا العربية والإسلامية عامة وفي العراق خاصة .
التساؤل هذا حال الأكاديمي فكيف وضع العامة من الناس ,أليس الدين الذي تربينا على تعاليمه السماوية السمحاء ,دين تسامح وعدل ومساواة ودين وسطية .
الوسطية هي البعد عن التطرف وبمعنى الإعتدال ,لا إفراط فيها ولا تفريط ,سواء في التفكير أو السلوك .لأن التطرف بحد ذاته يشكو من علة التزمت وفقدان البصيرة فهو يرى في نفسه قمة الأعتدال والغير قمة الإنحراف وهنا تكمن العلة .
الوسطية هي الإعتدال في أمور الحياة كافة من منهج وموقف وتصرف وتحمل معنى العدل في سلوكها الأخلاقي في الحياة .ومن خصوصيات الوسطية هي التوازن بين الثوابت والمتغيرات بين الموجود المستقر الثابت والمتجدد الدائم الحركة المتطور الآني ,فيها الحكمة والموعظة الحسنة والحوار من أساسيات شروطها وخصائصها ,تراها تبحث دائماً عن نقاط الإلتقاء والجمع من أجل البناء ونفرة التعصب والغلو .وهذا ما يقره العقل السليم الباحث عن الإستقامة وهذا فحوى الآية الكريمة ( إهدنا الصراط المستقيم ) الذي نردده في كل صلواتنا اليومية وفي محافل الأتراح والأفراح ,فالصراط المستقيم هو العدل في الإتجاه الصحيح دون غلو أو جفاء أو بعد عن الآخر وبه تستقيم الحياة ويستمر العيش الكريم .
وقد كان للقرآن الكريم وللسنة النبوية الشريفة ولإحاديث الصحابة المنتجبين ولأهل بيت النبوة الكرام عليهم السلام الكلام الفصل في الوسطية ,فقد جاء في محكم الكتاب في سورة البقرة آية 143 ( جعلناكم أمة وسطا ) فوسط الشىء هو المعتدل في كل شيء ,فالوسط بين الإسراف والبخل هو الجود , وبين التهور والجبن هي الشجاعة ,وهذا مايقول به علم الأخلاق حين أشار الى أن كل خصلة حميدة لها طرفان مذمومان .
وقد أقرت الشريعة المقدسة الوسطية الحال بين الإرتماء في أحضان الدنيا وبين الرهبانية المنقطعة ,فكما جاء في سورة القصص آية 77 ( وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا ),وللإمام علي عليه السلام قول مشهور (إعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا وإعمل لآخرتك كأنك تموت غدا ),وفي الإقتصاد الإسلامي تبرز الوسطية في منهاجه كما جاء في سورة الإسراء آية 29 ( ولا تجعل يدك مغلولة الى عنقك ولاتبسطها كل البسط ) وحتى في تفاصيل العبادات كالصلاة مثلاً كانت للوسطية قول في سورة الإسراء آية 110 ( ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ,وابتغ بين ذلك سبيلا ) . وكما ورد في الحديث ( خير الأمور أوسطها ) , وكما ورد في رواية لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في وصية لإبنه الحسن عليه السلام عند وفاته في موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ ل محمد الريشهري ج 7 الصفحة 260 (وإقتصد يابني في معيشتك واقتصد في عبادتك ,وعليك بالأمر الدائم الذي تطيقه )والمقصود بالأمر الدائم الأمر الوسط , وأوسط الأمورأعدلها ,وأبعد الأمور عن جادة الحق الغلو فيها والتزمت والتشدد والتي راح في أغلبها الإسلام السياسي يغذي انصاره بمفاهيم متشددة بعيدة كل البعد عن روح الإسلام ,ناهيك عن الصورة السيئة الظالمة التي عكسها التيار المتطرف الدموي للإسلام الغير محمدي والمتمثل بالإرهاب الداعشي والقاعدة ومختلف التسميات المسلحة العقائدية المتشددة من مختلف الأطراف والتي أعطت أسوء صورة وأقبح مثال في تشويه متعمد للإسلام الوسطي المحمدي الأصيل . فسيرة خير الأنبياء والرسل تشير الى التسامح والتعايش والتصالح مع النفس ومع الآخرين وقبول الحياة مثلما يكون قبول مابعد الممات والآخرة . فقد روي في صحيح البخاري كتاب النكاح باب الترغيب في النكاح صفحة 1949 عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ,حين علم بوجود أناس قرروا أن يصوموا الدهر كله ,وأن يقوموا الليل كله , ومن ثم لايناموا ولا ينكحوا أزواجهم أنه قال ( أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر و أصلي وأرقد وأتزوج النساء , فمن رغب عن سنتي فليس مني ) . وفي هذا الأمر والرواية عن رسول الله ( ص ) الحث على إنتهاج منهج الوسطية و الإعتدال في المعاملات والعبادات وفي كل نواحي الحياة وسنِّه عدم المبالغة في الأمور .
ولإن التطرف والغلو والتشدد خصال تؤدي الى التخاصم والتنابذ والشد والفرقة والهدم وذلك ينعكس سلباً على الحياة العامة والسلم الأهلي والبناء المجتمعي الصحيح . شدد الأسلام المحمدي الأصيل على التعايش السلمي والمحبة و الأخوة والسلام والمساواة في الحقوق والواجبات .

عن محرر المقال

aarb313@gmail.com

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية