هنالك دائماً ما يجري خلف الأسوار، خلف الأبواب القريبة الموصدة وخلف الأفق البعيد، هنالك دائماً أقدامٌ تسيرُ أمامنا كي تختبرَ الطريق الوعرة وربما تُعبّدها، وكأن هذه الحياة التي لا تنتهي تريدُ أن تقول لنا فقط أنها لا تنتهي، وأن ألوانها متعددةٌ ولامحدودة، وأن أعيننا الصغيرة هي بيتٌ آمنٌ لها إن أردنا ذلك.
هنالك أصواتٌ مختلفةٌ تصطفُ الآنَ في طابور الكلام الطويل والأحاديث القادمة، تتهيأُ لحكاياتٍ أبديةٍ أو لقصص قصيرة لا تدوم، هنالك الوقتُ أيضاً لا يكتفي من سكب أعمارنا في قلب الأرض الدافئ كي ننمو أشجاراً في عوالمَ أخرىٰ وبأرواحٍ أكثر قرباً وسعادة.
داخلنا الهش يحتضنُ أيضاً أكواماً من الصخور، كل صخرةٍ فينا هي فكرةٌ صغيرة، وباستطاعةِ هذه الفكرة أن تبقى مجرد فكرة أو أن تصبحَ مدينة كاملة لأجيالٍ من الأحلام والأمنيات، وهذا يعني ولادةٌ جديدةٌ في كل يومٍ تُربكُ ظلَ الموت الخافت.
هنالك دائماً ما ينتظرنا خلف الأسوار والبدايات، هنالك ما يركضُ فينا رغم أن لا وجهة واضحة ولا نهاية مُحتّمة، لكننا نركض لنُبددَ صدأ اللحظات المتوقفة والنهر المتردد، حتىٰ أننا نتعثرُ بلغات مختلفةٍ للكون نجدُ فيها أنفسنا ولم نكن نعلم بذلك، ولغات أخرىٰ لا نفهمها تبني فوق أكتافنا مناراتٍ كما لو كنا نقاطاً دالة في متاهة هذه الحياة التي تواصل اللعب والضحك والاستمتاع بالواقع المبتور.
والمفارقة الدائمة التي تلازمنا هي أننا نطيلُ سلالمنا رغم انخفاض سقف التوقعات وأحياناً يكونُ السقفُ ملغيٌ ببساطةٍ شديدة، لكن هذه السلالم لا توحي بذلك أبداً، فما تقولهُ هو أن خُطانا تتمادىٰ في وجودها جداً، تتكاثرُ وتكبر ..
قبائلَ من الخُطىٰ
شعوبٌ وسماوات
أرجاءٌ فسيحة
لونٌ ناصعُ البياض
يحيطُ بنقطةٍ واحدةٍ سوداء
بحرٌ لا يكترثُ لقطرة ماء
طفلُ صغير لا يعرفُ معنى الحرب
يظنُ أن السلام صناعةٌ بشرية.!
وبعيداً عن كل ما يجول داخل رأسي من خرافاتٍ وأساطيرَ ووجوه وتناقضات وأصوات وجدالات وربما لأجلِ كل ذلك؛ أعتقدُ أننا بحاجةٍ إلىٰ حواس إضافية وكلمات إضافية وصبر إضافي لنمنحَ الأيام عناقاً أطول ولتمنحنا الأيام عناقاً أطول، كما أننا بحاجةٍ للمزيد من الأغنيات التي يرقص فيها الجميع ولا يبكي فيها أحد، نحنُ بحاجةٍ للنوافذ والأجنحة والأكتاف ولكل ما يجري هنالك خلفَ الأسوار ..
