خطوط المطر
ألملم
بتأنٍ جريدةً لم أقرأها، أقطع الوقت بمتابعة قطرة مطر منزلقة على الزجاج الغبش،
ترسم دربا لتأتيَ قطرة أخرى تشترك معها بنفس المسار فيتسع الخط المرسوم ، أعود
لأراقب مدخل المقهى، أرشف قهوتي الباردة، ألفّ سيجارة من تبغٍ بلديّ أتراجع عن
إشعالها، هو يكره رائحة تبغي ، قد لا يأتي ، أسوي حاجبي بإبعاد ابهامي عن سبابتي،
يجب ألا أتوتر أمامه، أترك كل شيء لوقته دون تخطيط كم كنت فاشلا في التخطيط، أتنفس
بعمق وأعيد ظهري إلى مسند الكرسي، هل سيأتي؟ ماذا أقول لأمه إن باءت محاولاتي
بالفشل ؟ ـ أتصفح كتابا مركونا عن يميني، أغلقه بنزق، أرى خياله على المنضدة يمتد
إلى الزجاج الذي بجانبي، أرفع نظري، أجده
يتأملني يضع كفيه في جيبيه، يجلس دون أن يحررهما ودون أن يقول شيئا، أحاول إخفاء
توتري، أستعيد شيئا من وقاري ، قد لا أفلح، كيف أبدأ؟ لا أعرف ، ملامحه باردة لا
تشي بشيء لكن ما إن التقيت بعينيه؛ حتى خرج
الاستهلال وحده ودون تفكير:
-لم
يسبق لنا أن جلسنا خارج البيت معا وحدنا!
يهز
برأسه بلا مبالاة يضم شفتيه بتكلف منفر كمن يتذكر:
-بلى
عندما كنتُ طفلا... كنت تأخذني إلى الحديقة وتجلسني بكافتريا مطلة على البطة.
-جيد
أنك تتذكر
-أتذكر؛
لأنك كنت تحرمني من اللعب معها بحجة النظافة
ينظر
إلى كتابي باشمئزاز:
-
أما زلت تهرب فيه؟
-
وأنت؟ ألا يكفيك هروبا؟عد... لا من أجلي، بل من أجلها.
-
كيف حالها؟
-
مسكينة تحتضن صورك وتبكي
-
أنت تريد استعطافي.
-
لا... هذه هي الحقيقة
يسوي
قبعته المبللة؛ حتى يخفي جبينه
-
اخلعها... قد تمرض!
-
ومتى كان يهمك مرضي؟ كنت تحلل مرض
الجوكندا وتتباهى أمام رفاقك بثقافتك في حين كانت هي عائدة بي من عند الطبيب.
-
تحاكمني؟
-
لا أنتم الجيل النزيه المقدس الذي لايحق لأحد أن يحاكمه.
قالها
بسخرية جعلت الدم يغلي في عروقي، أحرر ربطة عنقي، أشعر بأنه لزام علي أن أضبط نفسي
أكثر من ذلك؛ كي لا أعود خائبا:
-
وأنتم من؟
-
نحن خيبتكم ...كم قلتم لنا هذا!
أراقب
وجهه، ملامحه تبدلت اكتسبت قسوة وجرأة، لم أعهدها من قبل، لحيته طالت... كبر بضعة
أعوام خلال ثلاثة أشهر
-كيف
تتدبر أمورك؟
-
أعمل.
-
وماذا تعمل؟
يبتسم
بخبث غريب:
-
موزع ...(دلر دلر) وأخذ يرقرق الراء كالماء في حلقه
-وماذا
توزع؟
-حتما
لا أوزع جرائد ولا ورد، اطمئن..
أرشف
قهوتي باهتزاز يدي، أتمنى ألا أسمع جوابه
بما يؤكد شكوكي ودون أن أنظر إليه أسأله :
-ماذا
إذاً ؟
-
أوزع ما تخاف منه ...والذي ضربِتني لأجله يوما، أتذكر كيف أغلقت الباب في وجهي،
وأنا أقف كمتسول كنت تريد أن تخلص من عارك فقط ...
طوال
عمرك تخاف فقط على سمعتك ماذا نفعتك ثقافتك ؟ ونزاهتك سوى إفقارنا وذلنا ودفعنا لأن نكون أُجراء عند مَنْ
آباؤهم كانوا زملاءك.
شعرت
أن يدا تدفع الكرسي من تحتي، وأنا معلق بحبل من رقبتي ، بلعت ريقي الجاف شوكا في
حلقي، وابتلعت دموعي وهزيمتي ما أمكن، وتمالكت نفسي، لأول مرة أقر له بأننا أغبياء
وهو محق:
-
جئت أصلح خطئي، هنالك عرض قد يناسبك ..
لاحظت
أن ملامحه قد لانت، لغة العروض يفهمها أكثر من المشاعر، لكن دهشة
تملكته، زعزعت صوته:
-
يعني أنك تعترف بجريمتك بحقي ... وتقدم عرضا؟
هززت
رأسي مستسلما كنت أريد أن أقول: إنني أجرمت إذ أنجبتك، لكن تراجعت؛ فصوته أظهر
راية تلوّح بالاستسلام، ولم يبقَ إلا القليل:
_
أولا انزع هذه القبعة المبللة؛ منظرها يستفزني، وهي تأكل نصف جبينك
-
حاضر يا سيدي تفضل .
على
ما يبدو لم أكن أخاف عليه من البلل، بل
كنت في شوق لهذا الجبين الباقي على حاله، وددت أن أطبع عليه قبلتي كما كنت
أفعل أثناء نومه، انتبهت أنه قال: (حاضر! )، كم أنا بحاجة إلى أن يفعل ما أطلبه
منه مهما كان بسيطا، أعود لوقاري وأكلمه بجدية :
-العرض
يقول أن نبيع البيت ونذهب، انا وأمك للعيش في القرية بعد التقاعد، هواء القرية
دواء لنا، ثم أنت بثمنه تقيم مشروعا صغيرا تعيش منه، هذا أقصى ماعندي، وأنت ذكي
ولبيب وستنجح، لكنك متسرع .
أطرق
برأسه في الطاولة وبانت بقعة من رأسه خالية الشعر، ساءني أنني لم أنتبه لها، قد
تكون ثعلبة ... فكرت أن أسأله، لكنه قطع عليّ الأمر إذ فرك لحيته ورفع وجهه عن عينين دامعتين خاب أملي
برؤية لمعة السعادة فيهما... كنت أسعى طوال
عمري لئلا أرى هذه الانكسارة، قال
ببحة صوت عميقة وهادئة وهو يخفي فمه بيده:
-
أنت خفت أن تفقدني... أدرك هذا ...
ثم تابع بمرح
مسرحي مفاجئ ، وهو يقرع الطاولة كمن يلعب الورق:
- طيب
-قالها بلكنة ممطوطة كأنه بائع حلويات على الرصيف-
طيب يا
سيدي إذا اعترفت لك أنني موزع ... أوزع
أكياس (شيبس) الأطفال على محلات المفرق، هل يبقى عرضك قائما ...؟ شرق بضحكته ، كدت
أن أبكي، المطر يبلل صدى ضحكاتنا ، ينهمربغزارة
ومازال يفتح خطوطا متسعة للرؤية.

