من ذاكرة الحرب
( ملامح مسدس )
محسن التميمي - بغداد
يقول يوسف وهو رجل من الديانة المسيحية ويعمل موظفا في قطاع الخدمات ،
لم انظر لملامح وجوه الاخرين بدقة عندما اسير في الشارع او في اي مكان اخر ، في يوم من الايام كان رجلا و امرأة يخرجان من محل لبيع العطاريات ، والرجل حاول ان يثير انتباهي وهو يعيقني من دخولي الى المحل ، ولكني في قرارة نفسي تصورت انه كان تصرفا عفويا وعاديا وغير مقصود منه وهو يمسك كتفي اراد ان انتبه لوجوده وارفع رأسي نحوه لاراه وزوجته ولكني لم افعل ،
حسن نيتي تجعلني دائما افسر الامور والاشياء والاحداث على انها ايجابية ، لذلك عشت مهموما وقلقا ومتوترا بشكل دائم وهذا خلاف الواقع اليس كذلك ؟
عندما كنت عائدا الى بيتي وهو في الاصل ليس بيتي لكونه مستأجرا ، شاهدت ملامح هيئات رجل وامرأة يسيران باتجاهي وحال وصولهما بقربي بل وصولهما امامي بالضبط وجها لوجه ، مسكتني المرأة وقالت ،
يوسف معقولة لم تنظر الى وجهي انا ابنت خالك ـ؟
ااااه ، اميرة ، تبادلنا التحية والسلام وزوجها سوران ثم قلت لهما ، بصراحة شديدة وصدق :
ارى الاشخاص بكل مكان ولكني لم اركز على الوجوه ولم انظر لوجه امرأة او رجل في لحظة من اللحظات ، ربما انه امر مؤكد انا انظر الى وجوه الاطفال ، امسك خدودهم عندما اراها موردة ووردية تشبه سماء صافية وجميلة ، والاطفهم دائما بود لانهم يحملون النقاء والبراءة في اشكالهم ولم يصبهم التلوث بعد ،،
قال سوران زوج ابنت خالي :
الم تنبته لحظة محاولتي منعك من الدخول الى محل العطاريات ؟
فقلت له :
هذا الامر يؤكد ما قلته لكما الان بل ان عدم انتباهي لكما وانتما تسيران في اتجاهي بأنني لم اركز على وجوه الاخرين ،
كنت اقول لزوجتي مارلين ، اليوم بادرت السيدة المسلمة ام محمود بتحيتي ولم اكن اعرف من هي ، ولولا انها اقتربت مني ولامستني من كتفي وهي تقول :
ام محمود : السلام عليكم استاذ يوسف ، ماذا بك هل فعلا انت لم تشاهدني ؟
في تلك اللحظة فقط نظرت لوجه ام محمود ، اما لو كانت لم تلمسني من كتفي وتلقي التحية فلم اتعرف عليها ابدا بسبب تجاهلي للوجوه بقصد ،
صار عند زوجتي يقين تام بأنني صادق بما اقوله لها بشأن هذا الموضوع /
في السيارة ونحن نكون معا زوجتي تقول :
انظر هذه المرأة او هذا الرجل نحن نعرفهم في المحلة الم تلاحظهم ؟
اقول لها بشكل مباشر :
مارلين ، انت تعرفين جيدا لم اركز على وجوه الاخرين دائما ولم الحظ اشكالهم ،
اشتريت فطورا لا صدقائي في العمل ، جاء قاسم السائق وهو يتحدث مع المسؤول الذي كان يجلس امامه ، عندما انحنى قاسم قليلا شاهدت ملامح مسدس واضحة في خاصرته وهي مرسومة من تحت ملابسه ،
ايقنت ان الحياة مازالت ليست بخير وربما يكون من حق السيد قاسم ان يحمل هذا المسدس لكونه يعما سائقا لمعاون المدير العام في دائرته الخدمية ،
كنت اسمع عن حالات اغتيال لموظفين كبار في الحكومة ولكن لم اشاهد احدهم في الشارع او في اي مكان اخر ،
المشهد الذي ركزت عليه كثيرا للمرة الاولى في حياتي كان اثناء ذهابي الى مقر عملي في الباب الشرقي وقبل وصولي الى هناك سمعت صوت انفجار قوي جدا حتى ان الدخان بدأ يتصاعد الى السماء وكان الصوت يشير للوهلة الاولى الى انه في الباب الشرقي ، لم اتردد لذلك قررت الذهاب الى عملي برغم صعوبة الاوضاع الامنية في ذلك الوقت ، عندما وصلت الى حديقة الامة في الباب الشرقي شاهدت سيارات سوداء من تلك التي يسمونها صاحبة الدفع الرباعي وهي وكل شيء يحترق فيها ، كان وافقا بقربي صديق جاء عن طريق الصدفة هو قال ، انظر يوسف هؤلاء اشخاصا يحترقون داخل السيارة ، اقتربت من السيارة المحترقة فشاهدت بداخلها اشخاص يحترقون واغلب الظن انهم كانوا امريكان ، المنظر الذي افزعني ومازال هو ذلك الذي اظهر رأس رجل يرتدي زيا عسكريا امريكيا وقد قطع الى نصفين واجزاء من مخه كانت ملقى على الارض وهناك منظر مفزع جدا شاهدته تمثل برجل ضخم يرتدي الزي العسكري الامريكي المرقط المائل للصفرة وكان مبتور القدمين من شدة الانفجار ، كانت اربع سيارات سوداء تحترق بشدة ولهيب النار كان يتطاير بقوة الى الاعلى ، الانفجار كان مقابل البتاويين وقد تناثرت قناني محلات المشروبات الروحية في الشارع ورائحتها انتشرت بكل مكان ،
لم اكن قاسيا للدرجة التي اتشفى بها بموت احد ولكني تشفيت بموت الامريكان برغم انهم ينتمون الى ديني المسيحي ، هكذا انتظر الى الامور عندما تصل الى عدوان على بلادنا ،
الان مضى على تلك الحادثة سنوات وربما كان ذلك في العام 2005 او 2006 لا اتذكر بالضبط يوم كانت المقاومة الشريفة في اوج قوتها وعنفوانها ولحد هذه اللحظة مازال قاسم سائق معاون المدير العام يحمل مسدسا في خاصرته ،
قبل العدوان الامريكي على بلادنا لم نكن نتوقع ان الاوضاع الامنية ستصل الى ماوصلت اليه فيما بعد ، ولكن بمرور الايام صارت لدينا القناعة الاكيدة ان الامريكان اوغاد قتلة مجرمين وهم من يختارون الوقت المناسب للتدخل بشؤون الشعوب ،
المسدس الذي كان يحمله السائق قاسم حفزني كثيرا من اجل التركيز الكبير والدقيق عل كل شيء واي شيء وليس على الوجوه فقط بعكس ماكنت افعله سابقا ، سأركز من الان على كل الاشياء الصغيرة والكبيرة لان حسن النية امر مرفوض في الكثير من الاحيان والظروف ،
مارلين : يوسف اين انت ؟
يوسف : ، اليوم لم اذهب الى الدوام ، لقد نهضت من نومي متأخرا جدا
مارلين : لقد شعرت بك اليوم وقلت ان يوسف سيبقى نائما لذلك اتيت الى غرفتك ،
يوسف : حلم مرعب ، تذكرت الايام السوداء التي كانت تسطير علينا ، رأيت كل الاحداث يوم كانت الحرب موجودة ، اللعنة والف مليون لعنة على كل من يحب الحرب ويسعى لها ،
مارلين : لا تذكرني بتلك الايام ، فعلا كانت سوداء ، سوداء ومزعجة ومرعبة كذلك ،
يوسف : الامر الذي يجعلني فرحا وفخورا بك هو اننا لم نحاول ان نغادر بلادنا برغم كل شيء ، ونحن بين اهلنا وناسنا هنا في العراق ، بلدنا الاثنين وهو هويتنا ،
مارلين : اليوم سنذهب لزيارة بيت الجيران هناك حفلة لزواج ابنهم ، وننسى حلمك المزعج
يوسف : ربما سنرتاح هناك ولكن لدي طلب ؟
مارلين " تفضل حبيبي يوسف ،
يوسف : هل ستأتين معي لزيارة ام محمود سمعت انها مريضة وانت تعرفين ان زيارة المريض واجب انساني ، ونحن نتفقد اخوتنا المسلمين بكل مناسبتهم ،
مارلين : نعم اكيد اذهب معك ، ام محمود من اعز الجيران لدينا ،

