-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

الحديث مع الذات ورمزية المعنى في قصيدة " المحارب السومري " للشاعرعادل قاسم

 الحديث مع الذات ورمزية المعنى في قصيدة " المحارب السومري " للشاعرعادل قاسم

كتب / أ . سعد الساعدي - العراق







ليس غريبا على شاعر مثل الأستاذ عادل قاسم تجواله بحرية لا مثيل لها مع كلماته التي تحمل دلالات عميقة أفصح عن بعضها واخفي البعض للقاريء - ربما - في قصيدته
" المحارب السومري " ؛وبما يملكه من تنوع شخصي بين الأدب والفن ...بين الجمال واختيار الأنسب والانقى والاعذب على السطور ، كونه الفنان والشاعر والأكاديمي المتميز مع ذاته واقرانه ورفاق شوارع الثقافة العريقة في كل مكان من هذا العالم المختزل بشاشة موبايل صغيرة الآن .
دخل عادل قاسم إلى قارئه بدون سابق انذارواقتحم كل الجدران والموانئ حين اختار عنوانا صارما لقصيدته النثرية - السردية التعبيرية :
( المحارب السومري ) ..قوة العنوان الصاعق تجعل المتلقي يلج بلا تردد أو خوف وخوض غمار الرحلة التي بدأها شاعرنا مع خياله يسرد تاريخا مختزلا ، استنهض شفرات الغازه من عمقه الأصيل وسافر لبحث ، يكتشف به الأسرار
" مسافرا اتقصى "
هل كان خائفا في بحثه هذا حين قال :
أحتمي بالأمل من شواظ جهنم ،
أم هي صور استلها عادل قاسم من بين شظايا تاريخ بلده المتكسر والمثخن بالجراح طيلة آلاف السنين حيث الأعداء يسعون خلفه لتدميره ، لا لشيء إلا لأنه اضاء بنور المعرفة كل طرقات الظلام . لقد أثبتت رمزية كلماته صدق هذه الدعوى وهو يولغ بلوعة الاكتواء :
- جهنم التي تركض خلفي بانيابها ،
وهل أوضح من هذا البلاغ وبهذه الدقة - الرمز لجهنم ، فهي : العدو الذي مازال يركض مستلا سيف الغدر والخيانة وكل ضغائن واحقاد البشرية ضد بلد " المحارب السومري " .
في محاولتي هذه لقراءة القصيدة ليس من وجهة نظر شخصية بقدر ما هي محاولة موضوعية للابتعاد عن زخارف الكلمات وتداخلات المعاني ، وبدلا عن تكثيف الرموز والطلاسم وجعلها تترجرج بين القصيدة و ذهنية المتلقي ، فليس كل قاريء هو من نخبة المثقفين المفسرين لما بين السطور ، أريد للقصيدة أن تفسر نفسها بنفسها وتخرج جوهر لؤلؤها بدون أدوات حادة لكي نرصد سوية ونشاهد ما رسمه شاعرنا ونرصف لوحاته المشبعة بالرموز الحية ليكمل الجمال أولا ، ويظهر الإبداع في نهاية المطاف .
كم من انسان عزيز فقد الشاعر ، من قبل أن يولد هو بدأت عمليات التدمير والإبادة وضياع الإنسان على هذه الأرض التي ينتمي إليها ، ولمن ينتمي هو ؟ أليس هو السومري الذي جمع كل أبناء سومر بشخصه الوحيد ؛ تجسدت كل المعاني بمعنى واحد ،ولد واسمه يحمل السيف ومهنته الحرب والقتال ، هذا الختم الذي التصق به منذ ذلك الحين وإلى الآن .
- انا السومري الوحيد الذي كتبوا في شهادة ميلاده : ولد ليحارب ،
لا يعرف أي شيء حتى اسمه ، سوى أنه المحارب الذي لم تخدش من روحه الحروب شيئا رغم جراحه الممتلئة بطعنات الغدر قبل السيف وهو المتفاني في الدفاع عن وطنه .
يرسم عادل قاسم صورة جديدة أخرى - مع كل صوره السابقة - عنه وعن وطنه :
انا قاهر القلاع والحصون ،
الباحث عن الرغيف الذي سرقه اللصوص
والقتلة
والابطال المزيفون ،
انتقل الشاعر بسرعة فائقة ليطوي آلاف السنين ويطوي كل صفحات التاريخ برمشة عين وينتصب شامخا كأنه نصب الحرية في ساحة التحرير ببغداد ويبدأ بكتابة تاريخ سومر لهذا اليوم حين وقف عاريا -وهذا رمز جديد - يقول لكل اللصوص : لماذا نهبتم بلادي ؟ لماذا وقفتم مع جهنم التي تركض خلفي بانيابها ،
ينتصب عاريا ..
- ارد طعنات الأعداء ، واتقي بقلبي شر حراب أخوتي الذين كلما مددت كفي لهم ،يضاجعون سيوفهم ويشرعون بقلتي ..
نلاحظ هنا جمال الاستعارة التي اقتبسها الشاعر من حالة الغدر والغيرة والحسد بين الأخوين قابيل وهابيل ووظفها لخدمة قصيدته ويكشف اللثام شيئا فشيئا عن دفين أعماقه على ما يبدو وقد طفح الكيل فبدأ بوضع لوحات عارية رغم دقة وقتامة ألوانها ويقول لنا جميعا وللعالم اجمع : اسمعوا أيها الناس
، لا يوجد اليوم أبطال حقيقيون كالمحارب السومري..
إنما هم :
أبطال مزيفون ..هم أعداء سومر واوروك ، أعداء كل خير وجد على هذه الأرض وان كانوا اخوتي :
((هذا التعبير مجازا فربما كان مقصده من حراب إخوته هم من جاور أرضه بلاد سومر ، أو ربما أراد الشاعر كشف حقيقة الأخوة الصلبيين المتنكرين لانتمائهم ولارضهم )) ومهما يكن فهؤلاء ليسوا باخوة حقيقيين بل هم أعداء مازالوا يحملون السيف :
- يضاجعون سيوفهم ويشرعون بقتلي ..
لقد وقف عادل قاسم بكل هدوء وسكينة ولم ينزعج حين نطق بكلمة : يضاجعون ، وهل هناك أبلغ من هذا المعنى وبكل تفصيلاته يكشف خسة الموقف ، فالمضاجعة لاتعني النشوة والسعادة ابدا بقدر ما هي إيحاء واضح للقاريء
يقول :
هؤلاء الابطال المزيفون إنما هم بغاة قفزوا على ظهر التاريخ فجأة واغتصبوا روحه قبل جسده ، وما زالوا يخدعون الناس !
ثم يسترسل شاعرنا بالوصف :
- انا حامل لواء أوروك ،
- وحكمة الكهنة ،
واوروك هي رمز آخر يستخدمه بمفردات قصيدته ليؤكد أيضا أصالة المدن السومرية بكل التجليات الأسطورية وبهاء الحقيقة.. ف أوروك ليست أسطورة إنما هي واقع بجمال الانتماء الحقيقي للمحارب السومري ، هكذا هو حامل اللواء ..
ونقف مرة تلو أخرى مع رموز القصيدة ونرفع الستار عما تحمله كلمة " الكهنة " من معنى هنا ، فكثيرا ما نجد هذه الكلمة منفرة ..سلبية ..صورتها ممتلئة بالحقارة رغم دنوها من اسم الرب وكأن الكهنة وكلاء اله السماء في ارضه واليهم تجبى عبادات البشر وأموالهم ونساؤهم ،لأنهم من يوصلها للاله ، بينما نجد العكس عند عادل قاسم ؛ فنراه يمجد كهنته ويصفهم بأصحاب الحكمة ويحمل حكمتهم (هو او المحارب السومري ) ، هذا الوصف الجديد والجميل للكهنة إنما هو دليل آخر على أن أرض سومر لا يقف عليها إلا النبلاء ، وانتم يامن تعرفون قبح الكهنة (وشعوذاتهم ) على ربوع الأرض - آية أرض كانت - فإن كهنة أرض سومر يختلفون ، لأنهم أصحاب الحكمة العظيمة . . يحبون أرضهم وأبناءها وبهم يقتدي المحارب السومري البطل ، ليقهر القلاع والحصون ، فكهنتي - يقول الشاعر - ومن مثلهم يستحقون الاحترام وكل فخر بحمل حكمتهم .
وأخيرا يختم الشاعر بقفلة منوعة من سرده المتراقص وكأنه يعيش حلما أو غفلة للتو استفاق منها ، وبدأ يردد مع نفسه : يجب أن أكون ابن يومي هذا :
- لقد مضت الأساطير فما عادت تستهويني ،
فعلا انها غفلة كان يعيشها المحارب السومري وجل من لا يغفل ، يقول :
- استيقظت من غفلتي ، فما عاد هراء الأساطير يستهويني ، ولا رقص الاعراب يستغل حكمتي .... ( وأعتقد هذه إشارة لرقص الملك مع الرئيس الضخم احتفاء بابنة الرئيس )
وعلى ما يبدو أنه كان يظن خيرا بالاعراب لكنه اكتشف ضلالته حين عرف أن رقص الاعراب كان استغفالا شديدا لحكمته التي آمن بها !
والسؤال هنا : هل كان يوما رقص الإعراب يحمل حكمة ؟لا ابدا انما يحمل الكفر والنفاق. . بهذا الاكتشاف وعن هذه الحقيقة قال :
- استيقظت من غفلتي !
أنا السومري قاهر الوحوش والظلام ،
انا حامل لواء أوروك . .من يريدني فليغسل نفسه ويطهر قلبه بماء بلادي ( الفرات) هذا الرمز الخالد فهو أخي وعيني :
-فمن شاء أخي
- ليكن عيني
انا السومري الذي لا يقهر مهما عصفت بي عواتي الزمن ومهما تآمر الأعداء ومهما كادوا من غدر ، فأنا ابن الحكمة وابن الأرض التي من أراد أن يتطهر فليغسل بماء فراتها .
لقد أرخ الشاعر عادل قاسم وكتب بقصيدته (المحارب السومري ) بقصدية لا متناهية منسابة تاريخ أمته السرمدي الشامخ كشموخ نخيل بلاد سومر ، وانطلق برحلته مسافرا إلى أن وصل بنا إلى ما اراده مع خياله وواقعه معا بين ظلال التاريخ والم الصبر ودمار الحروب ودماء الأبرياء وسيوف الأعداء وقوة المحارب السومري في تجسيد ملحمته الأبدية. .
تحية للشاعر عادل قاسم واتمنى ان يبدأ بكتابة ملحمة جديدة تؤرخ كل ازمنة سومر واشور وكل رموز هذه الأرض التي ليس لها مثيل أو بديل .
----------------------
النص
المحارب السومري
عادل قاسم//العراق
مسافراً أتقصى سلالمَ الخَمسينِ دكةً دكة،احتمي بالأملِ من شواظِ ِجَهنم التي ترَكضُ خلفي بأنيابِها ، أَتأبط ُخوذتي المُثقبةَ التي قُدتْ من دبر،
عَلَّني أجدُ شاهدةً واحدة ًتُذكِّرني بميتاتي التي ضاعَ علي عدُها ، أفترستْني الحروبُ والسواترُ ُوالمدنُ الآفلةُ ، التي ضَيعتنْي على هامشِ الأرصفةِ العَفِنة، أنا السومريُ الوحيد الذي كتبوا
في شهادةِ ميلادهِ وِلِدَ ليُحارب ، ،حتى نسيتُ إسميَ، ملامحَ وِجهي، ُانا قاهرُ القلاعَ والحصون،الباحثُ عن الرغيفِ الذي سرقه اللصوصُ والقَتلةُ ،والابطالُ المزيفون، هكذا اقفُ مُنتَصِباً عارياً،أردُ طعناتِ الأعداء،وأتقي بقلبيَ شرَّ حِرابِ إخوتي الذينَ كلما مَددْتُ كفي لهم،يضاجعونَ سِيوفهَِم ويشرعونَ بِقتلي ،أنا حاملُ لواءَ أوروك، وحكمةَ الكَهنةِ العِظام ، إستيقظتُ من غفلتي، فماعادَ هِراء الأساطيرِ يَستهويني، ولارقصَ الأعراب ِالبُغاةِ يَستغفلُ ُحِكْمتي، فمنْ شاءَ أخي ،ليكُنْ عَيني ،ولكن عليه ِانْ يطهرّ قلبهُ بماءِ الفُرات ، امسُ قتلتُ خِمبابا ،اعلنتُ موتهُ الابدي ،انا السومريُ ،قاهرَ الوحوشَ والظلام،انا حاملُ لواءَ أُوروك،

عن محرر المقال

aarb313@gmail.com

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية