-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

رمزية المكان في سرديات القاص خالد مهدي الشمري ..المجموعة القصصية غبار الأرواح إنموذجا

رمزية المكان في سرديات القاص خالد مهدي الشمري ..المجموعة القصصية غبار الأرواح إنموذجا

دراسة أ . ظاهر حبيب الكلابي




....
تمتاز سرديات القاص خالد الشمري في المجموعة القصصية غبار الأرواح الصادرة عن دار النخبة عام ٢٠٢٠ .. بقربها من القاريء وبساطة فكرتها وعمقها في ذات الوقت ووضوح ثيمتها ورمزية مكانها وإشتغال دلالات المكان بحالات الموافقة في نصوص والمضاددة في نصوص أخرى مع رغبات الشخصيات وتطلعاتها ومصيرها ألفة وأمنا أو سلبا ومصادرة حسب حيثياث الصراع ودراميته الساخنة فالقاص يؤمن بضرورة مشاركة القاريء في تأويل تجليات النصوص السردية حيث يختار القاص لنصوصه عتبات كعنونة للقصص تكون مدخلا يضيء جنبات النص وتتسع دلالاتها مع إتساع رقعة الملفوظ السردي حيث تبدو العلاقة حميمية بين النص والقاريء لنجاح القاص في إستدراج القاريء بلعبة السرد الى الولوج الى تجليات المشاركة الوجدانية والتماهي مع مخاضات الشخصية نفسيا وإنفعاليا وإمكانية التأويل بعد تمامية فعل السرد ونفاد حبر الحكاية من دون منح إمكانية للقاريء على فعل التوقع في لعبة السرد فالقاص الشمري متمكنا من القبض على شبكة العلائق النصية وإبقاء القاريء في منطقة محسوبة بعناية مع مقدرة القاص في إسترسال سردياته بإسهاب وإقتصاد لغوي وتكثيف يغني مطالب النص من حاجاته المعرفية والتأويلية والجمالية من دون تكلف لوصفيات المكان ومرجعياته الغائرة فالمكان في المجموعة القصصية لم يعد الا حضورا يحمل دلالات رمزية مشبعة بطاقة التأويل والإنزياح عن وظائفه المعلومة نحو وظائف تتسم بالمغايرة والإقلاب فدلالات الأرصفة وأمكنتها في قصة رصيف آخر أضفت مغايرة على ماهية المكان كما ان البيت وشجرة الرمان قد إنزاحت مفاهيمها كدلالة للمكان الآمن في قصة شجرة الرمان الى فضاءات للقلق والموت والإغتصاب حيث عمل القاص في تحميل المكان تجليات مصيرية فاعلة في تبئير ثيمة القص ووجوده المنزاح عبر الفائض النفسي وهاجس القلق للشخصيات وماتجتازه من أزمات ومخاضات وجودية مقلقة فمع عنوان المجموعة غبار الأرواح الذي يشي بعلاقة تجريدية وعنونة ذات طاقة شعرية تجذب الوعي نحو متسعات من التأويل وفضاءات تتعالى على القبض المادي لكونها زئبقية الوجود متعالية مفارقة لكونها من عوالم الأرواح فعنونة المجموعة بغبار الأرواح هو إنزياح متعالي يغلف المجموعة بشرنقة إشراقية ذات منحى تضيء تجليات الباطن المغمور لكون الأرواح لاتدرك ولاتعرف لكونها من أمر ربي كما ورد في المصحف الشريف فكيف لنا ان نبصر غبارها أو نتمكن من القبض على رذاذه المتعالي حينما يدعونا القاص نحو مراودة نصوصه ومسروداته اذ لعله أراد منا أن نبصر الغبار الجواني في مسارب تلك الأرواح حين تثير زوابع وجودها بتجليات أسئلتها ودوامات قلقها المزمن وهي تبحث عن خلاصها الفردي عبر حركتها الدائرية المغلقة لكون حركة الأرواح خارجة عن سلطة الزمكان فلا تحد بقيود الزمن وأبعاده الماضية والحاضرة وكذلك المكان بإتجاهاته الإفقية والعمودية الا تجليات السطح الذي يكون مسرحا للجسد لكون الجسد مرآة الروح و مكمن إشراقتها الناقلة إياها
من القوة الى الفعل فنتلمس غبار الروح في قصة سحابة حب وذلك البطل المثقف والكاتب الروائي الذي لم يكترث للفقر والعوز وكان ديدنه الهم الثقافي والكتابة الإبداعية والجمالية حتى تقادم الزمن وشاخت الأمنيات وضعف الجسد ولم تعد الكتابة توفر له ولعياله قوت يومه وإسكات البطون الجائعة حيث تشاركه رزم الكتب ودوريات المعرفة معاناة الصمت المرير حتى يأتي إتصال من صديق في الخارج يطالبه بكتابة رواية تكون بأسم شخص آخر مقابل ثمن كبير حيث بقي البطل يصارع يومياته بين أن ينتصر للمباديء والقيم او ينتصر للبطون الخاوية وينبلج الصبح على نوايا الكشف ويتحقق السفر وتنتصر صولة البطون والحاجة للمال ويكون اللقاء بالشخص صاحب الطلب وتكون إنثى مشرقة بالجمال والخصب ويتبرعم غبار الرغبة والحب والتوق الروحي بين الكاتب والإنثى ليكتب لها رواية رومانسية غرامية هي الغرام الفتي وسحابة الطيف الروحي والشوق المتقد حيث يقوم بتسليمها نسخة الرواية للطبع وهي تزهو بفرح الكسب وتقترح للرواية عنوان سحابة حب مع إطلاق الضحكات وهو يلوك دوامة الألم على الفراق تسلمه نسخة من الرواية مزدانة بإسمه رغبة بالوفاء وديمومة السحابة الروحية .
أما قصة رصيف آخر فتتناول دلالة المكان حينما يكون ملاذا وخلاصا مفترضا للروح من ذاكرة المكان الآخر البيت الذي أصبح مكانا لذكرى الفجيعة والفقد حيث تراود الأم المفجوعة صور الدم والموت وهي تستعيد ذكريات وآلام الفقد فقد الأبناء والأحبة بفعل عمل إرهابي قامت به مجاميع إرهابية من الملثمين حيث إقتحموا عليهم الدار وأمطروهم بوابل من النار والرصاص لتختلط صرخاتهم مع غبار أرواحهم المفارقة بفعل الجريمة لتستحيل حياتها بعد سنوات من الخصب والدعة الى مراثي حزينة وذكريات مؤلمة تفر البطلة نحو ملاذات الأرصفة ودوامات سجلات الشهداء حيث شكل المكان الخارجي هروبا ومتنفسا للبطلة الباحثة عن إجابات مقنعة لهوس الموت المجاني فالأمكنة المتعددة في تغايرها الجغرافي لم تعد الا تكرارا لأمكنة القرف والتوجع والأسى .
وفي قصة شجرة الرمان يكون المكان المستباح بفعل الرذيلة والإغتصاب ويتحول من مكان الألفة الى مكان الموت والفجيعة فالبطلة الفتاة تكون وحدها في الدار والكل يعمل خارج الدار ولم يتعرف القاريء الا على البنت المغتصبة والأم المفجوعة بهول الصدمة وعار الفضيحة باحثة عن ملاذات للستر خارج المدينة نحو الريف لتزوجها بمشورة من أحد أقاربها من شخص يقبل بهذا العرض لكونه يتصف بالبلاهة لتعود الأم الى مدينتها وبيتها مرفوعة الرأس وتعود البنت الى ذات الغرفة حيث تراودها صرخات الوضع ومخاض الولادة كانت تصرخ مستغيثة لتعود الصور الى ذاكرتها وتسترجع ذكرياتها هول الواقعة حين لمحت الرجل يتسلق جدار البيت قرب شجرة الرمان اذ عمل القاص على تداخل زمني بمونتاج نفسي في وعي البطلة ليفجره بلعبة سردية تستحضر الماضي زمن الفجيعة والإغتصاب بزمن المخاض حيث الصراخ يتوحد في إستعادة لحظات وقوع الرذيلة من الشخص المجهول والمطارد من السلطة بعد أن حاولت البطلة بشتى السبل من منعه ولكن الذي حصل حصل فالقاص نجح في مزاوجة بين زمن الولادة وزمن الإغتصاب اذ المعاناة واحدة مادام الفعل محرم في مقدماته فنتائجه غير محببة
فبعد ان فتحت عينيها وجدت نفسها عارية ورجليها ملطخة بالدم ويدها ممسكة ببقايا غصن الرمان وهو يتمتع بأكل فاكهة الرمان يسيل على فمه عصيرها الأحمر للمطابقة الرمزية بين أكل الرمان والتلذذ بعصيره الأحمر وإستيهامه بمتعة الجسد المغتصب وغزارة الدم الجاري بفعل جريرة الإغتصاب حيث نجح القاص في إستثمار الدلالة اللونية اللون الأحمر بين فاكهة الرمان وفاكهة الجسد وتحقيق فعل المنتجة النفسية عند القاريء وقد تمكن القاص من إستحضار صورة
الكائن الشرير وهو يتماهى بنزعته السادية .. وقد تسلق الجدار من جديد يمسك غصن شجرة الرمان يستمع الى صراخها وهي تصرخ إحرقوا شجرة الرمان إحرقوها .. لما تحمل من دلالات رمزية على الفقد والفجيعة .
وفي قصة زمن الوباء
يعاود القاص ليجعل من المكان النهر الذي يقسم المدينة الى نصفين في زمن إنتشار الوباء وبعد ثلاثة أشهر من الحبس في البيوت هروبا من التجمعات البشرية وخوفا من العدوى من وباء كورونا يفر البطل نحو النهر للتنفيس عن النفس والترويح من كبت المكان البيت الذي أضحى مكانا للضجر يتاخم البطل سريان النهر ليكون نقطة شروع التطهير الروحي والنفسي حيث يرصد البطل طيرا يقترب منه ويقوم بحركات شبيه بحركة البطل ثم يكمل الطير رسالته بأن غطس رأسه بالماء وأخرجه فرحا مستبشرا مغردا بالبشرى والسعد فأخذ البطل تقليد الطير وأغطس رأسه في النهر وأخرجه وقد إنزاحت عنه الهموم والأكدار وليؤكد ان الحلول قد تكون قريبة منا ولكنا نتشاغل عنها بعبث والقصة تتماهى مع قصة الطير الغراب الذي علم قابيل كيف يقوم بدفن أخية هابيل الذي قتله بعد ان رفض قربانه وتقبل قربان أخيه هابيل والقصة جعلت من المكان النهر ملمحا للتبئير الذي خلق إنعطافات سردية بعد أن تجسدت فيه خصال إمتصاص أدران وهموم النفس والوجدان إضافة الى صفة التطهير مما علق في جوانيات النفس من أدران وهموم وهكذا يشكل المكان معطى رمزي وروحي يمنح البطل ملاذات خلاصه الجديد . كما تضمنت باقي قصص المجموعة ملمح المكان ليكون قنطرة لفعل السرد وتجليات الحدث فقصة كابوس تعاود محنة الوباء كورونا وقلق الموت وفراق الأحبة وحضور الملائكة لقبض روح البطل ولكن سرعان مايستيقظ البطل على نداءات إبنته على مقربة من سرير نومه ولتمنحه بصوتها الحنون بصيص أمل بأنه على قيد الحياة
وفي قصة زهايمر يعاني البطل من عقدة النسيان فهو لوحده في مكانه الساكن بالخدر والوحدة يتجاذب مع نفسه شكوك الإنتماء ولعبة الإنتظار فهذه صورة زوجته ولكنه يجهلها ويفقد علائق الإنتماء الوجداني معها حتى يثخن رأسه ضربا بالحائط لإستدراج الذكريات لاعنا مرض الزهايمر المقرف الذي أحال وجودة الى لوحة داكنة أضف الى باقي قصص المجموعة التي إتسمت بشفافية اللغة وبساطة التناول وجمال المعالجة السردية وبراعة القاص في سبك الحدث من دون تكلف أو إطناب مرهق ولا إستغراق فلسفي أو فذلكة زائدة .

عن محرر المقال

aarb313@gmail.com

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية