-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

جوانا إحسان أبلحد بإشارية رؤاها الشِعرية

جوانا إحسان أبلحد بإشارية رؤاها الشِعرية

بقلم ؛ أ .  اسماعيل ابراهيم عبد

مجلة دار العرب الثقافية 





إنّ انفتاح الشعر الحداثي واسناده القراءة الى التأويل جعل اصحاب نظرية التلقي يبحثون في حفرياته عن القيم الإنسانية والجمالية في نصوصه , ومع تحوُّل الدراسات النقدية من معنى عند المؤلف إلى المعنى عند المتلقي يبدأ الاهتمام منصباً على القارئ الذي أصبح يمثل هدف نظرية التلقي عند ياوس وايزر وغيرهم من النقاد الذين اهتموا بالقراءة والقارئ على حد سواء ، لذا نجد التأويل يحاول أن يتغذى بمزيد من المعاني والمضامين التي جاءته من النظريات النقدية الحديثة , بخاصة نظرية التلقي التي أكسبه جرأة ولوج النص وفك شفراته بحرية أُتيحت للقارئ ,  هذا منح لشعر الحداثة سمة تعددية الدلالة لحظة الابداع .. سنجرب ادواتنا النقدية لاستجلاء الرؤى الإشارية لبعض قصائد الشاعرة جوانا احسان بلحد (العراقية الموصلية المتوطنة في استراليا . محاولتنا ستتناول تجربتها على النحو الآتي :          


        أولاً : التنامي النصي 


التنامي النصي والدلالي يعني التوغل في التعقيد بالاقتراب من الاشارية والتداولية ، وهو نمط متصل متشابك متعلق لبقية وحدات الاشتغال البنائية الأُخرى للنص . ويتصيّر على مراحل نمائية , نرصد منها :  

أ ـ المرحلة الاولى 

يمكننا التحاور مع النص الآتي لنمضي في متابعة نمو النص بمرحلته الأولية : 
[:هَلْ جَرَّبتَ أن تعُدَّ الشاماتِ في جسدِ حبيبتِكَ ؟!
اِفعلْها..]( ).
هذه مرحلة ولادة (الخدج) , اذ كل مفردة لها هُلام الجملة لكنها بحاجة الى ما يكسبها كسوة الدلالة .. تبدأ الجملة بمنقطع متراكب , نقطتان ابتدائيتان (:) , ثم تتشكل جملة الشك (هل جربتَ) , ثم تأتي (صفعة) معنى لـ أداة وفعل ومفعول (ان تَعُدَّ الشاماتِ) , وان سؤال الشك وتابعه جملة الغرابة , عبارة مركبة من العَدِ (الإحصاء) , والسخرية (الشامات) , وقد تكتمل الجملة بعبارة تديم صورة (اللا فائدة / اللا معنى) المبهرة المبهجة بلفظتي (جسد حبيبتكَ) .
الى هذا الحد يكون الوليد (الخدج) قد أدرك نور الحركة التي هي افتراض  (ان الحبيب سيجرب ان يَعُدَّ شاماتِ جسدِ الحبيبةِ) . 
والجملة الشعرية هذه لا معنى واقعي ولا منطق حقيقي لها , لكنها مبهجة وممتعة بغرابتها ولا منطقتيها , وتمثل أول تعقيد للجملة , القصيدة لاحقاً , فهي ستلحق بجملة الأمر : افعلْها . بمعنى ان السطرين فيهما ثلاثة أفعال يشكلون جملتين , لهما حركتان  (فعل عد الشامات , وفعل التجربة) . يجتمع في الجملتين التركيب الطريف الغريب, والحركة غير المعقولة المبهجة , وتحتمل معاني (التجربة , العد , لمس الجسد , وجود حبيبة تلائم التجربة , ووجود شامات يمكن عدها) .   

ب ـ المرحلة الثانية    

التنامي بهذه المرحلة يؤشر تفاعل الإنسان الكاتب مع المحيط الاجتماعي , وتفاعل النص مع نفسه . لنتأمل :    
[وسَجِّـلْ الرقمَ الصريحَ في باطنِ كفِّهِا..
وليسَ بكفِّ الحبيبة   :                                                                        هَلْ جَرَّبتَ أن تصنعَ مِنْ سُخَامِ الخيِّبات كُحْلاً غالياً ؟!      
اِفعلْها..
وكَحِّـلْ بهِ عينيِّها.. 
وليسَ عينيِّ الحبيبة]( )
نرى ان القصيدة تنمو مع تزايد مفردات النص عبر اشارات تخص المجتمع وعلاقة النص بقضاياه , كقضية المرأة والقصيدة وأيهما الأكثر حميمية للفعل الشعري والوجدان الانساني . بمعنى ان القصيدة تجاوزت مرحلة الولادة الناقصة ولبست ثوب الاستعارة وثوب الاستعارة يستوعب عدة اشارات منها :
ـ فعل الأمر , سجلْ الرقم الصريح في باطن كفها : هو يكمل فعلا (عدْ الشاماتِ , وافعلْها) , ومن شظاياه : اكتبْ تاريخ القصيدة , واعطِها حق الخلود , استبطنْ ظاهرها الكتابي (باطن كفها) , اجعلها بديلاً عن الوجود الملموس .
ـ ليس بكف الحبيبة : ثلاث اشارات , ليس تعني (نعم) . الكف تعني (القدرة والوضوح والعطاء) . الحبيبة تعني كل (فعل للجمال) المحبب. 
ـ كحل سخام الخيبات : في العبارة ثلاث اشارات مستحيلة نافذة ببعضها :   
الكحل , لتجميل العين , وهو هنا لعمى العين . السخام , بقايا صلبة تتخلف بعد انطفاء النار, وهو هنا يمثل الحزن والألم النفسي والروحي , وليس له اي ملامح غير اسوداد الأنفس معنوياً . الخيبات , هي فعل الاشارة الأساس الذي جعل وجود الاشارتين السابقتين مبرراً , وبالتأويل يمكن السيطرة على هذه البعثرة الاشارية عبر دلالة /
(النفس المتألمة ميتة كسواد السخام بعد الحرائق الهائلة).

ج ـ المرحلة الثالثة

في هذه المرحلة يتم تفاعل النص مع نفسه , ليشكل ضرورة مهيمنة على الديناميكية الشعـرية .              
[: هَلْ جَرَّبتَ أن تُخْرِسَ ثرثرةَ إحداهُنَّ بِقُبْلَةٍ؟!
اِفعَلْها..
وباغِـتْ بها شفتيِّها.. 
وليسَ شفتيِّ الحبيبة]( ).

في المشهد المتقدم تكون القصيدة قد أوجدت اشكاليتها الأساسية التي تتمثل بحالين , التكرار , وتنغيم الفكرة . 
التكرار يعوض عن فعل الايقاع , ويؤكد الانتقال من اشارة سابقة الى واحدة جديدة تلك هي إخراس الثرثرة بقبلة , وكلمة (افعلْها) تجعل هذا العمل تكراراً لا حدود لتأويلاته , وقد يصل الى مرحلة التعميم , بحيث كل ثغر لامرأة يجب ان يستطعم القبلة بدلاً من الكلام , وقد يوسع التكرار فعل (افعلها) ليعم ثغر القصيدة التي هي ايضا مؤنثة حبيبة , بل ليس هذا فقط , انما تنغيم الفكرة يأخذ بتكرار (افعلها) نحو تدوير الرؤى لتصير لها ثلاثة اطراف , (المرأة , الحبيبة , القصيدة) . هذه الأطراف تنضم ببنية واحدة هي التجربة الشاملة لـ (الوجدان , المعرفة , الانسانية , الرؤيا) , والرؤيا هي ذاتها الرؤى المتبصرة التي ترى في المباغتة ظرفاً يحمل قيمة تبطن العمل كله بحيث يدور من الخارج (سؤال هل) الى داخل القيمة (التجربة وما يفيض عنها) , ثم ينعكس في الوسيط الدلالي (شفتيها) , أي الشكل المظهري الجميل للقصيدة الرؤيا , والرحيق الممتع   لـ (الأُنثى , القصيدة , الرؤى) .. هذا معناه ان النص يتفاعل مع ذاته ويبث قيمه الى جسد المقول ليعطيه حركة انتقالية جديدة , سنجدها في المرحلة الرابعة , إذ تجد القصيدة بصمتها الخاصة كلغة مخطط لأغراضها في النص. 

د ـ المرحلة الرابعة  

التنامي النصي عمل لغوي محكوم بدلالات وآليات التصميم والتوازن السابقة للنمو :       
    [هو مِنقارُكَ لو يَطْرُقُ نافذتي العالية بالرسائلِ الواخزة  
كَمْ حبَّةً مِنْ القُبلِ تُرضِي مِنقارَ هذا الوروار؟!   
30 / شباط / ألفين وَ ذاك المُدَبَّب الجميل]( ). 

لقد اقتضى غرض قصيدة الرؤى ان تصير عالماً طائراً حراً , ليس له أرض ولن يرحل الى السماء .. لذا ستُبنى وتُصمم القصيدة وتتوازن دلالاتها على انها منقار طائر الوروار الفيروزي الدائر حول نافذة القصيدة , ليمتص منها رؤاها .  وقد تكون رسالتها (في البدء) قبلة .. وقد لا تكفي القبلة الواحدة فتصير طيراً من القُبَلِ تحط على فراغات الرؤى بين السماء والشرفة العالية الغالية بغلو الحياة وبخطورة الموت فهي مصير!. لأيام وأعوام ما بعد (30 / شباط / ألفين) , الذي شهد ميلاد الرؤى , بأن شك رأس الشاعرة لتنتج قصيدة بطعم القبلة ورحابة الرؤيا فهي تاريخ الفعل الجمالي , أليس هو تأريخ (ذلك المدبب الجميل).  

ثانياً : الإذابة الغنائية  

الغناء مظهر الجمال الروحي والفني الذي يكتسب صفة الخلود , إن أذاب غائر الحب للبيئة والاشياء بالناس ولغة وجدانهم , وهو هنا كل تطريب للنفس والوجدان :                      
    [:
هَلْ جَرَّبتَ أن تُشكِّـلَ مِنْ دمعتِكَ قُرطاً لؤلؤياً ؟!
اِفعلْها..
وعَلِّقْ القُرطَ بأُذنِها..
وليسَ بأُذنِ الحبيبة 
:
هَلْ جَرَّبتَ أن تُعلِّلَ جماليَّة الأحمر وَالأسود في الدعـسوقة ؟!
اِفعلْها..
وشاغِـبْ بوضعِ الدعـسوقة على أنفِها..
وليسَ على أنفِ الحبيبة
:]( ).
من طرافة التنوع الاستعمالي للكلمة الشعرية الحيوية أنها تداخل بمبثوثها بين الأهداف وتجريدات الصفات لتعمل على توطين صياغات خاصة , تحقق متعاً عديدة , منها ما يطور الفهم , ومنها ما يوسع دائرة الحس الجمالي , ومنها ما يقود الى المتعة الفكرية .   هذه المتع كلها تتحقق في غنائية الأشطر الشعرية السابقة عبر بانوراما التكوين الآتي :       
1 ـ الفهم : ينحسر الى الحصول عل أعمق دلالة ممكنة , وأرها تُضمر وراء مشعات المعنى لـ (قرط الدمعة , دعسوقة اللونين الأحمر والأسود , ومشاغبة الرؤى بأنف الدعسوقة) .

2 ـ الحس الجمالي : أراه يعتمد مشعات الفهم نفسها حين تصير لها مرادفات حركية تبهر (البصر والوجدان) , ومن أمثلة هذا , ان قرط الدمعة من ماء , وهو بلا لون , وهو قرط للحزن والفرح , بل هو القرط المستحيل , لذا فان الحس به لا يطور المعاني بقدر ما يوسع متعة المتبصر اللغوي والمتحسس الجمالي .

3ـ المتعة الفكرية : بالتأويل وتحدي نمطية التحليل , وبذكاء التفسير يتصل المتلقي بقمة غير معهودة من متعة ذهنه وتوسع مداركه , ومثال ذلك في ان يجمع المتلقي شتات الدلالات لجمال الدعسوقة وطبيعتها الوامضة , مع جمال أنف الحبيبة , مع جلال قمة الفكرة , الرؤى . وهو بذلك سيذيب المواد الفكرية الطربية ليصيغ منها (غنوة) من كلمات غير موجودة في المظهر الكتابي (أوحت) بها القصيدة , بمثل هذه الاذابة يصير الكون المتخيل (غنوة واحدة) تذيب موجودات الأرض والإنسان (بلحن الحب) للموجودات كونها  أرواحا تغني لنفسها أُغنية (المتعة) بما ورائها . كأننا نقول ان قصيدة الرؤى هي غناء كوني خالد , يبدأ بفراغ وينتهي الى فراغ.
ثالثاً : العرفان الأُسطوري 
يرتبط الشعر باللحن الموسيقي , وبالرقص , لكليهما إيماء واحد في التطريب ,   لكن المثير للاهتمام هو ذلك التدجين الغنائي الشعري بين لغة قصيدة (النثر) ولغة (العرفان) ذات الشفرات المتفردة . واول نماذج التلاقي هو الاحتفاء بالمجهول المفرط الغموض للغائب , وفي القصيدة يكون (هي الغائبة) :
[هي..
الأجمل / الأنبل 
الأبقى / الأبهى
الأعمقُ / الأعتى 
الأرقُّ / الأرقى 
الأشدُّ / الأشهى] قارورو
وثاني قيمة التلاقي يكون في الموصوف المستحيل الذي توقفه القصيدة على الفكرة :  [لها كفٌّ وَ أنفٌ وَ أُذنٌ وَ فمٌ وَ عيْن.. 
إلَّاها وَ لا غير.. وَ هكذا أشياء لَنْ يُدرِكَها الغير] قارورة
ثالث قيمة للتلاقي النبوءة , كما هو حال المقطع القادم من قصيدة تفردس:
[لو الطفل الذي بداخلكَ أعاركَ الدرَّاجة لنُزهةٍ طفوليَّة
هَلْ سُبْحانٌ أعظم!
مِنْ بَشْرَةِ طفلٍ عَكَسَتْ جَمَال الله !
لو دَثَّرَكَ وشاحاً صوفِيَّاً اشتغلتْهُ يَدُ الحبيبة 
ورقصة الفالس تُنبئ أن أكونكَ ..] تفردس
وقد تتحول القصيدة ذاتها عرفانَ اسطورياً مخلقاً مثلما في مقطع آخر من قصيدة تفردس نفسها  :
[تذكَّرْ صابون عواطفها  
لا يَرْغو إلا بماءِ النورانيَّات
نشوة الروح أم انتشاء الجَسَد؟    
كلاهما أشهى ،         
لو الرغوة مُباركة    
فقاعات 
الشَّغَف لا تتلاشى سِراعاً] تفردس
ثمة ما يمكنني تحديده في هذا المحور : 

1 ـ ان قصائد الشاعرة (بلحد) ـ عموما ـ  تأخذ بالظاهر من الأشياء والأفعال والعواطف وتغير وظائفها فيصير غير المقبول معقولاً ومقنعاً , مثلما هي الأحوال الأربعة لأُسلوب العرفان الشعري :(ماء النورانيات , نشوة الروح ,الرغوة المباركة , فقاعات الشغف).           
    
    2 ـ ان اللفظة المباغتة لا تعطي مجالاً للمتلقي ليدقق كثيراً في الجملة قبل ان يتمتع أولاً باللفظة , مثلما حال التركيب :
(تذكَّرْ صابون عواطفها  
لا يَرْغو إلا بماءِ النورانيَّات)

3 ـ غرابة تركيب الجملة وغرابة تدوير الفكرة تعطي فهماً اولياً الى المتلقي , بأن الكتابة عفوية جيء بها له فقط ليبارز لها نفسه فيتصل بأعمق تحليل للمضمر الما ورائي , والى الإكثار من التأويلات لتبرير هواجسه بإزاء القراءة للنصية , كنصية :
(لو الرغوة مُباركة 
فقاعات 
الشَّغَف لا تتلاشى سِراعاً).

رابعاً : الهسيس الصوتي

الهسيس أو الجماع الصوتي للأشياء المندمجة بفوضى لا حدود لها , هو تشكيل ذهالي منبعه فورة شكلية مضمونية , تريد خلط المعاني بمطلق يشبه زوال المعنى المحدد.               
    وفي الصوت الجماعي وظيفة لهسيس يخلط الصورة المفردة بفرائد أخرى تحت مظلة المسمى الفردي , كما لو كان الناس كلهم (امرأة أو بحراً) , وان السماء هي لونهم , أو رحمتهم او شغف حبهم , فهنا سيكون للفرد ـ او للانثى المفردة  , صوت ينوب عن البشر جميعا :
[لو ثمَّة سماءٌ تُذوِّبُ أزرقَها على شفتيْكَ 
مَنْ ذا يَحْقنُ بوريدكَ مَصْلاً فيروزيَّاً
إلا حُبٌّ يَحْمِلُ نعوتَ السماء] ـ تفردس
في المقطع السابق من قصيدة تفردس آنفة التنصيص , ان السماء هي مفرد جمعي بمعنى انها تعوض عن السماوات السبع , وأزرقها هو الهواء والضوء وموجات أشعة الشمس , وهم جمع من الموجودات , صنعوا زرقة السماء , وهي بدورها تكرمت على كائناتها فأهدتهم زرقتها , وهم دلقوها على شفتي الأُنثى أو الرجل . 
وقد تظل الصورة هذه بحاجة الى من يصلها بالكون , وليس غير (الحب) من يمسك الكون من يده ويحقن وريده بالحياة , شرط ان يعي ما الذي تعنيه صفات السماء , كصفة السعة والعلو والسمو والترفع والرحمة والمطلق .. هذا كله مدغم ببعضه بما يشبه فوضى جمالية متآلفة , تصير (صوتاً) للحن واحد هو (الحب الكوني) الأمثل.

خامساً : سمو الفردية الكلية

الفقرة السابقة ترينا بأن المفرد من الأشياء والحالات يأخذ صوت الجمع , وهنا سنصغي لفلسفة ان تكون الجزئيات المفردة كليات عظمى بحال يشمل تصورا لطبيعة الكليات , وما تحتوي من نويات لأفكار كلية :
"الجزئيات يمكن عدها كليات في حال شملت تصوراً كليانياً , واحتوت على نوى الأفكار الكلية"( ).
هذا الاتجاه يؤكد على ان الفرد هو جزء من كيان أفضى منه (كلي شامل) مختزل فيه . هذا الكيان يسمو بكليته الفكرية كونه صورة مطوية على كائنات كثيرة , فمثلاُ  :  [عاشقان يُفرِغان مُحتواهما خلال المداعبات المجنونة ..
طفلةٌ شقيَّة بقلمٍ مُلوَّن تُباغتُ نَصَاعَتَها ..
دمعةٌ تنسَّلُ إليها ، وَ شِفاهٌ مُجاورة تلعقُ الدمعة..] ـ دلالات و امضي  
العاشقان هنا متحرران جسدياً , وهذا التحرر كوّن لهما شيئاً جديداً عليهما هو متعة الجنون , الغريزية الشبيهة بالمداعبة , والجسد بكليته المتفانية يُختزل الى تفريغ محتوى العشق , والعشق جزء من تاريخ طويل للشعراء والمجانين .. يتعدى هذا العشق جزئيته ليصير صورة (رسماً) لطفلة هي الأرض ومن عليها , وهي شقية بما عليها من أثقال وألوان غير بيضاء , لذا سيتخرب أبيضها , ناصع البساطة , السليم المسالم . تتحول الألوان المُخَرِّبَة للبياض الى دمعة وشفة ولعق ..(الدمعة والشفة واللعق) يتقبلون الحزن والبكاء والغناء والشبع , حد انهم صالحون للحزن والفرح . 
إذاً العشق جزيء لحالة شعورية (شاعرية) , يتضخم ليصير كياناً له صفة (الكل) ضمن فضاء لا حدود له , فضاء ممتد بلا حدود بين افكار (التجسيد = المداعبات , الفطرة الرخية = طفلة ملونة , الحزن والفرح = دمعة وشقاء ولعق).  
هذا التصور للجزئي والكلي يسمو ليكون قصيدة لها دلالة المعنى الخاص بالشيء المعشوق والمضي بهذا المعنى الى دلالة الغياب الفلسفي الكلي : 
(الروح = الموت).      

سادسا : الشعر والأشياء 

جل المأثور الأدبي كالشعر هو لغة , واللغة تعطي للموجودات والحالات قيمة استعمالية وجمالية , والأشياء في الشعر محتوى لباطن ومظهر لعلاقة بين طرفين فاعلين , على أقل استثمار لغوي .. 
يرى المفكر ياسين النصير ان : 
" اللغة فن لتشيؤ الاشياء"( ).                       
ان التذويب للمادي باللغوي , وتغيير منطق الاثنين يعني وجود وعي جديد مخترع لوظيفة اللغة والاستثمار .  
في مقطع من قصيدة (دلالات وأمضي) محاولة لجعل اللغة شيء والشيء لغة .               
   لنوضح ذلك بوسيط العلاقات الصياغية على النحو الآتي :     
[(1) ـ يَنُطُّ حولي بألفِ فكرةٍ مُراوِغة   
(2) وَلِسانهُ يصطادُ الفُرَصَ بتكنيكٍ ماكرٍ       
(3) أُقْسِم بعيْنِ الشِّعر           
(4) لَنْ أمنحكَ القُبْلةَ التي تُصَيِّرُكَ أميراً..    
(5) يَحْدُث أن يَطْرُقَ هَدأتي شيءٌ مُدبَّب ؟!      
(6) هو ليسَ رصاصة ًطائشة  
(7) هو ليسَ كعبَ القصيدة ِالعالي  
(8) هو ليسَ مزرَفَ الهموم ِاليومية 
(9) ولا حتى رأسَ قلمِ ِالرصاص الذي شحَذتُهُ لخربشةٍ سريالية]. دلالات وامضي                                         
1 ـ النطيط من سلوك الضفادع , وفي المقطع (1) استعمل ليصير محفزاً للأفكار وفي هذا تعويم للدلالة لتعبر من المادي الى الفكري عبر لغة الشيء الملموس (الضفدع).                      2 ـ اللسان في المقطع (2) هيأة جزئية من جسم مادي تحول الى فكرة صيد الفرص , بذات الطريقة السابقة وبنفس خصيلتها.
3 ـ في المقطع (3) العين شيء مادي والشعر شيء غير مادي , ويمكن ان تكون العين حرفاً وهو غير مادي , والشعر قصيدة على ورقة وبهذا فهي شيء مادي , بمعنى ان مكر المقطع (2) تحول الى خدعة لفظية في المقطع (3) , تبادل جزئاه المادي وغير المادي وظيفتيهما بالتساوي. 
4 ـ القبلة في المقطع (4) يمكنها ان تكون غير مادية بمعنى الثقة والتأييد , والأمير قد يكون غير مادي فيعنى العلو والرقي ونشوة فرح وشبع من الحب . وبهذا يتبادل الطرفان هيئتي المادي وغير المادي لوظيفتيهما النصية.
5 ـ الهدأة والمدبب في المقطع (5) تحول من غير المادي الى مادي بعكس حالات الفقرات (1) و (2). 
6 ـ ليس في المقطع (6) تحول من المادي الى غير المادي أو العكس أو كلاهما معاً .                    7 ـ في المقطع (7) يكون الكعب شيئاً غير مادي والقصيدة شيئاً مادياً , ويمكنهما التعاكس الوظيفي بالتساوي أيضاً.
8 ـ في المقطع (8) تحول من مادية المزرف الى معنوية الهموم .
9 ـ في المقطع (9) تحول رأس القلم المادي الى معنى غير مادي لخربشة السريالية.        


نستنتج مما سبق القيم الآتية :


ـ ان اللغة رهينة الصياغة المقنعة .
ـ الشعر والشعرية موقوفان ـ في الغالب ـ على درجة الازاحة التي تقدمها اللغة .                        ـ الازاحة اللغوية قد تختار أبسط الدروب لأعمق الأفكار لتزيد متعة الوعي والتذوق.                       
ـ الوعي والتذوق إذا ارتبطا بفهم علمي دقيق , وكفاءة استثمارية واستعمالية ونفعية مناسبة , سيؤدي ذلك الى شعرية متفردة .
ـ الشاعرة (شيئت) القصيدة بطرافة التبادل المتناوب بين المادي الشيئي مع المعنوي اللا شيئي . 
هذه نراها بيرز ظاهرة شعرية لدى الشاعرة جوانا احسان بلحد .

عن محرر المقال

aarb313@gmail.com

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية