قراءة تحليلية في نص ( سيد الهوى ) للأديبة أميرة نويلاتي
بقلم / أ . هشام صيام
سيد الهوى
رجعتُ إليك
أمرّغ ُ وجهي بشهد يديك
و أطوي خريفي و سرب َ حنيني
دليلي إليك ضيا مقلتيّ
لئن جاورتكَ
رياح ٌ و صيب ٌ و دمع ٌ و قهرٌ
فرشتُ بقلبي لقلبك
طيبا و رّيا
كأنّا بقينا صغارا هنا
ويكأن السنين نسينا هنا
فأراك
يمام َ الأراك غريدا فتيّا
إذاما التقينا
فيا طيفك المستريح
بطّل الضباب
لأنتَ ربيع ٌ شذيٌّ يطوف ببابي
و غيمة ُ عطرٍ تعدّى خيالي
أ ترنو إلي ّ ؟
فأهديك ضحكة فجر ٍ تجلّى
و توبة قلب ٍ توضا بناري
على حاجبيك استقام و صلى
و أرسم فوق سطوحِ البدور
غمائم ليل ٍ شقي لعوب
يردد ُ لحني و آها تسيل
كنزف فؤادي و لهفة شَعري
ليبقى الشقيُّ شقيا ّ لدينا
أ تذْكر عند سفوح الليالي
كأنّ الكلام بغير كلام
و ثغري المدان ُ بلثم ِ الورودِ
ذبولُ عبير ٍ تهاوى اشتياقا
يلملم شطري و يفقد شطري
فمن ذا يجير ندى شفتيّ
إذا صحتُ (شام ُ)
و يرفع ُ خصلة َ شوقي إلينا
أتدري....فليتك تدري
بأنك نجم رحيلي
و منفى شرودي
و حلم عقدت ُ بخيط الأثير
و لحني المفضل حين أغني:
(سنرجع خبرني العندليب)
غداة ظمئتُ و حولي السواقي
تسيلُ تفيضُ و ليت ارتوينا
حنانيك يا قاسيون حبيبي
فأنت نشيدي الوديع و بدءُ حديثي
و مسك الختام
أ تذكرُ شدواً لنا في ضحاك ؟
و يوما يسابق فيه صحابي
نسيم الشآم ِ بكحل ِ الروابي
و رفّ َ الحمام
فمن نحن فيك
أما زلت ُ يا حبُّ
ذكراً يطوف ُ بفيك َ ؟
فهلّا كما العاشقين تقول :
فُطرنا على الدّل ِ نزهو
إذا ماادعينا بأنا نسينا!
...............................................
ولكن قبل الولوج في يمّ النص يجب أن
نتمهل ونحن في معية تفعيلة تلك المبدعة
وفي هذا الخطاب الأخاذ الذي دربت به
في نجواها لهذا الوطن الحبيب القريب من النفس عبر هذا التجسيد الشاهق والتوريه الشعرية
للفكرة ككل من خلال استحضار رجل القصيد ليحل في خفقة البداية مما وضع الرؤية في قالب
رومانسي خلاب حفز ذهن المتلقي على الاستعداد لوجبة شعرية وطنية غير نمطية الحضور تخلو
من التكلف ...،
في قوالب عروضية رشيقة القوافي في تعددية
مائزة تحيطها موسيقى تصويرية
عذبة حمل هوادج موازيرها هذا الجرس الرائع
..
هذا الهارموني المتسق وضعنا أمام لوحة
أدبية مائزة ..،
في ذات معجونة بالوطن تتدانى المشاعر
ما بين توق للماضي وتأفف الأنا من شجن الحاضر المضبب ونظرة عبر المدى للغد بين محار
المفردات لا ترى ولكن بيقين الإحساس نراها ..
... فاستجرار الذكريات مع مثول حاضر
مشجن في تمام اللحظة ما هو إلا اجترار يحيطه التمني ..،
رجعتُ إليك
أمرّغ ُ وجهي بشهد يديك
و أطوي خريفي و سرب َ حنيني
دليلي إليك ضيا مقلتيّ
لئن جاورتكَ
رياح ٌ و صيب ٌ و دمع ٌ و قهرٌ
فرشتُ بقلبي لقلبك
طيبا و رّيا
كأنّا بقينا صغارا هنا
ويكأن السنين نسينا هنا
فأراك
يمام َ الأراك غريدا فتيّا
إذاما التقينا
" رجعت إليك "
هنا بداية التورية التي ظلت في ذهن المتلقي
تحمل تذكرة سفرها وتأشيرة ولوجها حتى حدود المقطع الثالث ومحطة ترانزيت اضطرارية خرج
منها هذا القارئ لمعية رحلة جديدة واضحة القسمات دون تورية ..،
هنا تحملنا المفردة عبر ما تلاها من
صور في " أمرغ وجهي .. بشهد يديك" في مشهدية تجسيدية يحلق بها رجل القصيد
- الحبيب - في تورية معماة للرؤية الكاملة للنص بحذق المقصود به الخروج عن الأنماط
المعتادة لتناول الوطن ..
مع استعمال الفعل في الزمن الماضي للتدليل
على تمام الحدوث ثم حضور المخاطب دون الإشارة الكاملة وهذا التماهي المفروض حوله من
خلال الصورة المجسدة التي حملت صورة وحيدة ظاهرة وهي تشبيه تلك اليد وما تفرزه مسامها
بنحلة تفرز العسل - الشهد - وتحرير الوجه لشفاه تتمرغ وتنهل من هذا الشهد ..،
إلى هنا الصورة واضحة ولا تظهر وتتوالد
إلا في المقطع الثالث عبر الإفصاح عن ماهية المخاطب وهنا عمق الصورة التي تتواصل لتنجب
الجديد عبر شمولية النظرة للقصيدة وتلك براعة وعمق حضور أديبتنا الشعري ها هنا ..،
فتتحول الصور من التجسيد الظاهري لتظهر
ما برحمها من تجسيد عبر تحويل الوطن إلى مجسد حاوٍ للبشري والجمادي والنبات والمائي
- شمولي التجسيد - إلى مجسد بشري عبر إتاحة الجزء من الكل في التصوير ووضعه في معية
" يد"
وحضور هذا الشهد بمعية مختلفة عن حضوره
في التصوير الأول هنا الشهد أصبح ترميزا لهذا الخير والبركة في آن واحد الذي يحمله
هذا الوطن والذكريات الجميلة التي وقرت في الوجدان ...،
هذا المقطع العامر بالمشاعر يحمل وحده
دروسا في فن التصوير وتنامي حضورها وترابطها مع عموم النص بحيث تنعكس ظلالها فترسم
الصور الوليدة في ذهن المتلقي فيعاود الهرولة لما فاته تحت تأثير التعمية أو التورية
المعماة من ناسجة الحرف فلا يملك سوى أن تعقد لسانه الدهشة ..،
أ تذْكر عند سفوح الليالي
كأنّ الكلام بغير كلام
و ثغري المدان ُ بلثم ِ الورودِ
ذبولُ عبير ٍ تهاوى اشتياقا
يلملم شطري و يفقد شطري
فمن ذا يجير ندى شفتيّ
إذا صحتُ (شام ُ)
و يرفع ُ خصلة َ شوقي إلينا
" يلملم شطري ويفقد شطري
"
هذا الانزياح في حضور المعنى في لفظ
" يلملم " ثم " يفقد " خلق في عموم العبارة ووضع رتوشا مختلفة
في معنى المفردة الواحدة التي تم استعمالها في الدفق الشعوري الوجداني من خلال هذا
الصراع الذي حفزه التوق المشجن من استحضار مشهد هذه المغالبة الشعورية ما بين التمني
وانقطاع الرجاء وهذا ما يحدث عندما تستبد بنا الأشواق في ليالي السهد فننزح للأماني
وتقطع حبائل جسورنا إليها معلومة عدم تحققها لهذا نحن في انشطار للحظة الحلم ..،
" يرفع خصلة شوقي إلينا "
خفقة تحمل هذا التماهي الذي أحاط بالنص
بين تلك الروح والوطن فهي هنا
تتوحد بذكرياتها وعشقها ومراتع الوطن
..
... وكيف لا وتلك الأشواق لكل هذا هي
تحب تلك الأرض التي هي مهدها الذي حبت به ومراتعها التي رتع بها صباها ..
هي والشّام في كفة واحدة ترسل لها الأشواق
...،
ثم هذا الختام المغدق الذي يحمل بين
حوانيه هذا الإغراق في المحبة حد وضع النسيان مجرد ادعاء فكيف ننسى أو نتناسى ما بالروح
افتدينا ..
أديبتنا الوارفة كم كنت في أتم سعادتي
وأنا بين راحات تلك التفعيلة التي مست الوجدان الشعري ووضعت أسلوبا مائزا يجب أن نعود
إليه في وضعية الصورة التي لا تتوالد في إبّان لحظة مثولها بين وجدان القارئ ولكنها
تنقسم لصور جديدة عبر دفق شعري يعبر مقاطع كاملة ..
هذا ما حدا بالدهشة أن تحيط بنا أمام
هذا الحذق الشعري الراقي
مع هذا الحضور الغير نمطي للرؤية
...،
بوركت وهذا الطرح العميق والدفق الماتع
أديبتنا المبدعة
مودتي وضوع أخوة لا ينقضي ..،

