-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

رحلة مع قصيدة (٢) جدلية الإيمان والكفر في قصيدة الخطيئة للشاعر احمد غراب

رحلة مع قصيدة (٢)

جدلية الإيمان والكفر في قصيدة الخطيئة للشاعر احمد غراب 
الكاتب / محمد احمد عبد الراضي 
الباحث في الأدب العربي والناقد




_______________________________

     يطالعنا الشاعر الكبير أحمد غراب بقصيدته المعنونة الخطيئة ، ذلك العنوان الذي يحمل شفرات معنوية ودلالات سيمايئة ، فتعود بنا اللفظة الي بداية الخلق والخطيئة الكبرى التي وقعت بسبب إغواء الشيطان لآدم عليه السلام ، والخطيئة هي تمرد أفكارنا وكلماتنا و أعمالنا والابتعاد عن الصواب وعن طريق الايمان الذي رسمه الله لعباده .
      من البداية يوضح لنا الشاعر مدى حب الإنسان وتعلق قلبه بالخطيئة فهو يحب الخطيئة كما تحب النار أعواد الخشب ، ويشتاقها القلب كشوق الصحراء للماء والحياة ، بل مهما تباعد الزمن بالمرء ورسم الزمن تجاعيد على وجهه وحبيته ، تحت كل هذه التجاعيد التي خطها لازم طفلا يفكر بهذه الخطيئة وينمي النفس بالحصول عليها .
     فالشاعر يوظف سيمياء البلاغة في رسم الصور الفنية بداية من صورة الشوق الي الخطيئة وجدلية الكفر والإيمان ، فيصور لنا االنار بقلب يعشق أعواد الخشب بل تخطى مرحلة العشق ليصل إلى الهيام ، وحتى أودية الصحراء إنسان جائع يحلم بالرعيان والسحب ، ولا يخفى الشفرات المعنوية في كلمتي الرعيان والسحب ، فتوحي الكلمتان بالخير والنماء وتحمل في طياتها دلالة الماء الذي هو رمز الخير وأصله .
         ثم يطوف بنا الشاعر مع مفارقة العلم والخطيئة فالشاعر - ويحق لنا أن نطلق عليه السارد – خطت على وجهه تجاعيد بفعل عربات من الفكر والأدب ،مع كل هذه الثقافة والعلم فهو كطفل يفكر دوما ويقلب الذكريات لاستعادة الخطيئة المحببة إلى كل نفس .
ثم تأتي بلاغة الصورة في رسم صورة الخطيئة فهي امرأة وهذه شفرة سيمايئة توحي ربما  بالخطيئة الكبرى التي كان للسيدة حواء دورا كبيرا فيها – حسب بعض الروايات الدينية – لذلك رسم الخطيئة بأنثى ، وقد يكون صورها أنثى ليوحي بالغريزة الطبيعية وهي حب الرجل الغرائزي للأنثى وهو معادل موضوعي لحب البشر للخطيئة .
فها هي الخطيئة التي تحاول إغراء الإنسان وترمي بين يديه ثمارها وقد تخير منها الشاعر ثمار  العنب والتوت ، وهما عناصر أساسية لصناعة الخمور ،وهي جزء من الخطيئة ، هذه الخطيئة الكبرى تمت بوقت الدجى الذي كان يطوي أستار النافذة الخاصة به ، وهذه الكلمة تحمل دلالية سيمايئة لونية وزمكانية ، فالدجى يوحي باللون الأسود وهو لون الشؤوم والحزن ورمز البؤس في حياة الإنسان ، وسفرة زمكانية أن الخطيئة تأتي من أستار النافذة وهذا يوحي بعدم مشروعيتها ويوحي بالصراع بين الخطيئة والإيمان وتأتي متخفية ليلا في صورة امرأة حسناء .
ثم تتضافر عناصر المكان مع الخطيئة لتسهل للقلب الحصول عليها ،فالسقف يعج في سكون قاتل وحتى السراج قد اختار الإستراحة من التعب ،بل زوايا وأركان الحياة تدعو إلى التفكير في الهروب من الضغوط النفسية إلى الخطيئة ، وكأن المكان تحول لمعادل موضوعي لهوى القلب الذي يطلب الخطيئة رغم الكبر والتجاعيد .

ثم تتصارع الخطيئة والإيمان فتعود الخطيئة المرأة الحسناء إلى امرأة ذئب تحاول اقتلاع هذا الإيمان من جذوره من قلب الشاعر بأظفارها الكبيرة الكثيرة التي وصلت إلي عشرين ؛ لينفي عنها بشريتها ويدخلها في عوالم أخرى خفية ، وكأنها صورة مستوحاة من الخيال العلمي وهي صورة المرأة الذئب التي تشتهي دماء البشر كي تعيش وتنمو.
ويستمر الصراع بين الخطيئة والإيمان حتى إذا ارتكب الإنسان الخطيئة انتابه الندم والدموع ، ولم يبق من هذه الفتاة الحسناء  المعادل الموضوعي للخطيئة   غير تلك اليد المثلوجة ، تلك اليد التي اقتلعت جذور الإيمان ولم يبق منه إلا صومعة وهي لفظة لها دلالات سيميائية توحي بالإيمان ، وهو ما أنهى به الشاعر قصيدته الدموع فوق قبر نبي ، ولكي يوضح الشاعر ضراوة الصراع بين الخطيئة والإيمان فهي حرب وهو ما توحي به لفظة شظايا .
والشاعر يوظف جميع معماريات البناء الفني في القصيدة لتوصيل فكرة الصراع وكأنها (بركان ) ثائر أو (أرجوحة  اللهب )،فنجد الشاعر قد وظف دلالات الأفعال فبنظرة سريعة للأفعال وجدنا الأفعال في النص ثلاثة وعشرون فعلا منهم ستة أفعال ماضية وفي المقابل سبعة عشر فعلا مضارعا ، وزيادة الأفعال المضارعة تدل على تجدد طلب ووقوع الإنسان في الخطيئة واستمرار حب الخطيئة في قلبه منذ الصغر حتى الوفاة وهو ما تدل عليه لفظة قبر ،وهو ما يؤكد على عدم عصمة الإنسان من الوقوع في المعصية والخطيئة .
وبذلك يمكننا القول بأن الشاعر قد رفع لنا مستوى الشدة الفنية في القصيدة وفي مقابل السقوط الاجتماعي الذي يرفض الخطيئة في المدى الزمني وهو ما يمكن تمثيله بالمنحنى الهابط في دلالات سيميائية التوتر في القصيدة .

من خلال المخطط السيميائي  نصل لمرحلة التهذيب أو التقييم الأخلاقي وهي نهاية المسار العاطفي فبعد إسقاط العاطفة في الخطاب تصبح قابلة للتقييم والقياس ، وهذا القياس يتم عن طريقة رؤية المجتمع وعاداته وتقاليده والتي تقدر الإيمان وتحض عليه وتبتعد عن الخطيئة تنفر منها ، ولذلك نجد النص يقرر لنا عدم العصمة من الوقوع في الخطيئة وهو ما يمثل سقوطا اجتماعيا ؛ ولذلك يمثل بالمنحني الهابط .
________________&&&_______
             النص

الخطيئة 

وشوشتها  مرة  أني أهيم بها
كما تهيم عروق  النار بالخشب

.وأن  جوعي إليها جوع أودية
صفراء تحلم  بالرعيان والسحب

وأنني في الهوي ريح مراهقة
في كل زاوية تبكي بلا 
 سبب
وأن تحت تجاعيدي التي  حفرت
وديانها عربات الفكر
 والأدب

طفلا يفكر  دوما كيف يقلب بي
تابوت أزمنتي  رأسا علي عقب

وها هي اليوم ترمي بين أذرعتي
ثمارها من رضيع  التوت والعنب

وناهداها الطفوليان مابرحا
يكسران زجاج الصمت من طرب

وكان يطوى الدجي أستار.ط نافذتي
يرنو وعيناه  تاريخ من الغضب

والسقف يندي سكوتا والسراج بلا
صوت ينوح ويسترخي من التعب

وللزوايا فحيح لا انطفاء له
يدعو المساء إلي التفكير في الهرب

والمرأة الذئب مازالت تعب دمي
حينا وتمضغ نهديها  من السغب

تعوي وأظفارها العشرون مبحرة
إلي جذوري وحتي آخر الحقب

حتي  إذا لملم البركان قامته
وفي الحنايا ارتمت أرجوحة اللهب

لم يبق من ذئبتي الحسناء غير يد
مثلوجة وشظايا ناهد  خشبي

وكان في داخلي أنقاض. صومعة
وحفنة من دموع فوق قبر. نبي

عن محرر المقال

aarb313@gmail.com

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية