الأديب العراقي منار القيسي
في ضيافة " مجلة دار العرب ":
في ضيافة " مجلة دار العرب ":
الأدوات والأجندة النقدية قاعدة لمعرفة روح القصيدة
كان الشعر عبر العصور المرآة التي تعكس صورة المجتمع الذي قيل به وأظن أنه من الصعب أن يشك بموثوقية تلك الصورة حيث لايمكن أن يجتمع عدة شعراء على صورة واحدة إلا إذا كانت حقيقية فعلاً، وأظن أن الشعراء كانوا أول المؤرخين في التاريخ ، وأن الشعر كان أول التاريخ وكل الكتابات القديمة المكتشفة كانت بحال من الأحوال هي قصائد، عندما قرأت قصيدة الشاعر منار عبد الرزاق القيسي أحسست أنه من هؤلاء المؤرخين وكأنه قصد في قصيدته التاريخ من هذه الحقبة ستكون مستقبلاً ماضٍ يذكر، الذي قد لا ينقل بأمانة كون الأطراف فيه عديدة والكل يشد اللحاف إلى جانبه أما هو فقد إرتقى بالقضية لأنها قضية وطن وهو يدرك تماماً ما معنى وطن، ألمح فيه ذكاء أبو العلاء المعري وهو يشير إلى الأحداث بقالب الحث وأستنهاض الهمم حيناً والتأنيب حيناً أخر لم يغيب المتنبي عن الأسلوب كما حضر امرؤ القيس كلهم في شخص شاعرنا منار عبدالرزاق القيسي (جريدة الشرق ) حاورته إزاء تجربته المملؤة بالإحساس الوطني العذب والعفوية الصادقة .
* من هو الأديب منار القيسي من جهه مولده وسيرته التعليمية ؟
- حسب ما مثبت في رُقم الأحوال المدنية منار بن عبد الرزاق بن عباس علي القيسي ,الإبن الأوسط بين ثلاثة ذكور, ولدت في 12 أكتوبر 1956 و لأبًوين عراقيين عربيين (الوالد كان يمتهن التعليم والوالدة ربة بيت متعلمة ) نشأتُ وترعرعتُ في بغداد (صوب الكرخ) في منطقة الصالحية (شارع حيفا حالياً) , وتلقيتُ تعليمي الأول في مدرسة الشواكة الإبتدائية للبنين والتي تقع مقابل السفارة البريطانية (سابقاً),وممالاشك فيه أن تلك البيئة التي نشأتُ فيها أثّرت بي و تركت بصمة واضحة في مسار حياتي لكون تلك المنطقة كانت من المناطق الحيوية في العاصمة وعجُّت بالأحداث الساخنة وعانت من التقلبات كنت أترددعلى شارع الرشيد لكي أقتني الكتب حيث يتم عرضها في عربات صغيرة وبشكل أكوام (كتلك التي تعرض الفواكه والخضار),و متعتنا حين نقلّب ونتجول بأنظارنا وعقولنا الفتية المتعطشة لمتعة المعرفة بين عناوين الكتب وأيضا ً كانت هناك فضاءات ثقافية إذْ تمتد الى نوع من الحضارة والترف مثل دور السينما والمقاهي الثقافية ملتقى كبار المثقفين والأدباء والفنانين، ولا أنسى دور المكتبات العامة التي وفّرتْ لي الإستزادة المعرفية وأيضا ًمكتبة المدرسة والمشاركات الأدبية خلال الإحتفالات التي تقيمها المدرسة حفّزتني على خوض تجربة إعتلاء منصات (شعر او خطابة), وفي خضم هذا الإيقاع من رتم الحياة أكملت ُ الدراسة الثانوية ثمَّ الجامعية وحصلتُ على شهادة البكلوريوس في علوم الهندسة المدنية, والتي من خلالها مارست الحياة العملية الوظيفية كــ(مهندس مدني ) ولم أنقطع عن فضاءات الأدب والثقافة بل إنني وجدت الهندسة والشعر جناحي التحليق إلى عوالم مكتنزة الجمال .
* كغيرك من الشعراء لابد أن تكون لديك بدايات على دروب الأدب والكلمة الجميلة الوضيئة متى وأين كانت أول تجربة شعرية لك ؟
- قبل أن أجيب على هذا السؤال أود أن أقول إنّ أول نص فتح عينيَّ على عالم الشعر هو نص للشاعر سليم رشيد الخوري (من شعراء المهجر), قصيدة "أنشودة الغريب"..لِما حملتْ تلك القصيدة من شجنٍ وتساؤلاتٍ وفكرةٍ تقفز الى ذهنِ المتلقي بلا إستئذان ,ثم عرفت الآخرين وبالأخص "إيليا أبو ماضي", ثم توالت القراءات الأقدمين ولغيرهم من الأجيال الأخرى.
وكانت الفرصة الحقيقية عام 1984 حيث تم نشر أول نص لي في مجلة الطليعة الأدبية ( مجلة أدبية رصينة جداً ) وتصدر عن دار الشؤون الثقافية في وزارة الثقافة ثم أستمر هاجس النشر لدي في عدد من الصحف اليومية وبعض المجلات , وتطور الأمر بعد ذلك الى إصدار عدد من المجاميع الشعرية .
* رؤيتكم إلى رسالة الشعر والأدب عموماً كيف ترونها ؟
- يمكنني القول:إن للشعرِ وسيلتين في التفسير , فهو يعبر في رونق سحري عن حركة العالم الخارجية ، كما يعبر في إعتقاد مُلْهم عن الأفكار والقوانين الداخلية التي تحكم طبيعة الإنسان الأخلاقية والروحية وبكلتا الوسيلتين ينير الطريق للأنسان , ويوفر لهُ إحساسا ًمريحاً بالواقع كما يوفق بينه وبين نفسه وبينه وبين العالم , إذاً على الشاعر قبل أن يكتب الشعر عليه أن يعرفَ الحياة والعالم من حوله قبل أن يعالجها في شعره, وأرى إن (العالم) و(الحياة ) أصبحا في عصرنا الحديث أشياء بالغة التعقيد وبدون الفهم لايمكن للعبقرية الإبداعية أن تنتج عملاً فنياً عظيماً،لذا أحاول أن أرسم ذاتي, مستعيداً في كل كلمة أدونها جزيئة من جزيئات الوجع المهيمن على الروح, ومستفيداً من قدرتي الخرافية على إسترجاع لحظات الحياة كلها وأعمّد كل ذلك بماء الموهبة الخالصة لوجه الشعر والإبداع والحقيقة والتي أظل أبحث عنها عبر إنتاج المزيد من الأسئلة ِ,وأعتقد جازماً إنّ أهم الأعمال التي أقوم بها كشاعر هو التفكير و التأمل الشمولي في القضايا المصيرية للإنسان وحين أبدأ بالتفكير الفلسفي التأملي أصل إلى مناطق الحدود و أتجاوزها , وبما أنها تعتبر مناطق مجهولة بالنسبة لي ، فحينئذ ٍ أركب مغامرة فكرية أستهدف من خلالها البحث عن الحقيقة لذاتها و ليس لأي غرض آخر.
* يوصف الشعر العامودي بأنه ميزان لمعرفة الشاعر فماذا تقول أنت ؟
-إذا كان المقصود في السؤال القصيدة العربية الأصيلة ذات الشطرين المتناظرين وبقافية وحرف روي موحد و وفق البحور الفراهيدية فأقول نعم وأشدّد على أن يكون الشاعر قد مارس كتابة القصيدة العربية الأصيلة بإجادة تامة قبل أن يقترف أجناسها الأخرى.
*هل تؤمن بأن القصيدة الوطنية تمتلك جاذبية أكثر من أصناف الشعر الأخرى ؟
- أكيدلأنّ مضمونها يتسع الكل وفق هوية المواطنة والشعور بالإنتماء .
* أيهما أسبق عندك فكرة الموضوع أم اسم القصيدة وكيف تختار أسمها ؟
-القصيدة هي فكرة، وعدا ذلك فهو عبث وعدم , وتحمل في طياتها تساؤلات مشروعة , أمّا عتبة العنونة رغم أنها تعتبر نص قائم بذاته يؤطر النص ويمنحه رونق وأضاءة مبهرة قد تجذب المتلقي وتقوده إلى الدهشة فأعتقد هو التالي الذي يأتي بعد متن النص ويحتوي على فكرة وامضة وضمن السياق .
* بصراحة لماذا يتثاقل بعض الشعراء من النقاد وما هو إنطباعك عن حركة النقد ؟
-النقد ضرورة ملحة ولايمكن لنا أن نتصور فنون الأدب دون أن لايكون حظ للنقد الأدبي, وأما حركة النقد عندنا بالرغم من ظهور عدد من الأسماء اللامعة ,فاعتقد أن النقد يعاني من حالة الضيق, وربما أنسجم مع رأي شاعرنا الكبير الراحل محمد علي الخفاجي.
* هل يمكن أن تحدثنا عن مشاركاتك الأدبية وعن مشاريعك الثقافية للمستقبل أيضاً ؟
- أهم مشاركاتي الخارجية في لبنان وتونس (مهرجانات وامسيات معرض الكتاب في بيروت دورة 60/ ودوة/61 وايضاً مهرجانات تونس وأذكر منها مهرجان صفاقس عاصمة الثقافة, مهرجانات القصيد الذهبي مهرجانات جميعة الثقافة والفنون الدولية ، مهرجان القيروان الدولي ومشاركات أخرى وندوات وامسيات خاصة أقامتها بعض التجمعات الثقافية وأيضاً الإعلامية التونسية ) وكان من المفترض المشاركة في المغرب والجزائر ولكن لظروف خارجة لم تسنح الفرصة لتلبية الدعوات أما بالنسبة للقادم فأكيد في بلدان المغرب العربي إن شاء الله سيكون لنا حضور، وبالنسبة للمشاركات الداخلية (مهرجانات المحافظات مثل مهرجان هيت /3 وأمسيات جمعية الثقافة للجميع وفعاليات الإتحاد العام لأدباء العراق, ولكن تبقى المشاركات الخارجية هي سيدة الموقف.
* ماهي مؤلفاتك التي تنوي إصدارها في إطار تخصصك وإهتماماتك الأدبية ؟
-أصدرت عدة مجاميع, ديوان أتبغي رجوعي , أوراق مواطن, أن للبحر طباعي , التقدم بعيداً الى الوراء, من أوراق رجل, ست النساء, كيف لي, كنتُ هناك ولدي ثلاثة مخطوطات ديوان قمر تونس وديوان قيامة الحلاج وكتاب نقدي يتضمن كافة دراساتي النقدية التي نشرت في الصحف والمجلات المحلية والاغترابية والعربية مع عدة مقالات عن الشعر والنقد.
* هلا أتحفتنا بنموذج من شعرك في هذه الفسحة الحوارية ؟
-كتبت جميع أشكال القصيدة,:
القصيدة العربية ذات الشطرين :"بعض *الأبيات من قصيدة طويلة"
يَاشَعب لَا تَأْسى إِذَا غَامَ المَدَى
فَالْفَجُرُ آتٍ وَالضِّياءُ دَلِيْلَا
لاتَيْأَسنَّ وَلَوْ نَحَاكَ مُنَاكِدٌ
فَلَقَدْ سَمَوْتَ مُبَاهِياً وَجَمِيْلَا
وَلَقَدْ حَمَلْتَ إِلَى الضِّياءِ نَهَارَهُ
وَجَعَلْتَ فِي فَلَكِ النّجُوْمِ فُضُوْلَا
يَاشَعْب عُذْرِي لَوْ تَقَوّلَ قَائِلِي
فَالقَوْلُ قَوْلكَ عفّةً لَوْ قِيْلَا
فَالنَّخْلُ مُذْ فَجْرِ الْحَضَارةِ سَامقٌ
سُوَرٌ يُرَدّدُ سَعْفُهُ التَّرْتِيْلَا
مَدْ نَاظرِيْكَ إِلى المَدَى مُتَبصِّراً
خَصَّتْ عَلَى أَعْذَاقِهِا المَبْذُوْلَا
***
وبعض أبيات من قصيدة طويلة أخرى:
وإنْ عَطَشَ الْفُرَاتُ وَشَحَّ مَاءٌ
إِلَى نَخْلِ الْفُرَاتِ أَنَا السَّبِيْلُ
سَأَسْلُكُ فِي مَدَارِ الأَرْضِ فَجَّاً
فَلَا عقٌّ يُشَتّتُ أَوْ يَحُولُ
فَبِي نَبْضِ الْعِرَاق وَكُلّ نَبْضِي
لِيَرْوَى هَانِئَاً مِنْهُ النَّخِيْلُ
**
وبعض أبيات من قصيدة طويلة آخرى :
يَزْهُو الْجَلَالُ وَبِالْمَحَاجِرِ نُطْقهمْ
سِفْرُ الْعِرَاقِ مَهَابةٌ وَتَرَفّعُ
أُولَاء مَنْ تُحْنَى لَهمْ يَاصَاحِبِي
السَّامِياتُ السَّامِقَاتُ وَتَرْكَعُ
وَبِكُلِّ مَافَصَدَ الجَّبِيْنُ فَلا مَسَاس
فَأَنَّهُ فِي مَسْكِهِ يَتَضوّعُ
أُولاء مَنْ يَاصَاحبي بِدِمائِهمْ
لَمْ يَبْخَلوا,صَانُوا العراقَ وَمَاادّعُوا
فَلٍكُلِّ مَعْشُوقٍ وَمَشْغُوفٍ هَوىً
وَلِكُلِّ مَنْ يَهْوَى شَفِيعٌ يَشْفعُ
فَعِراقُهم بِقلُوبِهمْ أنّى سَرَوا
إيْقاَعُ نَبْضٍ بالأَضَالعِ يَنْطعُ
***
*قصيدة قصيرة تفعيلة:
**
فطنة الحلاج
***
في البدء
في بدء التكوين
قَالَ الْحَلَّاجُ هي النّقْطَهْ
سَالتْ فَانْبَلَجَ التَّأوِيْل
حَمَلَ التَّفْسِيرَ إِلى سَقْطَهْ
مَا ظَلَّ الْحَلّاج بِفِعْلَتِهِ
بلْ ضَلَّ سُوءُ التَّدْبِيرْ
وَالْجَهْل الْمُتَأصلِ بِالسّلْطهْ
**
وطني
**
أَغْلقَ الْبَابَ بِوَجْهِي وَطَنِي
ثمَّ أهْدانِي كَفَنْ
قَالَ لْي لاتَنْحنِ
وَعَلى مَرِّ الزَّمن ْ
كانَ أصْحابِيَّ فِي الْغُرْبةِ يَدْعُوهُ: جَحِيماً
وَأَنَا أَدْعُوهُ رغم الضَّيمِ جَنَّات عدنْ.
**
* الا يحتاج الشاعر الى حرية أكبر في التعبير والتحرر من القيود المفروضة ؟
- نعم بكل تاكيد
* ما الذي يؤرقك في نهاية القصيدة القاريء أو الناقد ؟
- أكيد المتلقي, وقلقي سيكون مشروعاً لحين أضمن واعية المتلقي بالفهم الدقيق لفحوى النص دون أن يشت ,وأما الناقد لايقلقني لاني أدرك تماماً أدواته الفنية والأجندة النقدية التي يبني عليها قاعدة الفهم للنص بل ربما يجعلني اكثر إسترخاء وغبطة لو أدرك النص بإضاءات تعين الأخرين على الأستزادة المعرفية للنص.
* أذكر أهم المعاني في قصيدتك الوطنية الأخيرة ؟
- سأترك منصةَ الإجابةِ للمتلقي الغيور والإنسان المتحضّر المحب لوطنه حين يقرأ القصيدة.

