رؤية في كتاب اقتفاء
أثر الفراشة
بقلم :
أ . نبيل طنوس
من المفترض
أن تكون كتب النقد الأدبي ممتعة كحال النص الأدبي، فإذا تم أعداد الكتاب بشكل جيد،
فسيستمع القارئ به، كما يستمتع بالنص الأدبي، والعكس صحيح، إن عزوف العديد من القراء
عن كتب النقد يرجع إلى أن بعضها يقدم بشكل معادلة كيماوية، أو بلغة معجمة، ترهق القارئ
وتجعله (يكفر) بالنقد وبكتاب النقد.
ما يميز
كتاب "نبيل طنوس" أنه جاء بأسلوب سهل وسلس، ويوصل فكرة أهمية النقد الأدبي
لتبيان عمق الصور الشعرية التي يقدمها محمود درويش في شعره، فعلى سبيل المثل، عندما
يتناول فكرة الماء والاغتسال، يقدمنا من أفكار عديدة، بحيث يتحدث عن الأفكار الدينية
عند اليهود والمسحيين والمسلمين: "... المعمودية في الديانة المسيحية تعني قبول
تعاليم المسيح وتعني التجديد، والطهارة والحياة"ص19، مثل هذا التعمق يقدم القارئ
أكثر من فهم وتحليل النص، كما أنه يعطيه معلومة قد تكون خافية عليه، وعندما يتحدث عن
الغريزة البشرية ودور الفن والأدب في تهذيب هذه الغريزة يقول: "...أن الغريزة
العدوانية والغريزة الجنسية تطالب بحقها ، لأنها لا تستطيع أن تمنح نفسها الحياة الحقيقية
الواقعية، لذا فهي قد تحصل في مجال الفن على ترضية بريئة ومثالية، والأدب ليس له إلا
وظيفة واحدة منذ العهد الاغريقي وكما ذكرنا سماها أرسطو كانارزيس اي التطهير، الفن
هو الذي يطهرنا ويسمو بأرواحنا والأمم التي تهتم بالفن والأدب والثقافة هي الأمم التي
يصبح شعبها متحضرا في عواطفه ومشاعره وأفكاره" ص 28، وهذا القول ليس تنظير بقدر
حث القارئ على الاستمرار في القراءة والتمعن بها، فهي من يهذبه كما هذبت الأدباء والكتاب.
والناقد
يؤكد على أهمية اللغة في حياة الأمم، يقول: "وأيقن المحتل أنه ليسيطر على البلاد
والمجتمعات لا بد من السيطرة على اللغة، يقول الفيلسوف الألماني هيدجر "لغتي هي
مسكني، هي موطني ومستقري، هي حدود عالمي الحميم ومعالمه وتضاريسه، فإذا لم تكن لنا
لغة تامة صحيحة، فليس يكون لنا فكر تام وصحيح" ص49، وهذا يوضح دور اللغة في تثبيت
وجود الأمم، فبدون اللغة تضيع الأمم، لأن اللغة أحد عناصر انتاج المجتمع، فإذا تخلى
عن هذا الانتاج فبالتأكيد سيفقد عنصر أساسي من عناصر وجوده، والناقد "نبيل طنوس"
لا ينظر إلى اللغة بطريقة جامدة/ثابتة، بل ينظر إليها كالكائن الحي، تنمو وتزدهر ويتم
تطويرها.
وتأكيدا
على تأثر الشاعر/الكاتب بواقعه، يقتبس قول لمحمود درويش جاء فيه: "القهر الإسرائيلي
جعلني عربيا" ص116، "الخيبة العربية جعلتني فلسطينيا" ص118، وهذا تأكيد
على أن أي كاتب/شاعر يتأثر بواقعه، ومن ثم سينعكس ذلك على أدبه/على نصه.
واللافت
أن الناقد يستشهد بمقاطع من شعر درويش، ثم يضع القصيدة كاملة في آخر الباب النقدي،
وهذا يجعل القارئ على اطلاع وفهم ما يحلله الناقد من شعر، ورغم أن لغة الناقد سهلة
وبعيدة عن المعاجم النقدية أو اللغوية، إلا أنه يوضح العديد من المدارس النقدية باسلوب
سهل وممتع، وهذا ما جعل كتاب "اقتفاء أثر الفراش/ دراسات في شعر محمود درويش"
كتاب يستحق أن يقرأ ويتوقف عنده، لما فيه من متعة ومعرفة، وأيضا ليكون نموذج لكتاب
النقد، ليخطوا على خطى "نبيل طنوس" واعتقد، حينها فقط، يمكن أن يتقدم القراء
إلى قراءة كتب النقد، كما يتقدمون من قراءة الأعمال الأدبية الاخرى.
الكتاب
من منشورات مؤسسة محمود درويش للإبداع، مطبعة كفر قاسم، الطبعة الأولى 2019.

