كانت ترفض آمال خروج ولدها خالد وحده والحالة الوحيدة التي كانت تسمح له بالخروج حينما تذهب هي ووالده للتسوق ,حتى إنها رفضت ذهابه للمدرسة مما تسبب برسوبه, ووالده وهو الضابط المهندس كان يتجنب الخروج إلا للضرورة القصوى, كانت الأجواء مشحونة في عام 2006 ,خطف وابتزاز مالي وقتل على الهوية وفوضى أمنية وعصابات وتفجيرات دامية يومية يكاد لا يخلو منها سوق أو حي وخارجين عن القانون يسرحون ويمرحون, وطالت الإغتيالات الضباط الأكفاء والنخب العلمية والمجتمعية,لا تدري لِمَ سمحت له هذا اليوم بعد توسله بها لرؤية صديقه الذي دعاه للعشاء,رضخت لتوسلاته وغلبت عاطفة الأمومة لديها حذرها الشديد وفي لحظة ضعف سمحت له بالخروج ,بدأ القلق يساورها كلما مر الوقت ,وحين وجدت إن صبرها قد نفذ والوقت المتأخر بدأ يداهمها ,التفتت لزوجهاأحمد وهو جالس على الأريكة يشاهد التلفاز
-أحمد الساعة قاربت العاشرة مساءاً ومنع التجول بعد ساعة وخالد هاتفه مقفل تارة وخارج التغطية تارة اخرى ..أفعل شيئا يا رجل..
لم يكن أحمد أقل منها قلقا ولكنه كان يتصنع الهدوء خوفا عليها ,فهو لا يطيق غضبها وزعلها
-ساتصل بصديقي الضابط في الشرطة لعله يفعل شيئا
وما كاد يكمل كلامه حتى رن هاتفه الجوال ,نظر لهاتفه فانفرجت اساريره ,إنه خالد..
فتح الهاتف وصرخ به
-أين أنت يا فتى ؟لِمَ تجعلنا هكذا في قلق عليك؟
تجهم وجهه وأنقبضت اساريره لما سمع صوتا أجش يجيبه ونبرة لا تخلو من الأمر
-أسمع.. سأتصل بك مرة أخرى بعد أن دبرت (خمسة دفاتر) واغلق الهاتف,كانت هذه لغة العصابات التي صارت مألوفة حينها للعوائل الآمنة حينما يخطفون أحد اولادهم, و(خمسة دفاتر )تعني 50 ألف دولار وهو مبلغ كبير جدا لا تتحمله العوائل,وقف مشدوها ووجدها تمسكه من قميصه وتهزه بقوة
-قل..ما به خالد ..
جلس على أقرب كرسي له وهو يهمس بصوت خافت مرتجف
-خالد مخطوف والعصابة تريد فدية مقدارها (50)الف دولار,لم يكد يكمل كلامه حتى أغمى عليها
لم تكن تلك الليلة ليلة عادية ,دهر كأنها كانت ,ضلت تنظر هي وزوجها للهاتف الجوال طوال الوقت لعل في الأمر سوء فهم وهي ماكانت تمني النفس به ,في اليوم التالي جمعت المبلغ على عجل من مدخراتها وتبرع أهلها وأهل زوجها .مساء اليوم رن الهاتف وكان على الخط ذات الصوت الأجش وبذات النبرة
-هل المبلغ جاهز أم تريدون جنازة خالد
رد عليه والده أحمد
-المبلغ جاهز ولكني اريد أن اطمأن على حياة ولدي أولا
تغيرت نبرة المتصل وعلى صوته
-ليس أمامك أي خيار ولا شروط لديك ..سأتصل بك ثانية لأبلغك مكان دفع الفدية ..وأياك أن تبلغ الشرطة أو أحدا من اقربائك وإلا ..سنسلمك ولدك جثة هامدة,وأغلق الهاتف,بعد ساعة حددوا له مكان دفع الفدية وهو مكان مهجور في أحد أحياء بغداد,بعد دفع الفدية وفي اتصال هاتفي أخبروه بعد ساعة من الآن سنخبرك مكان ولدك ,المكان الذي أخبروه إنه سيجد ولده فيه هو مكب للنفايات على أطراف العاصمة ,وصل لمكب النفايات ومعه أحد أقاربه وكان يخيم على المكان ظلام دامس موحش,عندما لم يجد خالد في إنتظاره أدرك إنه ربما يجده جثة هامدة,وهو يبحث في مكب النفايات ويصيح بأعلى صوته مناديا خالد ,سمع صوتا خافتا وأنين متقطع يأتيه من الجهة الأخرى,أسرع لجهة الصوت ليجد خالد في الرمق الأخير وجسده مثخنا بالجراح ,على عجل حملاه للمقعد الخلفي للسيارة وانطلقا لأقرب مستشفى.بعد إجراء عدة عمليات جراحية معقدة استطاعت العائلة استعادة أبنهما بعد عناء طويل.
على وقع صوت قبطان الطائرة مهنئا بسلامة الوصول لمطار انقرة الدولي أفاقت آمال من غفوتها ,نظرت لزوجها وولدها اللذان بجانبها فتنفست الصعداء ودمعة صامتة نزلت على وجنتيها فقد أدركت حينها إنها بداية الرحلة للمجهول والمنفى القسري

