عنود النطاح ...وهاجس الخلود
بقلم : د . زينب عبد الكريم الخفاجي
" أنا الخيال وعيونج ميادين
وأنا المشتاك وعيوني سهاره "
هذا البيت مجتزأ لنص قد يكون ولادة لمخاض عسير حاول شاعرها ترجمة لحظة الغياب التي تكتنفه فاختزل دفين مشاعره المختلطة ما بين الحب والحياة والخوف من قادم الأيام والوله الجنوني الذي يليق بفارس خيال من زمن ولى غير راجع خيال لا يرضخ لإنكسارات الحياة ويذهب ما استطاع بلغته الجاذبة وانتقاء لفظه الملائم لصوره المكتسيه معانيه المتنقلة ما بين الرمزية والواقعية والحضور والغياب وشوق تجسد في رمز حبيبة قناعا لوطن بعيد لكنه غير مفقود ..هو الذي رأى كل شيء فغني بذكره يا بلادي هو الذي نقش على حجر الحياة معاناة سنوات طوال ،خارجه صلد مغوار قد لا يناسب لين قلبه ورقة الشعور فيه ذاك السومري المكتنز بالعنفوان يحمل تأريخ بلده ساعيا الى الخلود وكأنه في كل نص من نصوصه يسعى ظافرا في لغة الحضور والغياب الى الحصول على عشبة السرمدية والبقاء يبحر في خفايا النفس الإنسانية بانتقاء مفردة وجدانية لا يختلف عليها أثنان فيضمن بذكاء قوة التأثير وبقاء الحضور في ذهن متلقيه هو كلكامش العصر يترجم لوعته وغيره تلك اللوعة التي لا تبرح أن تختفي فتظهر مجددا إذ لا سبات لها ،شاعرنا ينحت صوره الشعرية على صخرة الحياة وهو يردد أنا هنا حيث لا طريق لنسيان نظمي ،وكأنه تيه أبدي في فلك المغفرة وثيمة وجودية إنسانية تترجم احساس الفقد ،والغربة والضياع, الضياع في كنف أراض أخرى مهما طال مكوثه فيها لا تمت له بصلة ولا جذر منه يمتد اليها فترويه هي فقط بمثابة الملاذ ،المكان الأليف او المحبب عوضا عن المفقود .في نصه يثبت للمتلقي أن السيادة لا تليق إلا به وبعنفوان خيال او فارس مسافر دوما في بحر الشعر بلا عودة .
هو حرفك المتألق الذي يرتل آيات الجمال إرثا سومريا وعشب الخلود أو لعله إسطورة اليهودي التائه الذي يعود كل مائة عام لكنه لا يموت ..نص مأمون النطاح لا يموت عشب خالد في ضمير المتلقي على اختلاف الاذواق والاعمار بل وحتى مستويات التعلم فهذا العنفوان الشفيف والصورة الشعرية المتأنقة التي ترتدي خيالا عميقا متنقلا من غرض لآخر من دون إسفاف أو ترهل فتتوالد الخيالات بلغة عالية توحد الصور المتعددة ضمن إطار الصورة الأم ضامنة للنسيج الشعري قوة السبك وعمق المعنى وضمان حدوث التأثير في الآخر ولا نجده يتكلف في نظمه أو يغرقه مجتهدا بالوان البديع والبلاغة بل ان القريض يأتيه طيعا كيفما شاء وأراد أما صورة الفارس تكاد لا تغيب عن سفر أشعاره فضلا عن توظيفه لصور من واقع معاش وموروث متواجد حي ...
" تعالي أرقيج من شر الشياطين ...
وأحط بعين كل حاسد شراره "
أعانه الله على حاسديه .ثم يختم النص بدعاء معلن لا يخلو من خوف فراق مضمر قد يكون هذا الخوف تجسيدا لشعور خفي بالبعد عن وطن محبب اغترب عنه مكرها وأرض شربت دماء ابناءها ولا زالت عطشى للمزيد ...مأمون النطاح وللإلقاء حكايا أخر ...

