وأنا اقرأ البحوث عن القصة القصيرة جدا وتسمى بالومضة الحكائية في الموروث العربي,استوقفتني مفردة الومضة والومضة تعني في معجم اللغة العربية (ومضَ/ أومضَ بـ يُومض، إيماضًا، فهو مُومِض، والمفعول مُومَض به • أومض البرقُ: ومَض، برَق، لمع لمعانًا خفيفًا وظهر ظهورًا متقطِّعًا. • أومض الشَّخصُ: أشار إشارة خفيَّة رمزًا أو غمزًا "أَلاَ أَوْمَضْتَ إِلَيَّ)إذن اطلق وصف الومضة لبريقها لما فيه من دهشة ومكوثها في ذهن القاريء بتأويل يمتلك مساحته واسعة ..فوجدت في الشعر العربي ما يتطابق مع شروط القصة القصيرة جداً في المفهوم الحديث ..الفرق إن العرب كانوا أهل شعر فكانت ومضتهم الحكائية (القصة القصيرة جدا)ببيت شعر أو بيتين ولو دقننا فيها لوجدنا ما وضعه الأكاديميون لشروط القصة القصيرة جدا من تكثيف ودهشة موجود في الومضات الشعرية عند العرب منذ الجاهلية ولأن العرب يهيمون بالشعر فوضعوا له البحور وأطروه اكاديميا ولكنهم غفلوا عن الومضة الحكائية وفصلها عن الشمولية في الشعر وجعلها جنس ادبي, فلم يؤطروها اكاديميا مما اعطى مغالطة ادبية بأن يمنح تأطيرها للغرب ...وكما في ادناه ..وبعدها لنعطي الشواهد لكون هذا الجنس الأدبي موروث عربي بأمتياز .
إن العناصرالبنيوية التي تتحكم في هذا الجنس الادبي من خلال
الدلالة والوظيفة واستكشاف العناصر الاساسية من حكائية ولغة
شعرية وتكثيف ومقومات فنية وجمالية كالتنويع والمفارقة مع
الأستهلال والخاتمة,فهي نص أشبه ما يكون ببرقٍ خاطف يتسم بالعفوية وبساطة تمكنه من النفاذ إلى الذاكرة للبقاء فيها معتمدا على تركيز عالٍ وكثافة شديدة وخاتمة فيها الدهشة ,وتؤشر بدايات هذا الجنس الأدبي كما وضعه الباحثون عام 1971 أثر ترجمة رواية (إنفعالات) لناتالي ساروت من قبل المترجم المصري جلال العشري واستخدم توصيف القصةالقصيرة جدا لأول مرة,وساهمت المتغيرات في العالم العربي كما يراها جاسم خلف الياس في ترسيخ ونضج هذا الجنس الأدبي,وظهرت دراسات نقدية ومنها (القصة القصيرة جدا ,مقاربة بكر) للدكتوراحمد حاسم الحسين وهي دراسة فنية فتحت الباب لما بعده من الباحثين,أما جذورها هناك من يراها غربية أو من امريكا اللاتينية وأن نسختها العربية تأثرت بروائيون غربيون امثال ناتالي ساروت وكلود سيمون وميشيل بوتور وروبي بيانجيه وغيرهم.
(القصة القصيرة جدا ) أرث عربي
اما الاتجاه الاخر وكما أسلفت وهو ما أميل إليه ليس لأني عربي ولكن معطيات الأدب العربي الموروث منه والحديث تعطي الدلالة على أن القصة القصيرة جدا أرث عربي لكنه لم يوضع في قالب الحداثة بالمفهوم المنهجي والأكاديمي كما وضع الشعر في بحوره لتداخل الومضة الشعرية الحكائية معه, فموروثنا مليء بالحكاية السردية والنكتة والطرفة والحديث والمقالة والمثل والاسطورة والخرافة وقصص الحيوان ..الخ..فالعرب يختلفون عن باقي الامم فعندهم المتداول شمولي ومجزأ معاً بمعنى أدق يختلفون عن غيرهم من الأمم في متداولهم للمجزأ كأسطورة أو حدث منفصل..فعندهم جزيئيات التاريخ متداول إلا إن العرب متداولهم يدخل في كل جزيئيات حياتهم وإن افتقدوا التدوين وللدلالةفالنسب يتفردون به عن سائر الأمم ولم يصبح علم قائم بذاته إلا بعد الفتوحات الاسلامية وظهرت الحاجة للتدوين فكان أبن السائب الكلبي أول من وضع علم النسب وحوله من المتداول إلى التدوين المؤرخ ,إلا أن القصة والشعر والطرفة والنكتة وغيرها لم تتوفر لها الأسباب والدوافع حتى تأخذ مكانتها العلمية والتأريخية المدونة بأطر منهجية اكاديمية كما توفرت للنسب وبحور الشعر فذابت الومضة الحكائية ضمن الشعر لما لشاعريتها ولم ينتبه إليها حينها,لذا بقيت ضمن المتداول الشمولي للشعر إلا في العصر الحديث وبعد بروز الومضة الحكائية كنجس أدبي قائم بحد ذاته له مقوماته وأطره الأكاديمية ولا يمكننا أن ننكر دور الغرب الثقافي في التحفيز للمراجعة الأدبية العربية حتى تأخذ استحقاقها الريادي في هذا الجنس الأدبي .
الومضة الشعرية الحكائية في الشعر العربي (ق.ق.جدا)
نورد مثالا لهذا الجنس الأدبي المدهش ...
قصة البيتين في مقتل المهلهل وهو يطلب من قاتليه ان يقولا
لأهله هذين البيتين....(من مبلغ الحيين ان مهلالا لله دركما ودر ابيكما)والقصة معروفة حين عرفا ما يقصد وهو يقصد.
من مبلغ الحيين إن مهلهلا امسى قتيلا في الفلاة مجندلا
لله دركما ودر ابيكما لا يبرح العبدان حتى يقتلا
وفي قمة البلاغة اللغوية والتكثيف يقول الأعشى (علقتها عرضا وعلقت رجلا *** غيري وعلق أخرى غيرها الرجل)وهذا البيت نموذج رائع للومضة الشعرية الحكائية والتكثيف اللغوي للقصة الومضة ..وقال الشاعر شمس الدين بن العفيف الملقب بالشاب الظريف:
رأى فحب فرام الوصل فامتنعوا *** فسام صبرا فاعيا نيله فقضى
وهذا البيت الشعري ذو الومضة الحكائية يروي قصة رائعة بطلها رأى فتاة تخطر في حيه فوقع حبها في قلبه، فأرسل أمه تخطبها على سنة الله ورسوله فرفضوا طلبه لأنه فقير وليس معه شهادات، فشكى أمره إلى الله وتعلق بأهداب الصبر يتجرع مرارته وتكتوي به جوانحه حتى شفه الوجد و زاره ملك الموت. وقال ابن رشيق القيرواني:
وأحب ليلى وهي ليس تحبني ***وتحبني لبنى ولست أحبها
وهذا شاب تعلقت به فتاة اسمها لبنى، غير أنه لم يبادلها هذا الحب وتكبر عليها وتعرف على ليلى ذات الدلال والرشاقة فتعلق بها، غير أن ليلى صدته بحزم وتكبرت عليه لانه فقير وهي غنية وقول قيس بن الملوح:
تعلَقت ليلى وهي ذات تمائم ..ولم يبد للأتراب من ثديها حجم صغيرين نرعى البهم يا ليت أنّنا ..إلى اليوم لم نكبر، ولم تكبر البهم.
الومضة الشعرية الحكائية في الشعر والأدب الحديث:
ومن العصر الحديث قبل بروز هذا الجنس كان أمير الشعراء احمد شوقي في شعره يمتلك كل مقومات القصة القصيرة جدا وبصور شعرية رائعة وكمثال لا الحصر,ففي قصيدته (الحمار والسفينة) سقط الحمار من السفينة في الدجى.....فبكى الرفاق لفقده وترحموا
حتى اذا طلع النهار أتت به..........نحو السفينة موجة تتقدم
قالت: خذوه كما أتاني سالماً..........لم أبتلعه,لأنه لا يهظم
والشاعر المعاصر الكبير يحيى السماوي في ومضته الشعرية (تلفزيون)
(الـطـفـلُ الـذي رسَـمَ عـلـى الـجـدارِ عـام 2003 جـهـازَ تـلـفـزيـون :سـقـطَ عام 2018 شـهـيـداً بـرصـاصِ شـرطـة حـفـظ الأمـن حـيـن تـظـاهـرَ مُـطـالـبـاً بـالـكـهـربـاء لـتـلـفـزيـونـهِ الـمـرسـوم عـلـى الـجـدار ! )
و الشاعر الكبيرمعروف الرصافي في ومضة حكائية شعرية ..
(علم ودستور ومجلس أمة..كل عن المعنى الصحيح محرف
أسماء ليس لنا سوى ألفاظها..أما معانيها فليست تعرف
من يقرأ الدستور يعلم أنه..وفقا لصك الانتداب مصنف
وفي مضة شعرية حكائية أخرى
ياقوم لا تتكلموا.......... إن الكلام محرم
ناموا ولا تستيقظوا......... ما فاز إلا النوم
وتأخروا عن كل ما........... يقضي بأن تتقدموا
ودعوا التفهم جانبا............... فالخير أن لا تفهموا
أما السياسة فاتركوا.......................أبداً ولا تندموا
أما الشاعرالمعاصر ناظم الصرخي فقد جسد في هذه الومضة الشعرية الحكائية كل مقومات الومضة الحكائية :
قَـسـْـوة
طَلَبْتُ أَنْ تَتَرُكَ مُتَنَفَّسًا كي أَشْهَق زَفِيرَهَا
شَدَّتْ حَبْل مَشْنَقَتِي
وَقَالَتْ تَنَفْسْ !!!
مما تقدم فلم تكن الومضة الحكائية وما تسمى بالقصة القصيرة جدا وليدة العصر الحديث كما يشاع وكما ذكرت الدراسات فهي موروث عربي موجود منذ الجاهلية في لغة العرب ولهذا اليوم والفرق الوحيد إن ادباء الغرب وضعوه في قالب اكاديمي وصنفوه كجنس ادبي قائم بحد ذاته ومن ثم روج له الأدباء العرب ممن كتب هذا الجنس الأدبي المدهش متغافلين مع الأسف جذوره العربية .ولا يفوتنا هنا أن نذكر إن هناك في اللغة العراقية الدارجة الجنوبية لغة تسمى(الحسچة) وهي لغة رمزية فيها لمسة شعرية تمتلك كل مقومات الومضة الحكائية الرمزية للقصة الومضة و(الحسچة) في أدق تعريف لها هي البلاغة في القول والشعر حصرا،وهي نموذج محلي رائع يعطي القاريء والمستمع مساحة واسعة من الخيال الذهني لتأويل النص فهي تعتمد على باطنها اكثر من ظاهرها وفي المعنى المختلف ومثال ذلك
بقى يمي الشمع بس ذوبه الليل
وانه متاني الصبح يطلع واشيعه
عرفتك ثوب بس ماتستر العيب
المايرهم علي مجبور انزعه
وهناك قصص كثيرة من الموروث جميعها تؤشر على ان المتداول في الموروث العربي من هذا الجنس الأدبي الرائع هو ابداع عربي وأول من كتب فيه.
------
المصادر:
1-مقالة جميل حمداوي
2-القصة القصيرة جدا في الادب المصري
3-البدايات واسس القصة القصيرة جدا
4- الحداثة الشعرية وفنّ الومضة ..مقالات لمحمد غازي التدمري
5-قصة حب في بيت شعر (محمد زهير الخطيب)
6-في معنى الحسچة ايظا..لهاشم العقابي
7-ما هي (الومضة –التوقيعة)الشعرية..مقال لعباس باني المالكي

