-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

محمد صوالحة.. يكتب: إلى قضاء الشوف




بعد العودة من جعيتا ، غرقتُ في نوم عميق ، لم أنمه منذُ عرفتُ معنى النوم ، كانت الصور تتداعي ،الأحلام تتجسد وتتراءى لي في المنام ، كيف تحولت حجارة وهوابط وصواعد جعيتا إلى صور وأصوات أحدثها وتحدثني ، كيف تحولت إلى صبايا من نور ، أغازلها بكل جوارحي .
اليوم التالي كان استراحة ، لم أغادر به إلى أي مكان بل صلبتني على شرفة البيت ، أطالع الوجوه ، وأحاول أن اقرأ المكان بطريقة مختلفة ، القهوة من إنجيليا لم تنقطع ، وهاتفي البسيط  يلتقط الصور لكل ما يلفت انتباهي ، أكتب ، أمزق ، سيجارتي لا تنطفئ ، قهوتي لا تنتهي ، وكلما طلت إنجيليا وجدتني على ذات الحال ،  اتأمل  النواذ ... أناجي  تلك الستائر .. اتخيل  التي  تقف  خلفها ...   اشعر  بدغدغة النسيم لجسدي  فأبتسم .
انتهى اليوم سريعاً ، وعدت للغرفة أطالع مواقع التواصل الاجتماعي ، أُجري المكالمات الهاتفية ، وكلما اتصلت بتلك الحسناء التي طالما تمنيت لقائها أؤجل موعد اللقاء ،أخبر إنجيليا ما كان يدور من حديث .
كما الأيام الماضية نعاود السهر ومناقشة ما يفيض به القلم ، وقبل أن تغادر أحضرت لي قهوتي والشكولاتة الشهية وبيرتي المفضلة ، أنادي النوم فيعصى أمري ، أغريه أغويه بالحسان اللائي سيزرن أحلامي  ويأبى أن يطاوعني ، وقبل أن يتنفس الفجر عدت لأقف على الشرفة منتظراً أن تداعب الشمس عيوني ، بقيت أطالع الناس يتجولون ، يشرد خيالي إليهم ، أبقى على هذه الحال حتى يأتي الصوت الملائكي ليعيدني من شرودي  أن تعال محمد اليوم سيكون مشوارنا طويل .
-إلى أين ؟
الخبر عند أبي نجيب.
 - لا أدري.
نجلس إلى طاولة الإفطار ، أتناول قهوتي وأشعل سيجارتي، تنتبه لي إنجيليا و تقول: ما على هذا اتفقنا ، اتفقنا القهوة والسجائر بعد الإفطار .
ابتسمت قلت :لا رغبة لي بالطعام ، أشعر بوجع يداعب معدتي .
قالت : بعد قليل سيذهب الوجع .
تركتهم يكملون إفطارهم وذهبت لأبدل ملابسي وأستعد ، وما أن أتممت حتى جاء الصوت بدل ملابسك محمد أبا نجيب ينتظرنا في السيارة .
قلت : أنا جاهز وها أنا في غرفة الاستقبال .
قالت إذا هيا.
مولي  تلك الرائعة الأثيوبية    تشيعنا حتى الباب وابتسامتها ترتسم على كل وجهها، الأسمر الجذاب / وأنا أقول لها انتظريني حتى أعود لألقي بك من النافذة.
فتردد وهي تضحك:(ok) .
نهبط وإذا بالشاعر الرائع إلياس القزي يقف مع أبي نجيب يتحدثون ، وما أن القينا تحية الصباح عليهم وقبل أن أصافح إلياس قال أبو نجيب : هيا اصعدوا صافحه وأنت بالسيارة.
صعدنا إلياس في المقعد الأمامي وإنجيليا وإنجي وأنا في المقعد الخلفي ،أسأل أبو نجيب إلى أين يا سيدي نشد الرحال ؟
قال: كل الأماكن في لبنان تشد إليها الرحال ، انطلقت السيارة باتجاه الجنوب ، تجاوزنا الضاحية الجنوبية ، المكوث بالسيارة يعني الحرمان من التدخين والقهوة  ووحدها رائحة العطر  تستبد بالمكان ، تمارس جبروتها الشهي على الحواس ، والحديث عن المكان بجمالياته، تاريخه ، وحاضره، أو إلقاء النكات،  والضحكات تقاطع صوت فيروز و تضفي الراحة على النفس وتزرع الفرح في القلب.
المركبة تتجاوز القرى ، أرى الشارع يداعب الإطارات كأنه يريد الإمساك بها وإيقافها ، أنا والطريق متفقان على هذا ولكن أبا نجيب يصر أن يتابع مسيره ويتجاوز كل محطات الجمال التي مررنا بها ، أبو نجيب إنسان هادئ جداً ، ودود جداً، طيب القلب رزين، لا تهمه الحسان، ولا تلفت انتباهه بعكسي تماماً.
 أخرج علبة سجائري ، أتحسسها وبي لهفة لإشعال سيجارة، أقاوم بدخانها رائحة العطر التي احتلتني والمكان ، لكن هناك ما يمنعني عن التدخين، وكأن إنجيليا تعرف ما يدور برأسي، فتقول: دقائق وستداعب سيجارتك كما تحب ، وستشرب قهوتك كما تشتهي، أسرح بخيالي بعيداً عن المركبة وما فيها، إلى حيث كان السابقون هنا،هل يعقل لم يكن فيهم شاعر واحد يتغزل بالمكان، هل يعقل أن قصص الحب هنا مجرد أساطير، وأرد على نفسي ، ربما لعنف الحب هنا  ولتفرده تحول إلى إسطورة.
 تسألني إنجيليا إلى أين ذهبت ؟ فأجيب : أنا معكم ، تضحك إنجي، وتردد: هنيئاً لمن طرت إليها، فتضحك ونضحك  حتى غاب صوت فيروز، وتتابع يا خالو .. إبق معنا بروحك وجسدك، فالجسد بلا روح لا يعني شيئاً إلا الغياب ، كم كنت أود لو أن حسنائي الرائعة برفقتي ،أعاود الشرود بعيداً ، أستحضر نزار قباني ، سعيد عقل أتمتم كيف لا يبدعون ويتميزون وهم هنا كانوا يقيمون .
 يحيطهم الجمال من كل مكان ، كيف لا يتميزون وهم يقيمون فوق هذه الأرض، التي حملت التاريخ ، يخطر ببالي جبران بفلسفته العميقة،  كيف لا يكون حكيماً فيلسوفاً فناناً،  وهو هنا ولد وهنا تربى .
 ومع أول عبورنا لمنطقة الدامور  قال أبو نجيب :هنا لنا صديق سنمر للسلام عليه، وانحرفت المركبة إلى جهة اليمين ، دخلت طريقاً ترابياً، وما أن توقفنا  وهبطنا من المركبة حتى سمعت صوت البحر ينادني، إليه ركضت كما المجنون، بللتني بمائه، غسلت وجهي،إنجيليا وإنجي تتبعاني على مهل، وصلن وأنا أداعب الماء، أراقص الموج، أتغزل بالبحر و:اني  أداعب   وجنات  لونا  وأتغزل بعيونها  الساحرة  وأتعاطف مع الشاطئ ، أطالب البحر بهدنة مؤقتة مع الشاطئ حتى نتمكن من عقد المصالحة بينهما ، وكالعادة كلاهما يصر على موقفه ولا يتراجع أو يتنازل لخصمه .

عن محرر المقال

أيمن قدره دانيال

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية