-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

شِعْريَّةُ القَصيدَة/ قراءة ودراسة أدبية للدكتور حسان أحمد قمحية


يَسْعَى كلُّ شاعِرٍ إلى أنَّ يكونَ نصُّه الشعريّ متميِّزًا؛ ولكن، عليه أن يعلمَ أنَّ هذا النصَّ لن يكونَ كذلك ما لم يَنْطَوِ على جملةٍ من العناصِرِ التي تَواضعَ عليها النقَّادُ منذ فجرِ الدِّراسات التي اعتنت بهذا الجِنْس الأدبي الجميل؛ وقد اغتَنت هذه العناصِرُ يومًا بعدَ يوم في الأدب النَّقْديّ، وأخذت أشكالًا وتَسْمياتٍ ومُصْطلحاتٍ كثيرةً.

لكن، يمكن القولُ باختِصار: الشِّعْرُ ليسَ كلامًا مَوْزونًا ومُقفَّى وحَسْب؛ إنَّه شيءٌ آخر؛ فإِنْ هو لم يخترقْ حُجُبَ الواقِع، ويَرْتقي فـي مِعْراجِ الخَيال، ويُدهِش الأَسْماعَ، ويُلامِس عُمْقَ الشعور، فهو نظمٌ لا شعرَ فيه. وإذا لم يَعْرف تاريخُ الأدبُ شاعرًا أحاطَ شعرُه كلُّه بهذا الوَصْف، فإنَّ كثيرًا من الشعراء حلَّقت معظمُ قصائدِهم بهذا الـمُسْتَوى من التَّحْليق؛ وكلَّما كثرتْ تلك القصائدُ التي امتطتْ هذا الوَصْفَ أو حازت عليه، زادت شاعريَّةُ صاحِبها واقتربَ أكثرَ فأكثر من الشاعر الـمِثالي، والعَكْس بالعَكْس، إلى أن يبلغَ الأمرُ ببعض الشعراء أن يكونوا نظَّامِين، لا أكثر ولا أقلّ.

وقد جعلتُ حَديثي عن شعريَّةِ القصيدَة، دون الشاعِر، لأنَّ الشاعرَ لا يكتب بالمستوى نفسِه من الإِبْداع والجَمال دائمًا؛ فتجد أنَّ قصيدَةً تَرْتقي به إلى ذروةِ الشعريَّة، بينما قد تهبط به قصيدةٌ أخرى إلى مستوى النَّاظِم الصِّرْف؛ وقلَّ أن تجدَ شاعرًا كانت جميعُ أو معظمُ قصائده بمستوى رفيعٍ من الشعريَّة، حتى بالنسبة إلى فَطاحِلِ الشُّعَراء.

ومن العناصِر التي ترتقي بشعريَّة القصيدَة:

- بَراعَة الاستِهْلال: وهي أن يَأْتـي الشاعرُ بمطلعٍ لقَصيدتِه يُثير الدهشَة ويَلْفت الأَنْظار، فيَدْفع القارئ إلى الخَوْضِ فـي بقيَّة القصيدَة، كقول الشاعر الـمِهْجري حُسْني غُراب فـي رثاء نَسيب عريضَة:
الحَمْدُ لله لا هَمٌّ ولا وَصَبُ
نامَ العَليلُ وأَلْقى حِمْلَه التَّعَبُ
وفـي هذا البَيْتِ للشَّاعِر حُسْني غُراب، يَبْدو واضِحًا الانزياحُ الدَّلالـيّ فـي عِبارتِه «وأَلْقَى حِمْلَهُ التَّعَبُ»، فهيَ دَلالَةٌ غَيْر مَأْلوفَة بَلْ ومُبْتكَرة، ولكنَّها قويَّةُ الـمَعْنى، أدَّى فيها الخيالُ دورًا بارِزًا فـي تَأْديةِ الـمَقْصُود منه. ولو أنَّ الشاعرُ جَعَلَ «التَّعَب» بكَسْر العَيْنِ لأَضْعَفَ الصورَة الفنِّية كَثيرًا، وأفرغها مِن انزيَاحِها الجَميل.

- وهنا يأتـي دورُ عنصرٍ آخر من عناصرِ شعريَّةِ القصيدَة، وهو الانزياحُ اللغوي؛ وهو أمرٌ خِلافيّ بَعْضَ الشَّيْء، ما بين مُثْبتٍ ومُنْكر ومتردِّد. ومع أنَّ هذا الطَّرْحَ حَديثٌ نَوْعًا ما بصيغَتِه وتَعْريفه الرَّاهنَين، لكنَّه يُعِيدنا إلى الوَراء كَثيرًا، فـي محاولَة لكَشْف سرِّ بَعْض الصُّوَر الشِّعْرية التي لـم تَكُن البَلاغة التَّقْليديَّة هي سِرَّ جَمالها ورَوْنقها، وإنَّما ذلك الانزِياح الذي ربَّما لم تَرْصدُه عينُ النَّقْد القَديم بشكلٍ صَريح، مع أنَّه يُشْبه ما كان يُسمَّى العُدُول؛ وليُطْلِق مَنْ شاءَ على ذلك ما شاء، أَكانَ انزياحًا لغويًّا أو دَلاليًّا أم مُصْطَلحا آخر، لكنَّه هو أُسْلوبٌ مُبْتَكر قَد خَلَتْ من دونِه الأَسَاليب. وكما قلنا، فهـــو "يَنْدرِج ضِمْنَ مَبْحث الأُسْـــلوبيَّة، وهي القضيَّةُ التي تُعَدُّ مـــن أَهمِّ الأَرْكانِ التي قامَتْ عليها الأُسْــلوبيَّة، بـــل حتَّى عَدَّه نَفرٌ من أَهْلِ الاختِصـــاص كلَّ شَـــيءٍ فيها، وعرَّفوه فيما عَرَّفوه بأنَّه «عِلْمُ الانْزيَاحات».

وكَمْ يُلفَتُ انتِباهُنا مِن هذه الصُّورَةِ الرائعَة فـي مَدْحِ أبي تمَّام للخَليفَة الـمُعْتصِم عندما يَقول!:
بصُرْتَ بالرَّاحةِ الكُبرى فلمْ تَرَها
تُنالُ إلاَّ على جِسْرٍ منَ التَّعبِ

إنَّ غِنى الخَيَالِ عندَ الشَّاعِر هو الذي أَبْدعَ هذه الصُّورَةَ الشِّعريَّة. وبذلك، يَتأكَّدُ من جَديدِ دَوْرُه فـي صِياغَة التَّصْويرِ الفنِّي.

- والآن ننتقلُ إلى عنصرٍ جديد من عناصرِ شعريَّةِ القصيدَة، وهو الخَيال؛ والخَيالُ هو أَكْبرُ مُحرِّك وأَكْفَأ عُنْصرٍ فـي تَكْوينِ الصُّورةِ الشعريَّة؛ وكلَّما كانَ الخَيالُ قادِرًا على تَحْقيق عُنْصر الصَّدْمَة من حيث الوَقْعُ والتَّأْثير فـي القارئ، كان أقدرَ على التَّصْويرِ البَديع.

هذا، وقد يُعِيدُ بعضُ الشُّعَراء عبرَ العُصُورِ رَسْمَ صورٍ قَديمة بأُسْلوبٍ جَديد، فتضخُّ تلك الصِّياغاتُ الجَديدة لصورٍ قَديمة الروحَ فـي تلكَ الصُّوَر الغابِرة. ولكن، ليسَ كلُّ شاعرٍ قادِرًا على أَنْ يُحْيِي صُورةً شعريَّة قَديمة ويُلْبِسها لِباسًا قَشيبًا يَلْفت الأَنْظار. كما أنَّ كثرةَ تَجْديد الصُّوَر القَديمة بأَساليبَ جَديدةٍ قد يَجْعلها شَديدةَ الأُلفَة، وربَّما مـَمْجوجَة ومُنفِّرة. ويَبْقَى عُنْصرُ الإِبْداع للمُصوِّر أو الرَّاسِم الأوَّل الذي أَبْدعَ بخيالِه الخِصْب تلك الصُّورَة. وأَسُوقَ هنا تلك الصورةَ الجَميلة التي صاغَها جَميل بثَيْنة فـي بَيْتيه التَّاليين:
إنـِّي إليكِ، بما وَعدتِ، لناظرٌ
نَظرَ الفَقيرِ إلى الغنيِّ الـمُكْثرِ
ما أَنْتِ، والوَعْد الذي تَعْدِينني
إلاَّ كبَرقِ سَحابة ٍ لـم تُمْطرِ


فهذا التَّشْبيهُ لشَوْقِ الحَبيبِ إلى حَبِيبه بنَظْرة الفَقيرِ الـمُحْتاج إلى الغنيّ، ولذلك الانتِظار للقاء بانتِظارِ الغَيْثِ بَعْدَ البَرق، أَعْطيا صُورةً جَميلة مُبْتكَرة، ساقَها الخيالُ إلى تَعْبير الشَّاعر. وقد تكرَّرت هذه الصورةُ فـيما بَعْد، ولكنها بَقيتْ هي الرَّاسِخَة فـي ضَميرِ الشِّعْر قوَّةً وابتكارًا وجَمالًا.

- ومن عناصرِ شعريَّةِ القصيدة جماليَّةُ الـمَقطَع، وهو البيتُ الأخير فيها؛ فقد يُضْفِي البيتُ الأخير من بعض القصائد هالةً من الجمال وحالةً من التميُّز يَنعكِسان على سائر القصيدة، فيُعْطِيانها دفعةً من الشعريَّة يبقى صَداها فـي أذنِ القارئ أو السَّامِع يتردَّد إلى أَمدٍ معيَّن؛ ففي قصيدةٍ للشاعر الـمِهجري نَصْر سمعان يختتم أبياتها بقوله:
جُدْ يا زمانـي بالـمصـائبِ مُغْدِقًا
فلَعلَّنا من فَرْطِها نَتَوحَّدُ
فلعلَّ أَحْمدَ عادَ وهو مَسيحُنا
ولعلَّ عيسَى عادَ وهو مُحمَّدُ

إنَّ البيتَ الأخير من القصيدة اتى بدرَّةٍ لا تَعْدلها درَّةٌ فـي سائر أبياتها، ويكادُ أن يكونَ - بحدِّ ذاته - نُتْفةً من الشَّوارد فـي الأدبِ والشِّعْر.

- والتخلُّصُ هو عنصرٌ من عَناصِر شعريَّة القصيدة، وهو أن يَخْرجَ الشاعرُ من مَعْنى إلى مَعْنى، ثمَّ يَعُودُ إلى الـمَعْنى الأوَّل ويَأْخذ فـي غيره، ثمَّ يَرْجع إلى ما كانَ فيه من دون أن يلفتَ انتباهَ القارِئ إلى هذا التَّنَقُّل، أي أنَّه يحافِظُ على وحدةِ القصيدَة وانسجامِها. وهنا يُشار إلى أنَّ بعضَ الشُّعَراء لا يُتْقِنون هذا الفنَّ، فيَنْتقلون من مَعْنى إلى آخر بطريقةٍ حادَّة أو جافَّة، ومَمْجُوجَة أَحْيانًا، ويُكْثِرون من الالتِفات الـمُخلّ، فيَنزِلُون بالقَصيدَةِ إلى مستوى ناقِض من الشِّعريَّة والقُدْرة على الـمُتابَعة بالزَّخْم نَفْسِه، وهذا ما يدلُّ على ضَعْفِ الشَّاعِر أو تَكلُّفه.

هذه بعضُ العناصِر التي تزيدُ فـي شِعْريَّةِ القصيدَة، وتُعْطيها من الزخمِ الفنِّي ما يرتفع بها إلى مقامٍ عالٍ من الجَمال والتميُّز. وهناك عناصِرُ أخرى مألوفة، وهي - إن جاءت عفوَ الخاطِر - تزيدَ القصيدةً جمالاً، مثل عناصِر الإيقاع الدَّاخلي كالتَّصْريع والتَّرصيع (أو النَّسَق النحوي) والجِناس والطِّباق وردّ العجز على الصَّدْر؛ وأَسوقُ هنا مِثالًا عن جماليَّة الجِناس العفوي الذي أعطي الـمَطْلع وقعًا لا تخطِئه أذنُ القارئ:
يَقولُ شَمْسُ الدِّين الكُوفـي:
إِنْ لَـمْ تُقَرِّحْ أدْمُعِي أَجْفَانـي
مِنْ بَعْدِ بُعدِكم فَمَا أَجْفانـي
إِنْسَانُ عَيْني مُذْ تَناءَتْ دَارُكُمْ
ما راقَهُ نَظَرٌ إلى إِنْسَانِ

يُلاحَظُ الجِناسُ التَّام فـي البَيْتِ الأوَّل بَيْنَ «أَجْفَانـي» الأُولـى و «أَجْفانـي» الثَّانية؛ فالأُولـى تَدلُّ على أَجْفانِ العَيْن والثَّانية تُشِير إلى الجَفاء؛ وفـي البَيْتِ الثاني تُشِير «إِنْسانُ» الأولى إلى بُؤْبُؤ العَيْن، والثَّانيَة إلى «الإِنْسانِ» نَفْسِه، وهذا الجناسُ التَّام هنا مع تلك الأَحْرف الهامِسَة والخَفيفة أَعْطى مُوسيقَى داخليَّة صارِخَة لهذا البَيْتِ الجَميل. أمَّا الجِناسُ الناقِص فيُلاحَظ فـي البَيْتِ الأوَّل بينَ «بَعْد» و «بُعدكم».

د. حسَّان أحمد قمحيَّة
الـمَصْدر: مُقْتَطفات من:
الشاعر الـمِهجري حُسْني رَشيد غراب - حياتُه وشِعْره؛ دراسة: د. حسَّان أحمد قمحيَّة
عتبات النصّ فـي ديوان الشاعر الـمِهجري نَصْر سَمعان؛ دراسة: د. حسَّان أحمد قمحيَّة

عن محرر المقال

أيمن قدره دانيال

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية