ظاء و ضاد
فاكتملت بهم .. بقلم / نداء مبارك
خُلقنا بلا حول منا ولا قوة، ينادونا باسماء لم نختارها، نلبي النداء خوفاً وطاعةً، او مجرد ردة فعل ألفناها؛ تغذينا على افكار جاهزة، وتوجُّهات مذهبية لم نفهم ماهيتها او فلسفتها، قد تكون خاطئة وقد تكون صحيحة، استناداً الى توجهات وثقافات ذوينا او معلمينا، ولا قدرة لنا على التمييز بينها في اغلب الاحيان:(...إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون)، عوقبنا نفسياً، وكل ذنبنا هو التحرك وفقاً لرغباتنا البريئة، او دوافعنا الانسانية!
لم انسى نظراتها التي رمقتني بها، وتوبيخها لي، وكإن فعلتي هزت عرش الشرف والاخلاق! لم انس ارتعادة فرائصي خوفاً ورعباً، هذا فقط لانني وثّقْتُ مذكراتي! يوميات ساذجة لتلميذة في مراحلها الابتدائية، لاتتعدى اكثر من علاقاتها برفيقاتها والمعلمات، انتفضت امي كثيراً عندما وصلها خبر دفتر مذكراتي!!
وفي اخرى: وددت ان اظهر بمظهر الطالبة الجامعية بعد ان ودعت مرحلة الطفولة والمراهقة، وأن اقرر مصيري بنفسي باللمم من الامور! فكانت ردة الفعل مشابهة للاولى.. موقف، واخر، واخر، خلقوا منا شخصيات خائفة، مترددة، ضعيفة، عقد نفسية تملكتنا، مزقت وعينا، اثرت على مسار حياتنا.. ومن السذاجة يقول زيد او عمر اننا احراراً، او نختار بمحض ارادتنا التي امست معاقة! او اننا نفكر او نتذكر..
ان الست سنوات الاولى من عمر الانسان هي الاساس في بناء شخصيته، وفيها يكتسب الكثير من افعال القائمين على تربيته، مقالي هذا يأتي من تجربتي بالحياة، وخبرات متراكمة اكتسبتها خلال محطات حياتي المتنوعة والمتناقضة ربما، ومع اني حققت الكثير من طموحاتي واهدافي، ولكن تبعات التربية قد القت بظلالها على تكوين شخصيتنا، وتصارعنا مع الحياة، مما ترك فينا ذلك اثاراً جانبية اثرت سلباً في تربيتنا لاولادنا في الكثير من الاحيان.
فالعقد النفسية اخطر آفة ممكن ان تواجه الانسان، بل يعتبرها البعض اعاقة حقيقية مدى الحياة؛ احداهم تنصح فتاة مقبلة على الزواج حديثاً "احذري على ابنك من العُقد النفسيَّة" بل البعض يذهب الى ان نشوء الصبي أنانيًّا أو بخيلاً أو طماعًا، خيراً من ان ينشأ معقَّداً...
في مجتمعاتنا لا يسلم احداً من عقداً نفسية(لكن بنسب مختلفة)خاصةً ونحن نعيش مجتمعاً استهلاكياً، متناقضا، كما تجد ان اغلبنا يحاول شد العزم ليواجه عقده، وبعد فترة تضعف عزيمته ويعود للخلف، لانه ينسى اسباب وتفاصيل نشوء العقدة، كما ان العقد النفسية تضعنا تحت نوع جبري من التصرف دون ان ندرك ذلك او نتذكر ! انها معركة شرسة من الداخل رغم الهدوء الذي يعترينا من الخارج.
هناك الكثير من العقد النفسية ولكل عقدة اسبابها، ونحن هنا بصدد عقدة(الشعور بالنقص)فقد وصف احدهم أسلوب مواجهة النقص: بأنه "أسلوب الحياة"واعتبر أن كل إنسان يولد معه الشعور بالنقص، وتبدأ حالما يبدأ الطفل بفهم وجود الناس الآخرين والذين لديهم قدرة أفضل منه للعناية بأنفسهم،مما يعطيه قوة دافعة لتطوير قدراته.
عكس من يستسلم لعقدته فيصاب بعقدة اكبر وهي (عقدة الدونية)وهذا يفسر تاييد كثير من الناس للطغاة من الحكام، رغم علمهم ان هذا الطاغية قد صادر حرياتهم وسرق اموالهم وقوتهم،وقد تصل الى درجة تقديس حذائهم ! فهذه الاعلامية: احضرت معها في مقابلة متلفزة حذاءاً، وراحت تقبله وتمجده، نسيت انها تهين شخصها و تاريخها المهني.
فعلى القائمين على تربية الطفل، الفصل بين عقابه لكونه ارتكب عملا خاطئاً، وبين عقابه لكونهم في حالة مزاج سيئة، وتجَنٰب معاملته بقسوة والابتعاد عن الإهانة والتأنيب والتوبيخ، او اجباره على عمل ما دون قناعته، ودون فهم الغرض منه، لان ذلك يؤدي الى فقدان ثقته بنفسه وينشأ جباناً ومتردداً او قد يكون خجلاً من اي تصرف، او أي شيء يفكر القيام به وان كان صحيحاً، والنتيجة هو تعرضه للمعاناة النفسية، والتي قد تشعره بالالم، وهنا تتكون العقد النفسية.
علينا نزع انفسنا من القالب الذي قولبنا عليه وتربينا، لان مسؤوليتنا كبيرة في عكس تربيتنا على بناء شخصية اولادنا، وتعليمهم على اتخاذ القرار بانفسهم، وبناء شخصية منفردة خالية من العقد النفسية، واذا اضطررنا على اجبارهم، علينا توضيح الاسباب الموجبة والدواعي، لنعوض عما فاتنا وأفتقدناه، وابعادهم عن التخبط الذي عانيناه، بسبب الاختلاف الكبير بين ما تربينا عليه وبين ما اريده انا وما يريده هو وما يريده الاخرون.
مسك الختام: نظراً لوجهة نظر ذوينا في طريقة تربيتنا (ونستميح لهم العذر لاننا كُثر)، وايصالهم لنا باعلى المراتب من العلم والشرف والاخلاق (مصحوبة بمجموعة من العقد النفسية)! هذا خلق لدي الكثير من الاصرار والحزم وقوة الارادة لعبور ما امكن عبوره وتجاوزه في تربيتي لاولادي، فرسمت لهم خارطة طريق بالخطوط العريضة، فتعلمت منهم التفاصيل..وكنت اشعر بالنقص، فاكتملت بهم...
