جدلية الفهم الإصلاحي ، وفلسفة التغيير .. بقلم / سعد الساعدي
حين يأخذ الصراع بين الفكرة والنظرية ، شكلاً متقن الفن لأية ظاهرة ، مهما كان تصنيفها ، ومقوماتها فانه ينطلق من ركائز متنوعة الاشكال والصنوف حسب الظرف الذاتي ، أو الموضوعي لتشكيل فلسفة خاصة لها صبغتها ؛ بالاتجاه الذي تريده الذات تارة ، وتارة اخرى مع واقع الحياة اليومية نحو هدف محدد ، أو مشروع يهدف للبناء ؛ بناء الإنسان والمجتمع ، والقيم الحضارية الطامحة لولادة سعادة، وبهجة ، وفرحة تبعد الكائن البشري عن السير في طريق مظلمة نحو أمل منشود ، او ترقّب يطول
مداه ، او يقصر .
فالمجتمع ، والطبيعة ، وكلّ الكائنات الحية الأخرى محكومة بقوانينها الخاصة ؛ ومن قوانين الانسان والانسان ما يقع ضمن مجالات الحوار و تبادل أطراف الحديث بالإقناع أو بدونه . هذا ليس جديداً على النظام البشري المجتمعي عموماً منذ عصر افلاطون ، وربما قبله ايضاً الى يومنا هذا إنطلاقاً من أي واقع ؛ الى ما تفرزه من ثمرات مساعيها ، وهي – بالتأكيد – لا تطمح لسوءٍ ، أو شرٍّ .
ونظراً للتعقيدات الكثيرة التي تصاحب مفهوم
" الجدلية " خاصة ، حسب آراء الفلاسفة وأتباعهم ، أو من يعارضهم ، نقف ببطء وهدوء عند مفهوم
( الجدل المقنع ) لفهم الإصلاح بشكله العام بدون كلّ المتناقضات وإشكالياتها ، ونحدد هذا الفهم
– بشكل مختصر – بما نحتاجه نحن البشر ؛ لأننا نعيش على هذه الارض التي ليس لنا سواها ، ولابد من تسخير خيراتها لمنفعتنا جميعاً ؛ اي البشرية بكل أطيافها بعيداً عن الافكار المتصارعة بكل عناوينها وفق المنطق الملتزم غير المتزمت تحت أسس العلم وعقلانية طبيعة الحياة ومتغيراتها .
لا يُعدّ الإصلاح مفهوماً ترفيهياً بقدر معوقاته الكثيرة، وما عاناه و يعانيه المصلحون ، وأهمها التضحيات باغلى الأشياء من أجله ، كالموت من أجل الحرية و الشهادة والاستبسال دفاعاً عن المبادىء ، لأن هذا الدفاع هو إصلاح فردي ، وجماعي من أجل الخلاص إما من عدو يسعى للتخريب والدمار ، او ينتهك كل الحرمات الانسانية ، وصفحات التاريخ مليئة بتلك الصور وأسماء المصلحين الذين اتّفق التاريخ على قيادتهم لعمليات الإصلاح التغييري فلا حاجة للتكرار.
وبالقدر الذي يكون عليه المصلحون ؛ مهما كانت نزعاتهم ، ومذاهبهم الفكرية من أجل افكارهم ، وقيمها التي هي عندهم سامية ، لانهم قوة التغيير الحقيقي الاّ ما جاء به المتطرفون من قيم بالية وقالوا عنه أنه دستور للاصلاح كالذي قال منهم :
ان على المسلمين إعادة الشهادتين لأنهم ارتدوا حين لم يقتلوا حكامهم وانهم في عصر من جاهلية ثانية ؛ لأن الحاكم كفر ، والانسان كفر وفق ( مفهوم الحاكمية والجاهلية ) ، ومن ثم التأسيس على ذلك لاحقاً كي يستباح الدم البريء ، ويحصل ما نراه اليوم من ويلات الارهاب ، ودماره ، ويحسب أصحابها أنهم هم المصلحون الصلحاء ، وغيرهم ألَدّ الاعداء .
إن أي نمط إصلاحي لا يسعى الى التغيير وفق العقل ، والبرهان لا يمكن تسميته إصلاحا قط . والاصلاح يقف مباشرة بلا تردد امام الفساد ، والانحطاط ، والتردي ، وخيانة المباديء الانسانية . فنجده حين ينبعث من النفس البشرية قوة تحارب تلك النفس المخادعة لتنتصر عليها . وحين يتصدى كمجموعة هازّة بعنفوانها ، وموجات تيارها العارم امام مجتمع منحرف ، وسلطة غاشمة من أجل ترسيخ الحق والعدالة ، وأيضاً ً ضد الدكتاتوريات البغيضة ، والرأسمالية الظالمة ، والاقطاعية المستعبِدة ، وكل أصناف الظلم ؛ فهو الثورة ، والبركان ، والصوت المدوي من أجل الخير ، وشيوع الأمن وتلاشي الويلات والحرمان .
الإصلاح العام : هو إنساني قبل ان يكون بيئي ضيق كسراب مخادع . لم يتردد الفلاسفة الثائرون بفكرهم من اجل حياة سعيدة ، ولم يتردد كل القادة الثوريين، ولم يُرهِب الجميع اي عنوان للخوف في سبيل الهدف المنشود وهو الإصلاح . ورغم عدم صمود الأفكار الحرة طويلاً في بعض الأحيان امام السلطات السياسية الغاشمة التي تتبنّى فكراً مغلوطاً ، أو هي أصلاً تسعى لذاتها بعيداً عن شعوبها ومصالحهم، لكن عنوان الحرية هو الجوهر الباقي ، والمحرك الفاعل ضمن العنوان العام على مرّ الزمن .
مجتمعاتنا العربية قد تكون أكثر مَن عانى مِن الحرمان ، لأنها تمتلك ثروات طائلة ، بشرية ، ومادية منذ سطوع الحضارة العربية الاسلامية ، ولحد الآن ؛ لانها واقعة بين مركزين مهمين من القوة ، وهما :
سلطة الدولة ، وسلطة أصحاب الفكر الديني اللاعقلاني ، اي الفكر الأسود من تأويلات المتدينين بعيداً عن قيم السماء الراقية ، وأخلاق الفضيلة السامية التي نهجتها كلّ الأديان عبر عصور شتّى ، وتلونت بها .
فتارة نجد القضاء والقدر يلعب دوراً ، والانتماء القبلي الموافق للسلطة الحاكمة يلعب دوراً خر حفاظاً على المصالح الفاسدة ، وكان سبباً مهماً في سقوط كثير من الدول التي أوهمت رعاياها بأنها المُصلِحة والمخلّصة ، في حين كانت هي من أعتى دول الفساد التي سجلها التاريخ عبر مسيرته .
ووفق كل الرؤى فإن المتضرر دائماً هو المجتمع ، سواء اتّحدت السلطات ، أم أختلفت . ففي الأولى يُظلم ويُهضم ، وفي الثانية تستباح كلّ حرماته ويُسال دمه ؛ اذن هو الضحية والمغلوب الخاسر في كل المعارك والصراعات . ومن هنا ياتي تخطيط المصلحين لانقاذ ما يمكن انقاذه وفق برامجهم الساعية لخلاص المجتمع من ظلم إجرامي . تبدأ خطط التغيير بما تحمله من معاناة لعلها تجد النور ، أو من يساعدها في إضاءة الطريق .
لقد استفاد المجتمع الغربي من التطورات الحاصلة ، والمتسارعة في كلّ المجالات وتحوّل الى النجاح بعد حروب دامية ، وظلام طويل . الفكر السياسي كان الأكثر تأثّراً في تقويم المنعطفات التاريخية ؛ فصنع قانوناً يحمي الحياة ، أي انّ الاصلاح غيّر مسيرة مجتمعات نحو الرقي والرفاهية ، والتقدم . امّا نحن العرب ما زلنا نبكي على الأطلال ، والديار الدارسة ؛ لعلنا نسمع أنين أحد الموتى ، أو نلقي عليه التحية والسلام .
أين تكمن مشكلة الإصلاح ؟ ولماذا يتعثّر ، أو يُباد من يسعى لذلك ؟ هل ان الشعوب لا تحب الاصلاح ولا تسعى للتغيير؟
مشكلتنا قد يكون جزء منها المجتمع والسلطة الحاكمة ؛ لكن أهمها انفسنا نحن عندما نخذل المصلحين . وهل هناك مصلح لا يمكن معرفة خطّه ، ومبادئه ، واهدافه ؟ بالتأكيد لا .. والمشكلة الأخرى حينما لا يمكن تحديد الأهداف والغايات ؛ فالجامعات لا تعرف اهدافها يقيناً ، والى ماذا تسعى ؛ هل تخرّج طلبة من كلياتها فقط ، ام تعُدّهم ليكونوا قادة مجتمع يحملون مشعل العلم مع مشعل الحرية من أجل تغيير مستمر نحو الأفضل في مسيرة الحياة ؟ حتى الادباء حين يُسألون عن كتاباتهم ، وأشعارهم ، ورواياتهم ؛ ما الغاية منها مع النمط الإنساني العام، والمجتمعي الخاص ، والى اين ستنتهي ؟ لا يعرف كثير منهم سوى انه يهوى الشعر ويكتب ، أو يسعى لانْ يكون نجماً في مجتمع متخلف في كثير من مستوياته وأنماطه وسلوكه اليومي ، أو هي نفثات يخرجها من روحه على ورقة صمّاء احياناً ؛ لذلك آثروا البقاء في منازلهم بعيداً عن صخب السياسة ، وفوضى التناقضات ، وبعضهم لا همّ له الا ان يتربع في برج عاجيّ ؛ في حين هناك من اكلت الزنزانات الموحشة جلودهم ، وأعمت ظلمتها أبصارها ؛ فأين هذا الاين منهم ؟
الحياة بحاجة مستمرة إلى فلسفة اصلاحية يقودها مفكرون ، وليس رجالا يستجْدُون أمام أبواب الحكام . النخبة موجودة في كلّ زمان ومكان ، ولابد لهم ان يتحركوا بكل وسائلهلم بعد ان تطورت وسائل الاتصال ، وانعم الله بها على البشرية كحدٍ ادنى من وهج نور العلم والحرية والثورة على الذات اولاً ، وعلى الفاسدين دائماً ، وهذا هو جوهر مهم من جواهر التغيير . من هنا يكون المنطلق نحو التغيير ؛ فلم تعد المثاليات صالحة ، ولا يمكن للخفافيش ان تصنع نظرية تقود الحياة والشّمس لم تغب بعد .
هل نحن بحاجة إلى نبي جديد يخاطبنا ، ومنذ قرون طويلة ذهبت المعجزات مع الانبياء ؟ لقد تركوا لنا قيمهم السامية ، وأخلاقهم العالية لكي نتعلم ان لا نبقى مظلومين نندب حظّنا كلّ صباح .
نعم لقد حدثت فجوة كبيرة بين العلم والحضارة والتطور ، وانساننا المعاصر ؛ تخلفت مجتمعاتنا قرون طويلة ، وجمدت في مكانها تنظر الى الغد بعيون مغمضة بلا استعداد ، وبلا زاد ؛ اصابها الخمول ، والذهول من صدمة جهلها ، وافكارها المتخاذلة ؛ لماذا ؟ لأنها لا تملك اسلوب الفكر النيّر ، وفلسفة التحليل ، ولأنها تعلمت ان يلقّنها الاشخاص كما لو انّها في ديوان ( الكتاتيب ) أو ما يُسمّى مدرسة
( الملا ) تتلقن ، وتنفذ كالانسان الآلي ؛ وربما الآلي أفضل ، وأحسن لانه اليوم يصنع حضارة الحياة التي معها ازدهرت حتى الثقافة ، وتغيرت أنماط معيشة مليارات البشر .
ما زال المجتمع بحاجة الى تربية فوقية صارمة غير مترهّلة ؛ لا تديرها دوائر حكومية او مؤسسات نفعية . من هنا تتكرر الحاجة لدور اصلاحي ، ورجال مصلحين ، واذا ظهروا تكشفهم مؤهلاتهم امام الملأ في اي ساحة ، وهل هناك من لا يعرف مؤهلاتهم ؟ وعنوان الإصلاح باقٍ لا يتغيّر أبداً ؛ لأنه النواة الحقيقية للتغيير ومحاربة الفاسدين .
