-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

الف أنثى.. للشاعر عمر الخفاجي ... قراءة نقدية للأديبة /نجاح إبراهيم

بمحبة عالية كتبت مقدمة ديوان (ألف أنثى) للشاعر الشاب المبدع عمر الخفاجي،الصادر في دمشق عن دار كيوان.
     
                                            كلماتٌ قليلة

                                           توحي بمدىً من المعنى
                                                             
ألفُ أنثى..
وقفتُ مَلياً أمام العنوان، وفي القلب رغبة لكتابة مقدمة ، وبين الأصابع حبرٌ يتشاوقُ ليهرق ماء قلبه على البياض.
فأردتني ابتكار لغة مصوغة من ضوء ودهشة تليق بأنثى الكائنات.
رحت أقرأ الومضات ، في كلّ مرة أجدها تتوالد ،فأرجئ الكتابة إلى حين، أنتظرها لتخفف من لمعانها قليلاً كي أبدأ ، لكنها بدت كما مياه تندفع بتفاوحها الأزرق، لينبت سؤال: كيف لا ينضب نصٌّ؟
وأظنُّ أدونيس قد تساءله من قبل حين قال:" ما معنى أنّ نصّاً لا يموت؟!
في "ألف أنثى.."
ديوان الشّاعر "عمر الخفاجي" الأول، يقف المتلقي حائراً أمام العنوان ، أكمات تقف خلفه:
لمَ أنثاه متعددة ؟!
لم تبدو رافلة بألفٍ من مثيلاتها ؟ تغنّي تارة ، تفيض وجداً وبهاءً ، وصهيلاً وعشباً،  تشعُّ بأقمصة المواسم الشهية ، كلّ قميص يخبّئ تحته خمراً وأعناباً ولبناً وعسلاً، وتارة أخرى تكون فيوضاً من ماء ، بحراً يغرقُ فيه ، يقف أمام الأزرق الفتان، عيياً ينسى على عجالة قواعد السّباحة:
" تعلمتُ السّباحة
في كلّ شيء إلاّ بكِ
غرقتُ."
بأيّ أنثى من الأناثي الألف قد غرقَ؟
وهل مرّ بألف أنثى وبقيت واحدة على غرار ألف ليلة وليلة ، أم ألف أنثى مختبئة داخل عباءة القصيدة؟
لم يمض وقتٌ طويلٌ أمام تساؤلي، فقد قبضتُ على الجواب من خلال مسام ومضاته التي انسربت من وجدانه:" كلُّ خيالاتنا أنثى."
إذاً..
ألف أنثى لا تخصُّ معشرَ النساء فحسب، وإنما تشمل أنوثة كلّ الكائنات والأشياء، فالخيال جامحٌ في مسيرة  شاعر له ما له من فضاءات .
ذات ومضة يقول فيها:
ينتابني شعورٌ أنَّ الليلَ أنثى
لذلك نعشقُ السّهرَ."
ألف ليلة قد لا تفي بالسّهر أيها الشاعر! فالجنونُ المبدع الرامح يحتاجُ حياةً برمّتها، ألستَ القائل :
" الحياة أنثى
ارتدت كلّ جنونها
لنعبثَ بها."
هذا من حيث العنوان، أما من حيث ما حملت الومضات من برق فتونها ، فإنها بدت رافلة بلحظات شعورية غنيّة ، أوسع بكثير من مفرداتها، إذ احتضنت بذرة الفكرة الوحيدة لتشي بحقلٍ من الدّلالات والايحاءات والقراءات ، وهذا ما دلّ على ثقافة الشاعر ومداركه المعرفية وتجاربه، وفهمه للحياة، إذ تقوم على موقف منها فتأتي نتيجة علاقةٍ بين الشّعر وبينها.
ومضاته ...لا تعرفُ المشيَ، أو التباطؤَ في المثولِ، وإن ثقلتْ مما حملتْ من دلالاتٍ متوالدة ، عن تكثيف واضحٍ ، لقد اجتازت الفضاء رقصاً، حيث تمايل خصرها لترتبكَ الأصابعُ أمام الحركات السريعة:
" ترتبكُ الأصابعُ
حولَ خصرِ قصيدتي
فتشلّ أحرف الكلمات."
تكثيفٌ دلاليٌّ وفنيٌّ لافتٌ ، يحثُّ ذاكرة القارئِ المعرفية والقرائية كي تمكنه من الإحاطة بهذا الكمّ من الايحاءات والرّموز المخبوءة في إطار رسم الكلمات ، والتي تفيضُ وتتفجر كلما قاربها بالقراءة المتجدّدة ليعيشَ الدّهشة في كنفِ تفاعله مع النصّ:
" خبأتكِ عطراً
فاشتعلتِ بقميصي."
كم تختزلُ هاتان العبارتان من بوحٍ نبيل؟!
بوح جاء كالبرق، كالعطر، وهذا ديدن قصيدة الومضة الرّافلة بجماليةٍ ومتعة، والتي تنطوي على برقٍ خاص ، أي تعتمد على عنصر الإضاءة السريعة، فتجعل القارئ مبهوراً أمام قصيدة أتت بسرعة ، اخترقته لتزلزله، فهو ليس أمام قصيدة اعتادها، من الطولِ والرويّ والقافية والرتم والمقدمة ، هذا الجنس يأتي بعجالةٍ توائمُ واقعَ حالٍ نعيشه، وإنْ كنّا قد لمسنا ما يسمى بالتوقيعات في التراث الأدبي.
الشاعر " الخفاجي" أراد أن يعطي ما يتفجر في داخله من حالة وجدانية تميس في أعماقه شعراً ، فصبها كومضة تناسب انتماءاته لعصر متسارع الأحداث، له ما له من تغييراتٍ تمرّ أمام عينيه مرّ السّحاب حين تدفعه ريحٌ شديدة.
لهذا فإننا نقبضُ في ومضاته على كميةٍ من الدّلالات دفعة واحدة، ضمن قصيدة قليلة المفردات بإطارها الضيق ، متكئاً على التكثيف و الرّمز، وهذا ما يؤكد قدرته اللغوية وقوّتها:
" وَكَأنني
أبدو كالعراق مقسّماً
أتظاهرُ الخيرَ
والموتُ يأكلني."
كيف لشاعر أن يحتمل كلَّ هذا الاختزال لألم له من العمر أعماراً متجذرة في تربة الوجعِ والحزنِ؟ لقد تميّزت ومضة " الخفاجي" بجملها القصيرة وتكثيفها اللغوي الباهر ، بيد أن معناها الدلالي كما أسلفت كبير جدّاً ، وهذا ما يدهش إذ إن هذه هي التجربة الأولى للشاعر ، والتي تمخّضت عن موهبةٍ واهجة ولغة عالية ، مما جعل الومضة مترفة بالنضوج، كأنَّ موسماً تخطّى الرّبيع ليأتي مكتظاً بالسّنابل!
" شفتان وطعم خدّك
تكفيان
ليسكر الثقلان."
ومضة التُقِطت لأنثاه بما قلَّ من الكلمات، لتعجزَ عنه حناجر عن البوح لأنثى جميلة ليست كغيرها، لهذا استحقت هذه الملفوظات كي تفتحَ أفقاً من الايحاءات الخصبة ، تتخلق من ذاتِها في حركةٍ تشبهُ دوائر الماء المتعاقبة التي تتفتح كزهرة اللوتس حين رمي حصاة صغيرة .
حركة دؤوبة شغوفة ، ناضحة مع كلِّ قراءة جديدة، مؤرّثة الدّال والمدلول، فمن  يقبضُ على مفاتيح متعدّدة تخوله ولوجاً إلى النصّ الرّاقص، الوامض؟!
" كلُّ السّكرِ حرامٌ
إلا بك."
ما يبهر أنَّ الومضة بشكلٍ عام تسعى للتفرد بخصائصها، وكذلك الشاعر " الخفاجي" يحاول حثيثاً أن يكون متفرداً في سكب فكرته الوجدانية في نغمٍ ملوّن، يخلق تعبيراً مكثفاً ، فاغماً .ليس هذا فقط ، وإنما تاتي الومضة منسكبة باكتمال معناها ، مصحوبة بصورةٍ مدهشة ولغة عالية ، متوهجة ، موظفة لتراثٍ ديني بتقنية فنية ، مالكةً قدراتٍ تعبيرية ثرّة.
" لو رأوا ما رأيتُ
لعذروا اللواتي قطعن أيديهن"
لا يخفى على  القارئ سرّ هذا التوظيف، حتى يدرك مقدرة الشاعر على الادهاش في استخدامه لغة رافلة، وثقافة،  وتمكّنهِ من الاقتصاد في تكوين بنية نصّه من أدوات تعبيرية لخصتْ لحظته الشعورية :
" اقتلي الشوقَ بداخلي
فما زلتُ أقبّلُ الأضرحة
علّي أراكِ بوجهِ أحّدهم."
من خلال هذه الصور نجدُ الشاعرَ قد قدّم فكرة عشقه المقدّس ، حيث اتكأ على حقولٍ دلالية متعدّدة أهمها : المكان / الحب/ المقدس/ الزّمان.. مما يجعلنا ندخل عوالمه لنعيشَ انفعالاته ، وموقفه ورؤيته ومن ثم لغتهِ. فصورته متفرّدة ، تأتي محلقة ، يرافقها نفسٌ ومضيٌّ ،خاطفٌ ، يمجّدُ المرأة، بيد أنه في كلّ أحواله يكون عاشقاً ومستظلاً بفيئها ، راكضاً كما الغيم خلف ابتسامتها ورقتها وبرقها، راسماً بدقّة مكانتها التي تليقُ بها ، فيراها شمساً ينتشرُ ضوؤها على الأفلاك، لتبقى ألف أنثى.
                                                  
                                                     

عن محرر المقال

Unknown

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية