-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

اغتيال الحُلم .. بقلم / سعاد محمد الناصر

اغتيال الحُلم .. بقلم / سعاد محمد الناصر

دخلت دائرة النور كالفراشةِ الضريرة كان كتابها صديقها المفضل مُتعطشة للمعرفة كأسفنجه صغيرة جافة , وجدت نفسها في محيط فراحت تتفتح مسامها لترتوي وترتوي , وعندما ترتوي تُعطي ما أعطت , كانت تبين أنها كل يوم أفضل من أجل الثقة التي منحها إياها الجمهور ومسؤولية مخاطبة الجمهور ...اختارت التلفزيون لأنها شعرت أن هذا المكان مكانها خُلقت له ورفضت أي عملٍ سواه ... ألحت على زميلها بالذهاب معه إلى المواقع الأمامية لجبهة القتال في الموصل من أجل التصوير وتسجيل برنامج ورغم السعال الذي ينتابه, سعال خشن تنتفض منه الضلوع أصرّ على الذهاب , أمهُ كانت شديدة الخوف عليه . - كُن صلباً يا ولدي مكافحاً وخذ الدواء معك , كُن كأبيك , كان عظيماً حقاً . - أمي وأين أنا منهُ ؟ - ولدي لتكونن مثله إن شئت لا تغيب عني شمس أبيك مادمتَ مُشرقاً أمامي ! وتعانقا معاً في صمتٍ جيّاش .. - أمي الحياة لا تطلب منّا علم الكتب , وشهادات المعاهد وإنما تطلب منّا القلب الجسور والساعد الأشّد نحنُ أحوج ما نكون لرسم الانتصارات يا أمي لا بد أن يكون لكل منّا هدف يقصد به مصلحة الوطن ,وخطة مرسومة لبلوغ ذلك الهدف . وحين وصولهم وقفوا على ضفة نهر دجله بنخيلها وجناتها وأشجارها الباسقة , والسماء ورد ذهبي , قصور شاهقة على الجانب الآخر تنبئ بالغنى الفاحش , وبعضها يُنبئ بذوقٍ سليم , وهي إلى جانب بعضها البعض متماسكة كأنها تتدلى وتتناجى .. قالت سارة : نحن كل يوم نزداد اعتزازا ببلادنا وشعوراً بمركزها النادر الذي لا مثيل له فعلى الآباء والأمهات أن يأخذوا أطفالهم منذ نعومة أظفارهم ويطلعوهم على روائع بلادهم ...وليقولوا لهم أن يعتزوا بهذه البلاد وأن يحبوها حباً خالصاً مطلقاً قوياً لا حد له , بكل عيوبها وحسناتها وبكل ما فيها من شقاء وهناء , أن يحبوها محبة الابن لأمه لا يفكر هل هي قبيحة أو جميله ... باستمتاعهم بتلك المناظر شعروا أنهم أغنياء العالم . قالت : كنت أتمنى أن المتحف لا يزال باقياً ولم يحطمه الأشرار الغرباء ذلك المجد الغابر الناطق في المسلات الرشيقة وفي تماثيل الملوك والأرباب لكنّا قد انتشينا بخمر الماضي وثملنا من رائحة التأريخ المجيد التي تُسكر الجوارح فأن من كانت هذه أرضهم وهذه سماؤهم حقاً من أحباب الله ! رؤوسٌ خطيرة دبّرت لذلك الشغب الخطير ! شعروا أنهم قادمون على زيارة عظيمه تستلزم الصمت والترقب ,وما أن تجمع الجنود حتى أحسوا أن الشاب عندما يكون جندياً مقاتلاً أنه ينتقل من درجه بعيدة عن الإنسانية إلى درجة إنسان , فيعرف كيف يأكل وكيف يعيش, وكيف ينام وكيف يعمل , وكيف يصبح عضواً عاملاً في المجتمع الإنساني فهذه الروح الخائرة يجب أن نقاومها, يجب أن تغرس كل أم في قلب ولدها الشجاعة وحب البلد فأن هذا الزمن الذي نعيشه فيه على الأرائك نلوك الكلام كما يشتر البعير طعامه هو زمن لا خير فيه وما أحرنا جميعاً أن نُمّرن أولادنا جميعاً على حياة الجندية فهي تخلقهم خلقاً آخر وتجعل من أولاد الذوات رجالاً ... انفعالات شديدة كست وجوههم ضغطت على أعصابهم وبثبات شديد بدأت مع الضابط القائد تُسجل الحديث , تحدث عن بطولات الجيش في الساحل الأيسر من الموصل وكيف أن الرجال قد علقوا العلم العراقي ولكن العدو كان يضربه بالمدافع ولكن الرجال كانوا يُقيمونه من جديد أصبح نوعاً من التحدي اليومي وتحدث عن رجوع أهالي المنطقة إلى دورهم . وتحدثت مع بعض العوائل النازحة ومعاناتهم وكيف كانوا يزجونهم في البيوت عند غروب الشمس كالأفراخ ! أنهم أشاعوا الرعب بين الناس , فأصبح كل امرئ يخاف من خياله . القصص عظيمه ... والمكان غني بالتفاصيل الإنسانية والبطولية الرائعة ... وغابت الشمس وبدءوا رحلة العودة إلى بغداد يصلّون ويدعون بسلامة العودة وأن تكون نتيجة التصوير جيده والصوت واضحاً وهذه أول مره يصوّر فيها التلفزيون من هذه المنطقة . وكانت سارة فرحه جداً بحصيلة اليوم من العمل لا تعادلها فرحه أخرى فهي تحب التفرد والامتياز, فهي تعشق العمل التلفزيوني وهذا المكان لم يطرقه أحد من التلفزيون قبلها . الطريق إلى بغداد مظلم تماماً والمناطق التي مروا بها مظلمة تماماً لم تكن لديهم حاجه للنوم وفضلوا أن يتجولوا بين طرقات المدينة رغم الظلام يتحدثون ويستندون على بعضهم البعض , فالظلام شديد ولا يكادون أن يعرفوا طريقهم أين يضعوا أقدامهم وكأنهم يناجون شيئاً مجهولاً , وفي طريقهم وجدوا مدرسة مكثوا فيها وظلوا ساعات طويلة حاولوا أن يناموا. وفي الصباح وهم عائدون إلى بغداد كانوا يحاولون أن يعوضوا النوم المفقود في الليلة السابقة ولكن سارة كانت يقظة وفتحت حقيبتها وهي تلتفت ضاحكة ومدت يدها لتخرج من حقيبتها حفنة تراب وهي تُعلّق ( أن ابني طلب مني أن أحضر له من الموصل حفنة تراب وشظية من قنبلة ليريها إلى زملائه ثم يضعها في حجرته ) كان المطر شديداً لن يتوقف والشارع تحول إلى بركة ماء وصوت منبهات السيارات يصمُ الآذان خصوصاً أن الشارع يمر من خلاله مركبات الشحن الكبيرة التي تتميز بمنبهات تسبب الصمم . لحظات .. ويتحول الأمل .. والحب .. والحياة .. والأحلام .. والمستقبل إلى علبة صفيح يبدو أن السائق قد غلبهُ النعاس فارتطمت السيارة بعمود كهرباء . وتتحجر عيون الذين كانوا ينتظرون , تشقق القلوب , وتموت الابتسامات كل شيء يُذبح فجأة وتُصبغ الملابس بلون الحداد ...

عن محرر المقال

Unknown

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية