-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

مغناطيس - حلقة 11 ... بقلم / ابتهال الخياط

مغناطيس - حلقة 11 ... بقلم / ابتهال الخياط
قلب شاة.
سلمان و أرض الخوف تحت قدميه ساقاه طالتا وحركته إلى الأمام. تقوده أصوات همجية و بعض من صرخات ذكرٍ لله متفاوتة ، بعضها مفجوعة متوسلة والأخرى تجعله الشرير, و قلب سلمان كقلب شاة تريد الهرب من بين يدي ناحرها.
قال: كم أنا بحاجة لأن أتوقف لكنني لا أستطيع !  هل الأصوات تقترب مني أم أنا المسرع ؟ و بدأ يلهث و أمسك صدره وكأنه سينفجر.
وقع بصره على فتاة تصرخ عند الطريق، وثعابين برؤوس كلاب من حولها  يمزقون ملابسها ويكبرون " الله أكبر الله أكبر". صراخها مخنوق و الكل ينظر من بعيد.
سمراء وشعرها الطويل يتناثر وجسدها يتعرى بمخالبهم و تتباطأ دفاعاتها وتسقط ليتراكموا متنازعين على نهشها.
وسلمان أمسكته الدهشة و نسيّ قلبه المرتجف فانتزع فأسه و اتجه نحوها يركض كان يقول "الله أكبر" وتساقط فأسه على رؤوسهم واحدا تلو الآخر وكأنه ..إله, وتناثرت الدماء و هرب الرجال المراقبون من بعيد. كانت الفتاة تئن وتنظر إليه راجية أن ينزل الفأس عليها ليكمل ما بدأته الثعابين ، جلس بقربها ولملم الباقي من ثيابها وحمل رأسها بين يديه وبكى, كان ناسيا قلبه قلب الشاة.
انتبهت البنت إليه وشعرت بالهدوء.
قال: هل أعيدك إلى أهلك؟ دليني.
قالت: قتلوهم وحرقوا الدار. ليتك تقتلني.
قال: بل قومي معي بسرعة قبل قدوم آخرين.. عندي المأوى.
تسلل معها بين الحقول وقادها إلى منزله, كان الوقت غروب والليل يتسلل بهدوء و أخبرها أن في الدار سرداب ستكون فيه بأمان.
التفتت إليه البنت وقالت: ربما لست بإنسان قد تكون ملاكا  أرسلك لي الله لتنقذني.
قال: أو تكون محنتك أمامي لأسترد انسانيتي فيكون لي قلب إنسان يعرف الله.
قالت: كيف؟
قال: من يعرف الله حق معرفته لا يخاف من الوحوش والشياطين.
مغناطيس - الحلقة 12
الإشتياق.
بعض الأيام مرت وسلمان يعمل بصمت كي يُطعم الفتاة, كانت قد نظّفت الدار و أعادت فيه روح والديه, أوصاها أن تحذر وأن لا يعلم بوجودها بشر ، فلم تبقَ مقاييس لمعرفة الناس. كانت تلوذ عند كل حركة تسمعها بغيابه إلى السرداب فهاجسها من وجود الأفاعي في كل مكان.
عاد سلمان هذا اليوم مبكرا من عمله وقد حمل ما قدر عليه من طعام كما اشترى لها الثياب. استقبلته بابتسامة خجلة ووقعت مقبلة يديه, سحبها قائلا: لا تفعلي, فبك أحسست بوجودي أنا ممتن لله أن رفعني من دناءة الجبن.
قالت: هل تقبلني زوجة؟
رد عليها مندهشا: وهل تجدين فيَّ الرجل المناسب؟
قالت: ومن مثلك, كلهم كانوا ينظرون إلي  أُغتصب ولا غيرة لله امتلكوها.. أنت الرجل الوحيد.
سلمان: إني أشتاق إلى عودة أمي وأبي للحياة.. سأطلبك للزواج حين أقتل كل الأفاعي.
قالت: وكيف من الممكن ذلك إنهم كثيرون والناس أما  معهم أو لا يهمهم أو مقتولون.
سلمان: لا أعلم لكنني سأحاول.. سأبقى أعمل وأجمع  مالاً كي تتمكنين من الهرب إلى مكان بعيد إن قتلوني.
قالت: لنهرب الآن معا إلى بلاد أخرى.
قال: لا أستطيع لقد تحررت من الخوف وسأبقى أبحث عن شاب قتلوه وأعيده إلى الحياة.
صمتت البنت فهي لم تكن تعرف معنىً لحديثه فظنته قد أصيب بالجنون.
مغناطيس - الحلقة 13
ملحمة حب
ستة أيام وسبع ليال وسلمان يعمل بجد، أي عمل يوكل إليه حتى جمع مالا كافيا ورسم خطة لهرب الفتاة إن لم يعد يوما إلى الدار.
فقال: هذا مال خاص بك وعليك الحرص بتنفيذ ما رسمت لك إن غبت عنك أكثر من ثلاثة أيام.. اتفقنا؟
سكتت الفتاة وأطرقت رأسها.
فأكمل: لا تدعي عملي يذهب هباءً .. كيف لي أن أحبك أو أن أشعر بدفئك ، فتعلمين ما في صدري الكظيم.. كيف؟ كيف يفيء الجسد إلى الجسد والروح متناثرة في كل الأجساد المنكوبة.. كيف تفيء روحي إلى روحك؟ خيبتي في نفسي كبيرة يا حبيبة وأنا أشعر أني سيد هذه البلدات التي اجتاحتها الثعابين والشياطين وأنا نائم تحت الشجرة.. كيف؟ أعلم أني بحاجة إلى جيش.. و أحتاج  إلى الحكمة.
نامي قريرة العين, ودعيني لوحدي أفكر أين من الممكن أن أجد صاحبا يفهم دخيلة نفسي.. في هذه الضجة السوداء وكثرة الخراب.
وحلّ الصمت ونزلت البنت لتنام في السرداب، وسلمان صامت غارق في نفسه يبحث عن قرين له لا يهدأ ولا يهذي ولا يهرب.
مغناطيس -  الحلقة 14
غزوة سلمان
كان سلمان قد أخذه النوم فكان في حلمه يجول في سوق حتى رأى أناسا يتجمعون ويتهامسون, خفق قلبه و انعادت صورة الاغتصاب أمامه فبحث عن فأسه, لم يجدها.. أخذ يصرخ.. لا.. لا  غير ممكن وراح يركض نحو الجموع دافعا كل من كان أمامه حتى وجد نفسه منحنيا فوق الفتاة سرعان ما تحولت إلى  فأس كانت مرمية هناك فامتدت يده وحملها عاليا وكل الناس من حوله كانوا ينظرون إليه بدهشة.
استيقظ من نومه فكانت الفأس بيده وسمع الفتاة تدعوه للطعام, استقر بصره عليها لفترة ثم  روى لها ما رأى في منامه, فقالت:  أظن أن الفأس رجل قوي جدا ذو غيرة وعزم وكما مِلت إلي ستميل إليه ويكون معك في صحبة دائمة إلى الأبد.
استبشر و أكل طعامه و أوصاها بنفسها وخرج يبحث عن حلمه الذي ربما سيكون معه ما يصبو من حياة.
خرج سلمان وقلبه قد استرجع هويته كان يسير في السوق وينظر إلى الاخرين فرأى الأفاعي في كل مكان تراقب.. غلبه الهم, تنفس بعمق وعاد أدراجه ليسير مبتعدا عن الجميع فسمع خطوات من خلفه, استدار متحفزا فكان أمامه رجل في الخمسين من العمر يحمل حقيبة صغيرة تحت أبطه وقف أمامه وقال: أظنني أعرفك.
رد سلمان: من أنت ؟
قال الرجل: صاحبك الوفي.. أنا عالم في التأريخ  وسررت بك فأنت سومري. سأدلك إلى السومريين الآخرين فعليك بالعدة وترك الحذر لمن يهمهم أمرك. سنحتاج مكانا آخر.
قال سلمان: هل يكفون للغزوة؟
ضحك العالِم وقال: ينتظرون الأمر منك.
مغناطيس - الحلقة 15
لسعة التخلي.
افترق العالِم وسلمان على موعد التلاقي في فجر اليوم التالي للالتحاق بفرقة المتخلين عن الحياة في سبيل الحياة .
قال له العالِم: عليك بترتيب ما ستترك ورائك فلا شيء سيوازي ما سنمر به من مصاعب أنت تفهمني أكيد.
كان سلمان متجها في سيره نحو الدار يبحث في داخله عن قوة لتحدي الفراق لكل شيء أحبه فيه.فتح قفل الدار ودخل لتكون الفتاة باستقباله مبتسمة .
نظر إليها و قلبه يتحدث: يا لريعان الشباب وغزارة الشعر الفاحم الذي لم يمسسه الشيب, ويا لرغبات أمي وأبي التي تحفني كلما دخلت الدار ليكون لي بيت يحتويني .                                                                          هل لكما أن تحضرا الآن لتذرفا علي الدموع  إني راحل يا أبي إلى جبهتي لأقاتل السواد من حولي, كن رفيقا لامي فهي الثكلى. ولتحف روحك بهذه البنت الوحيدة حتى تكون بامان.
كان سلمان يدور في البيت صامتا وينظر إلى كل شيء بحب, وحين نظر إلى المرآة ورأى نفسه و غزو الشيب وتجاعيد التعب والزمن مصقولة على وجهه.
قال محدثا البنت: تعالي أيتها الكريمة و انظري معي إلى المرآة .
جاءت لتقف بقربه ثم نظرت إلى المرآة وقالت: إني أحبك ولن أستطيع فراقك ولا أمان لي إلا معك.
سلمان يهمس : ما خلقت لأعيش وأشعر بدفء من أحب. أظنني خلقت لأكون ما سأكون عليه غدا .
سكتت البنت وفهمت أنه سيتخلى عن حياته كلها.
فقالت: أنت تودع الدار وتودعني.
قال: عند الغروب سنتحرك ولن أتركك إلا عندما تكونين بأمان.
وحلّ الغروب .
كان سلمان ممسكا بيد الفتاة وقد أخذ طرقا عبر الحقول فسارا لساعات حتى وصلا قرية منزوية متخفية عن كل الطرق التي تؤدي إلى البلدة .
اقترب من بيت صغير وطرق الباب وصاح: أبو محمد؟
جاءه الجواب بسرعة: جئتك.
فتح الباب شاب يافع نظر إليه وقال: عم سلمان أهلا بك تفضل.
دخل سلمان ومعه البنت, وأحاطت بهم العائلة كان الأب من عمر سلمان وقد جمعتهما صداقة وقد عملا معا كثيرا.
قال سلمان: سمعتم بما حل بنا .
الرجل: نعم كان الله بعونكم, نحن هنا لا ننام والحراسات مستمرة خوف دخول الأفاعي بيننا .
سلمان: أرجو منك أن تجعل هذه البنت مع أبناءك وتحميها معهم .
الرجل: هل هي قريبتك؟
قال سلمان: نعم .وكما تعلم ليس عندي أحد أئتمنه عليها إلا أنت فمعرفتي بك وبأصلك الطيب وبشجاعتك دفعتني أن أزورك و أستغيث بك.
الرجل: وأنا عند ظنك بي إنها من الآن مع بناتي ولا تقلق فقريتنا سليمة من كل مرض أو خيانة وكلها شجعان ورجال أشداء.
قام سلمان من مجلسه وصافح وعانق صاحبه و أخذ طريق الباب ليرحل, لحقت به الفتاة و أمسكت بذراعه , فأفلت يدها والتفت إليها و أطبق قبلته على جبينها وقال: ستكونين بخير.
رحل سلمان عن القرية وكان نسيما جميلا يستقبله وهو سارح الفكر يسير عبر الحقول وصور من حياته مع والديه تمر أمامه.. شعر بأنه مقدس وكل ما يحيطه من منظر يجعله مختلفا عن الآخرين، نعم إن الإنسان من عرق واحد لكن الذات المتجددة لا تكون إلا بمعلم إلهي واحد لا يقبل أن يتغير حكمه في الأشياء هو الحق فقط ومعروف به. وقد عرفه منه كي يحارب الباطل.
قال بصوت عال: لقد ولدت فانيا لكنني الآن سأكون بمعرفته خالدا إنه الله الواحد.
لستُ بإله لكنني التلميذ الفاضل, أيتها الآفاق التي تفتحت في وجهي هل لك أن تُعرفيني بنفسي أكثر فذاك القبر الذي تحت الشجرة يأكل في اعماقي.
.
.
ابتهال الخياط
لمن يقرأ...تابع
مع الود.

عن محرر المقال

Unknown

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية