قصّتي مع الشّعْر
نص : سعيدة باش طبجي - تونس
هذه قصّتي مع الشّعْر،عشتُها حقيقةً و أصوغُها مجازا:
و كانَ البعثُ
في زمانٍ غابرٍ فاتَ و مَاتْ
في مَكانٍ غائِمٍ من رَمْسِ وادي الذّكرياتْ
كنتُ ماءً من نميرِ القوْلِ،كالشَّّهْدِ الفُراتْ
كنتُ نورًا في عُيونِ الفجْرِ،في سِحْرِ الأمَاسِي،في ليالِي العَتَماتْ
كنتُ في مَرْج القوافي،
أرْشُفُ الشِّعْرَ عبيرا مِنْ ثغورِ الزَّهَراتْ
كنتُ فِي فَيْء الأهازيجِ الجميلهْ
أنتقي الأنْغامَ من نَايِ الرُّعاةْ
كنتُ طفْلا..و نبيًّا..كنتُ أيقونةَ حُبٍّ و سَلامٍ..و أمانٍ..و نَجاةْ...
************
ثم يوْمًا....
كانت التفاّحةُ المسْمومةُ المَلآْى بشهْدِ الحقْدِ من قلْبِ العِداةْ
فإذا النبْضُ هشيمًا..و إذا الحرْفُُ مَواتْ
مَارِدُ الأشْعارِ قدْ نام بنبْضي..في شِغافي..
في دَهاليزِ القوافي..سَنواتٍ سنواتْ
كان فيها النبضُ مَسْخا..و هشيمًا..بل رُفاتْ
دمْعةً حرَّى بعيْنِ الفجْرِ تنسابُ بِخدٍّ كالجذوعِ اليابِساتْ
شمْعةً ذابتْ فلا ينْهالُ منْها
غيرُ دمْعٍ و رَمادٍ و فتُاتْ
غيْمةً تنثالُ في الرُّوحِ وينْهَالُ الأسَى منْها
كأحْمَالِ الدِّماءِ النّازِفاتْ....
****************
ثمّ كانَ البعْثُ من لُجِّ السُّباتْ
فآنتفضْنا أنا و النبْضُ المَواتْ
مثلَ عنْقاءَ و طِرْنا في العُلا فوْق الرُّفاتْ
فأنا اليوْمَ أميرهْ
قصَّةٌ من ألْفِ ليْلهْ
منْ حكايا شهْرزادٍ أو حَكايا السَّاحِراتْ
سِنْدِرلاَّ..إِسْتفاقتْ مِنْ تجَاويفِ السُّكاتْ
قُبْلةٌ من ثغْرِ حَرْفٍ..و وُرُودٌ منْ رياضِ الكلِماتْ
أنْعَشتْ نبْضي فَرَفَّ الحُبُّ مغْسُولا بِعِطْر النَّغَماتْ
فوجَدْتُ الشِّعْرَ منْضُودا بِرَفِّ الضَّادِ يهْفو فِي انْتظارِي
ووجَدْتُ الأملَ البسَّامَ يزْهو في سِلالِ الأُمْنياتْ
فأنا اليوْمَ كأنّي سِنْدبادٌ في سَفينٍ
غابَ في اليمِّ سنينًا
ثم ألْقاهُ عُبابُ الشّعْرِ يوْما بشُطوطِ الكلماتْ
عادَ و الأشْعارُ في أحْداقهِ حُبْلى بِدُرٍّ ونُضَارِ..
و قُطُوفٍ من قَوافٍ يانِعاتْ
و عَقيقٍ و جُمانِ وشفوفٍ من حريرِ القوْلِ
تهْفو فاتناتْ
فأنا اليوْمَ عبيرٌ و طيورُ و زهورُ عابِقاتْ
و أنا اليَوْمَ حقولُ القمْحِ تزْهو مَائساتْ
وأنا اليَوْمَ نجومٌ في ليالي الضَّيْم تفْري الظُّلماتْ
و أنا اليوْمَ دِنانٌ منْ نبيذِ القوْلِ تهْمِي
بالشَّذا و النَّسَماتْ
أنْسِجُ الأحْلامَ و الأشْعارَ منْ طوْق النّجاةْ
من دِمَقْسِ الحَرْفِ ،من تِبْرِ القوافي ،منْ حَريرِ الأُغْنياتْ
نبْضةٌ مفتونةٌ في رَحِم الكوْنِ و في قلْبِ الحياةْ
بلْ أنا اليوْمَ حَياةْ ./.

