فضل لا ينكر
د. يسري عبد الغني - مصر
نحن لا ننكر فضل أهل الاستشراق على تاريخ العلوم العقلية الإسلامية ، مهما كان اختلافنا مع بعضهم في بعض المنطلقات الفكرية .. إن لأهل الاستشراق الباع الأجل في الكشف عن تاريخ العلوم عند المسلمين ، وهو فضل رائع وعظيم ، يعيه ويدركه جيداً كل من له اضطلاع ، ولو قليل في مجال الدراسات الإسلامية ، أو في تاريخ العلوم الطبيعية .
لقد تناول أهل الاستشراق التراث العلمي الإسلامي بالتحقيق والتمحيص والدرس ، والمقارنة بينه وبين أصوله اليونانية والهندية ، وتأثيره على الغرب في العصور الوسيطة ، وأوائل العصر الحديث .
وعليه فلا ضرر ولا ضرار أن نقوم بدراسات وأبحاث تحاول أن تعرض لأطراف مما قاموا به ، ولا بأس أن تكون هذه الدراسات مسهبة ومعمقة ، أو تكون سريعة عاجلة غير مستقصية أو مستفيضة ، وهذا النوع الأخير ممكن أن يكون في شكل مقالات تنشر في الصحف السيارة ، أو في المجلات العامة ، أما النوع الأول الذي ينطلق من الإسهاب والتفصيل فيحتاج إلى مجلدات ومجلدات ، ويكفي أن يعلم القارئ أن مجرد السرد الببليوجرافي لجهود أهل الاستشراق في دراسة العلوم الإسلامية ، يمكن أن يستغرق بمفرده أكثر من ألفي صفحة أو ما يزيد على أقل تقدير .
فلا غضاضة بالمرة من أن نعترف بجهد الآخر ، والآخر هنا قدم خدمة جليلة لتراثنا العلمي ، فما المانع من أن نشكره ونقدره ، ونحاول أن نطور ونعمق ونجود ما قام به ، ونبدأ من حيث انتهى ، ومهما اختلفنا معه ، فإن الود لا يفسد للعلم والفكر الإنساني قضية .
ويرى كاتب هذه السطور أن أوضح وسيلة أو طريقة لتناول موضوع جهود أهل الاستشراق في خدمة العلوم العقلية الإسلامية ، هو أن نتناوله : علماً علماً ، وبالطبع قد لا يتمكن أي باحث من ذكر أو الحديث المفصل عن كل العلوم ، إذن فلا ضرر إذا قام بذكر بعض ما قام به هؤلاء المستشرقون في دراسة تاريخ العلم العربي ، وبحثه وتحقيق نصوصه .
وختاماً : فليس عيباً على الإطلاق أن نسعى لعلم الآخر أو فكره ، نفحصه ، ندرسه ، نتأمله ، ننقده ، ثم نأخذ منه ما ينفعنا ، وما يصلح لنا ، وما يتفق مع ثوابتنا .

