قصة قصيرة
تحت نصب الحرية ...بقلم / محمد جبر حسن
لم يتردد ابداً بالحضور في ساحة التحرير ، هذا حاله منذ أشهر ، لا بل سنوات وتحديداً من أول تظاهرة خرجت ضد الفساد والفاسدين ، لم توقفه أيام البرد ولا المطر ولم تمنعه اشهر القيض والحر .. يحتمي براية يرفعها أو ظل شجرة غرسها أحرار قبله ، كان يستمد طاقته من تأريخ يحمله بين جنبات عمره الذي شارف على الستين ، قصيراً وديعاً .. لكنه طويلاً بما فيه الكفاية ليحمل علم العراق في كل جمعة ، كنت اراه هكذا .. انيقاً بهندامه.. دائماً مايلبس بدلة زرقاء مع ربطة عنق حمراء ، كان نحيلاً والتجاعيد أخذت تشق طريقها عرضاً وطولاً في قسمات وجهه الطفولي ، وكأنها ترسم خارطة الزمن الذي عاشه وعاصر فيه مناضلين سبقوه ، قد أكون مخطئاً بتقدير عمره وما اراه إلّا آثار تعب السنوات الأخيرة التي أصرَّ أن تكون سنوات كفاح ونضال ضد الفساد والفاسدين .. ليس غريباً عليه هذا لأنه من عائلة جُبلت على السياسة ، فأبوه كان يسارياً لا يشق له غبار وسجن عدة مرات في أيام الحكم الملكي وكذلك الجمهوري ، ووالدته لم تكن أقل وطنية من زوجها فلها أيضاً تأريخ حافل أرضعته لأبنائها الأربعة وفطمتهم على الصبر لمآسي الحياة التي تنتظرهم ، هذه الأم التي طالما نَهَلَ منها معرفة ماجرى لأبيه وأخوته سمير وسهيل وسعد وخصوصاً أخاه الأكبر سمير الذي صار له قدوة بعد رحيل أبيه المبكر ، لذلك وضع تأريخ عائلته الحافل نصب عينيه وأقسم أن لا يحيد عنه مهما حصل ويحصل ..
بتلك الجمعة التي لم أنسى تفاصيلها وأحداثها كنت قد حضرت تظاهره أعد لها بعض الناشطين تحت نصب الحرية فرأيته قد تنحى جانباً ماسكاً خاصرته وهو يتألم من أوجاع لا أعرف مصدرها .. أخرج من جيبه علبة الدواء وأبتلع منها حبة أو أكثر ، سألت أحد رفاقه عنه فأجابني :
_ لا تقلق .. لقد تعودنا عليه ..
هذا (سنان) مريض بالكلى والآلام تلازمه منذ فترة لكنه يأبى إلّا أن يشارك معنا !
وهنا تدخل أحدهم ضاحكاً وقال :
_ ألا تعلمون إنه مريض بحب الوطن لذلك لا يترك التظاهرات
تركتهم ودنوت منه قليلاً ، كنت أحمل بيدي علماً صغيراً وأهتف مع المتظاهرين الذي بدأ صياحهم يعلو ، رأيته عن قرب وسمعت صوته يصدح عالياً ، كان صوته يختلف تماماً مع طبيعة مظهره الهادئ ، ويختلف أيضاً عن هتاف الآخرين ، رغم وجود حشود المتظاهرين كان هناك صدى لهذا الصوت ، لم يتبين لي ماهو ولكني أحسست به ، قد يكون هذا الصدى لصوت أبيه أو أخيه ، دنوت منه أكثر .. أبتسمت له ، مَدَّ يده رافعاً يدي معه هاتفاً بصوتٍ عال ، كأنه يعطيني درساً بالوطنية ، تقدم خطوة فتقدمت معه ، أصبحنا وجهاً لوجه مع قوات مكافحة الشغب !!
بهذه الأثناء أزداد تقدم المتظاهرين الذين كانوا خلفنا ، لم تمض سوى لحظات حتى حدث الصدام مابين الطرفين ، القوات الحكومية استخدمت الرصاص المطاط والقنابل الدخانية والعصا الكهربائية .. والمتظاهرين كانوا يحملون فقط الأعلام العراقية واللافتات التي تلطخت بدماء الأبرياء ، في وسط هذه الأحداث تفرقت جموع المتظاهرين ، بحثت عن سنان وجدته ماسكاً أحد رفاقه الجرحى وبيده الأخرى قنبلة دخانية لم تنفجر !
إنتهت .
محمد جبر حسن
بغداد
