د- طه حامد الشبيب - - سرديات فلسفية صامته
كتب - عبد الهادي الزعر معقباً :
روائيو العالم لم يكتبوا روائعهم إلا بعد هزةٍ عنيفةٍ أو حدث مزلزل ؟
فهذا دستوفسكى لم يبدع - الأخوة كرامزوف - والجريمة والعقاب - حتى صدر عليه حكم الديسمبيريين بالموت وخفف بواسطة بوشكين الى المؤبد -
وسولجستين لما أنتقد ستالين عام 1945 عاقبته لجنة الضبط عشر سنين نفياً الى المنتجع السيبيرى مع الأشغال الشاقة وحين عاد كتب رائعته - يوم من حياة دستو فيتش -
أما القاصين العراقيين الحقيقين فالنار تشب بأرواحهم وأصابعهم وهم يرون بلدهم على حافة الهاوية -
معمداً بالدم والفجيعة ولافتات النعى السوداء تحتل الجدران بشراهة منذ 2003 وما تلاها -
ولكن مهلاً لا كل مايكتب يقرأ ! ففى العقدين الأخيرين شاعت حمى إصدار الروايات والقصص التى أربى عديدها على الألف بين كتاب الداخل والخارج ولم نجد تعليلا مقنعاً لهذا المد :
هل أضحى السرد ديوان العرب ؟ أم بدافع الشهرة - المال - إثبات الذات - التوثيق والأرشفة -
فقد طغى هاجس الأصدار والنشر حتى على الذين لم يتمكنوا من كتابة صفحة خلت من الخطأ لغةً وإملاءً ناهيك عن الثغرات الظاهرة كتعثر الحبكة - أنقطاع خيط السرد - تفكك الزمان وإنغلاق المكان - ضياع العقدة والحل -
لم أقرأ الشبيب إلا روايتين ( المواء 1999 ) وقد بناها وفق ثنائيات متضادة كالأستلاب والرفض بإسلوب هادىْ نما تصاعدياً نحو أفق مفتوح على الأسوء لم تحن ساعته حينذاك ؟ مراوحاً حيناً على الفنتازيا وطوراًعلى الواقع بدأها محاولاً أجتراح سحرية عراقية واعدة :
( لا ذت تلك الليلة قطة بيضاء موشاة بهلال أسود تلوب باحثة بين ثنايا الظلمة على موضع اّمن تطلق فيه - - موضع تستأمنه على صغارها القادمين )
هذا المشهد المتواتر هز مشاعر أب العائلة بعدما كان معبئاً بالخلافات حد التخمة مع زوجته وأ ستدرك مؤخراً أن المرأة هى الأصل وما عداها تابع فهى ليست جسداً ومتعةً فقط وإنما شعلة إحساس ومنهل حنان لا ينضب -
راّها تنقل صغارها بإستمرار تحميمهم من غائلة خطر محدق " لاتعلم مصدره وسيمائه " أهو - هر- شبق يتركها بعد إلتهامهم فى هم وسقم وكدر ! أم داهبة ستحيط بها وبجراءها -
هذا المشهد المؤنسن ينذر بشرٍ مستطير سيلحق بنا جميعاً ضرراً فادحاً لايمكن تفاديه وبالفعل وقع المحذور بعد سنين أربع أصبح العراق كعصف مأكول -
والشبيب دوّن فلسفته التى أستوعبها من خلال حياته العملية والفكرية بثها قصصاً وروايات بخطاب مكتنز بالأشارات والرموز خوفاً من الرقيب ( بلا ضجيج ) فقد أستدرك النهايات الأليمة الراعفة لزملاء الحرف الراحلين -- محمود جندارى صاحب الحافات وحسن مطلك صاحب دابادا -- يرحمهم الله-
فالرجل فراتى مسقط رأسه مدينة المسيب التى لا زالت تدفع ثمناً باهضاً بين الفينة والأخرى لا لسبب ألا كونها تجاور أطرافاً ساخنة -
أدرك عن وعى مقولة جلال الدين الرومى المولوى حين سأل
مالعدل فأجاب : هو أن تسقى الورد ماءً
وما الظلم : هو أن تسقى الشوك ماءً -
مزج الراوى العليم قدر كبير من التضادات كالهيمنة والتسامح - الرقة والتوحش - الحضارة والبداوة - الحب والكراهية زانها ببعض الشطحات الفلسفية بالأخص حين تحاصر إنسان مابعد الحداثة جيوش من اللاجدوى لترمى به فى مصير مجهول -
****************
أما الرواية الثانية ( فى اللا أين ) والتى أنجزها مؤخراً وهى تغور باحثةً عن معنى الهروب الهروب من حضن بلدٍ لم يعد اّمناً ولا يمتلك دفئاً فالقوارب الناقلة بعد أن تستوفى أجراً كبيراً من ممتطيها ترميهم على سواحلٍ مقفرٍة إنقطعت عنها أسباب الحياة فهى جرداء قاحلة ليواجهوا مصيرهم المحتوم ؟ يمنى الهارب نفسه بالسعادة الضائعة والأمان والخلاص من أتون جحيم مستعر ولم يعلم أن الذى ينتظره أشد فتكاً -
ولكن الشبيب ذى التجربة الثرية فى عالم السرد يحول بوصلة الحكى بإتجاه اّخر حيث يقرر الناجون بما فيهم ثلة من المتنورين بإتخاذ قرار البقاء فى جزيرة نائية بسبب وجود أسباب تديم وتائر الحياة من ماء وثمر -
فأنهم ومن أجل حياة جديدة يتخلون عن مقتنياتهم -- ساعات موبايلات -- ويرموها فى البحر بإستثناء زينة
- المرأة - فقد أحتفضت بممتلكاتها لكونها أنثى ( رحم الولادة والنشوء )
إيذاناً بصفحة جديدة ملؤها الوئام والتاّزر وروح الفريق الواحد ؛ فهم من إثينيات وطوائف وأعراق مختلفة صحيح أن أمجد معبأ بالقلق الوجودى وحواراته مع فريقه ال ( 54 ) لا ينقطع كذلك المتنور- دانيال - فالأحاديث والمنولاجات ترسل عبر الحواس فى دفقات ذهنية وفلسفية منحت رواية فى اللاأين بعداً فكرياً
ما بين المنظور والمسكوت عنه
الرواية لاتعتمد الحدث بقدر أعتمادها الذهن والذاكرة المتوقدة إلباحثة عن الحل والخلاص الاّمن المقنع للجميع وإيجاد مخرج لهذه المتاهة -
أراد الراوى القول أن بالأمكان العيش بسلام وأمان حتى فى الظرف الحالك على شرط أن تشاع مبادىء الحب وتكافؤ الفرص ونكران الذات والتحلى بروح الجماعة -
أحالنى هذا السرد الفكرى الممتع لروايتين قرأتهما وأنا فى سورة الشباب روبنسون كروسو لدانيال ديفىو وحى بن يقظان لأبن طفيل الأولى أوجدت الحل لمعضلة تطلبت العزيمة والأرادة والشكيمة حتى تستمر الحياة وتنمو -
والثانية أعتمدت الفكر المداف بالفلسفة المتنورة وأبن يقظان العربى المسلم (1116--1185) أندلسى أستحوذت حكايته على علماء اللاهوت البروتستانت فى القرن السابع عشر عصر التنوير وقد عثر على أبن يقظان فى جزيرة نائية ترعاه الغزلان وعندما شب وأستقام عوده وجد نفسه مختلفاًعن الحيوانات عندها تفتقت مواهبه الفكرية والفلسفية بلا معلم مازجاً الحس السليم الفطرى بالخبرة والتفكير المجرد -
(( ورقتى النقدية التى قرأتها فى جلسة القاص طه الشبيب 10\3 \2018 ))
