-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

حياتنا بين نار الواقع وفردوس الخيال .. بقلم / عبد الصمد الحيرش- المغرب

حياتنا بين نار الواقع وفردوس الخيال .. بقلم / عبد الصمد الحيرش- المغرب

يبزغ الفجر وتتتسلل الأضواء مخترقة حجب الظلمات القابعة على جميع الأنحاء في خطوط متثاقلة ولكنها تقوى وتشتد حتى تنتصر تماماً على سمك الطبقات القاتمة وعند ذلك يمتلىء الكون نوراً ويشع ضياءاً ويهب النيام مجافين لكسلهم ومراقدهم آملين في إكتساب قدر من النشاط ..قاصدين وجه الله سبحانه وتعالى سعياً في طلب الأرزاق من مأكل ومشرب وملبس ودواء ..وعلم وعبادة وشكر لله سبحانه وتعالى ...إنه الصباح والإشراق وإستهلال لنهار جديد يبدو سعيداً و فألاً حسناً للبعض ..وإحباطاً وبؤساً لآخرين وهناك على البعد يركن قطاع من البشر هم الكسالى الذين مازالوا نياماً لا يعنيهم الوقت إن كان ليلاً أو نهاراً .
سوف يكون الطريق مزركشاً ومزيناً بالآمال بل مفروشاً بالزهور ..ومنفتحاً بكل بواباته أمام طابور السعداء الذين كانت لهم الفرص الجيدة المتاحة في الحياة ..يستغلونها في إنجاز أعمالهم وتحقيق أمنياتهم ..قد يكون هؤلاء السعداء محظوظون بتلك الفرص الميسرة والسهلة والتى أحجمت على أن تدنو من أيادي إناس آخرين ..يملكون نفس القدرات والمواهب ..إنها بالطبع إرادة الله سبحانه وتعالى والتى قد نعي بعضها ..وينغلق العقل عن إستيعاب البعض الآخر .
عند ذلك تنشأ سحابة سميكة من الإحباط لتخيم على سماء هؤلاء الناس ..ولتتفشى بينهم حالة مَرَضية من اليأس والقنوط ..ويصبح ما يلمسونه من إنجازات ونجاحات يحققها المحظوظون ..هي أحلاماً تزورهم في سباتهم ..وأمنيات صعبة المنال بل قد تكون مستحيلة ..وعليهم أن يكتموها في قلوبهم ..لذا قد تتولد في نفوسهم رغبة شديدة في جلد الذات وإهانتها وإتهامها ظلماً وزوراً وبهتاناً بالتقصير ..ومن ثم تجنح النفس إلى إحتواء الغيرة الملتهبة المقترنة بالأحقاد المكتومة التى تنكشف عند توافر المناخ المناسب لها .
يلعنون الحظ العاثر والمقادير السيئة التى تلازمهم ..بل وينسبون كل عثراتهم وعدم توفيقهم إلى إناس آخرين قد دخلوا في حياتهم فأفسدوها .. مُتناسين بل ومتجاهلين أن كل الأقدار التي ترافقهم هي من صنع المولى سبحانه وتعالى ..وأراهم وكأنهم يشككون في اندراج هذا الحظ وتلك المقادير في معيته سبحانه.
وهنا يبرز التساؤل المنطقي الذي قد تكون الإجابة عليه بلسماً مسكناً لتلك الأحقاد والعقد وهو " أليست هذه المقادير وتلك الحظوظ شأن يختص بها الله سبحانه وتعالى نفسه ؟ " ومن الطبيعي أن تكون الإجابة " بلى "
إذا فلماذا نترك لجراثيم الحقد والغيرة والكراهية ..بأن تتسلل إلى نفوسنا وتكمن في قلوبنا وتلوث فطرتنا النقية وتصيبنا بالأمراض النفسية .
إن الإحساس بالسعادة هو شعور خفي يغمر النفس ..ينتج عن أسباب ممكنة قد تكون مادية ..وقد تكون تخيلية معنوية مثل الأحلام ..
مثالاً لذلك فقد تكون السعادة لشخص ما هي في حصوله على ثروة غير متوقعة وهذا بالطبع ناتج عن إحساسه بتملكه لهذه الثروة ..إذا فالإحساس بإمتلاك هذا المال هو الأساس في إثارة شعور السعادة في كيان هذا الشخص وعليه يمكن القول بأن وجود هذا الإحساس ضرورى لتخليق السعادة حتى ولو لم تهبط تلك الثروة على هذا الشخص .
إن الأقرب تمثيلاً وتعبيراً عن تلك الحالة هي الأحلام ..فقد يحلم نفس الشخص بهبوط تلك الثروة عليه ومن حيث لا يدري فينتشي ويسعد بذلك لإحساسه بتملك هذه الثروة وهذا بالطبع ليس واقعاً ..ولكنه كان سعيداً مع ذلك ..وكذلك يمكن أن يتحقق للإنسان قدرلا بأس به من السعادة في تخيل أمنيات و آمال قد تحققت ..دون أن يكون ذلك حقيقياً ..
إذا يمكن القول وبشىء من الثقة بأن الأحلام والتخيلات هي البوابات الخلفية التي يلجها الإنسان المحبط لإمتصاص بعض أسباب السعادة ومن ثم الشعور والإحساس بها وهي الحصون التى يحتمي خلفها المرء ولو لبعض الوقت هرباً من عذاب اليأس والإحباط والفشل .
إذا لماذا لا نحلم ونتخيل ونمرح وننطلق تاركين العنان لعقولنا ونفوسنا لتنفتح على عالم الأحلام والخيال ..ولماذا لا نترك هذه العقول على سجيتها لتحصد على الأسباب الخيالية ما يمكنها من إسباغ السعادة على كل الكيان حتى ولو لبعض الوقت هرباً وفراراً من واقع كئيب ..لماذا لا ننسحب من زنازين الواقع إلى فردوس الأحلام وعندما تنتشلنا وتختطفنا الصحوة المباغته من هذا الخيال وتقذف بنا إلى أرض الوقع فسوف تغرب هذه السعادة تاركة في النفس بذرة من بذور الأمل لتنمو وتترعرع في كل زوايا وثنايا النفس ..حيث يستقر الإيمان ويزيد اليقين بقضاء الله وقدره ..ويصبح الرجاء من الله في تحقيق هذه الآمال والأماني هو دعاء مرفوع ومقبول بإذنه سبحانه وتعالى .
وفي خضم أمواج هذا الزمن الملىء بالعثرات والتضاريس..والتقلبات مابين إرتفاع إلى القمة وسقوط إلى القاع ..لا بد لنا أن نتعايش ونتواءم مع كل هذه المتغيرات التى ينقلب فيها الفشل إلى نجاح ..والعكس قائم وصحيح ..لابد لنا من مسايرة هذا المناخ الغريب وما يعكسه على نفوس البشر .
إن الخيال هو جنة كل بائس وهو سبيل سهل ومتاح لكل الناس ..يصنعونه ويبرعون في صنعته ..يرتدي فيه المرء كل أنواع الثياب الفاخرة ..ويعتلي فيه أعلا المناصب ..ويسكن فيه أفخم القصور ..بل ويتقمص فيه كل الشخصيات ، إنها حياة أخرى رومانسية الطابع زائفة الأصل ..وهذا سبيل كل بائس تجده مجبراً ومضطراً لقبول بعض من الزيف والأوهام بجانب كل واقع أصيل .
لذا فيمكن إعتبار أن الخيال هو تربة خصبة ملائمة لنمو الآمال والأماني التى قد تبدو مستعصية ..فينعم صاحبها بجانب من السعادة المؤقتة عندما يتخيل نجاحه في تحقيق تلك الآمال ..
عند ذلك يكتسب هذا الحالم بعض الثقة في النفس التى قد تؤهله فيما بعد في تحويل هذا الخيال إلى واقع ..ويصبح هذا العالم البهيج هو الحصن الذي يحتمي المرء خلفه إذا هزمه اليأس وإنتصر عليه الإحباط ..
ولكن لا ينبغى للمرء أن يبقى طويلاً خلف هذا الحصن ..متذكراً غير ناسياً بأن تلك الحماية هي حماية معنوية لا مادية ..خيالية لا حقيقية . وقد يكون المستفاد من ذلك تلك الخبرة المكتسبة أثناء مراجعات المرء لنفسه أثناء سفره في رحلة الخيال ..فقد تكون تلك الخبرات هي تخطيط جيد لتحقيق الآمال والأماني عندما تتغير وتتبدل الأحوال إلى الأحسن ، ومن ثم يصبح الخيال هو ملاذاً وملجأً أتاحه الله سبحانه وتعالى لكل قانط ومحبط ولكل من إستعصت عليه الأسباب في حياته ..
ولكن يجب على المرء أن يحذر كل الحذر من الغوص العميق المستمر في بحر الأحلام حتى لا يصبح عادة ومن ثم إدماناً يؤدي إلى إنفصال المرء كاملاً عن واقعه ..فيصاب بأمراض العزلة والتوحد ..
إن الخيال يصبح وسيلة رائعة لمراجعة النفس وعتابها بل ولومها على ذنوب تكون قد إقترفتها ..بما يمهد الطريق لهذه النفس إلى إعلان التوبة ..لتنتفض بعدها عائدة إلى عالم الواقع تائبة مستغفرة طاهرة .
وفي هذا المناخ المُتَلون والمتقلب قد يجد المرء نفسه مضطراً ودون أن يدري إلى تقسيم حياته بين الخيال والواقع ..وقد تكون نسب التقسيم غير متساوية طبقاً لطبيعة الظروف والأحوال والعوامل المؤثرة ..فإن مالت تلك الظروف نحو الأحسن قلت وتدنت نسبة الخيال وإرتفعت نسبة الواقعية ..والعكس يبدو دائماً صحيحاً ومنطقياً وعلى المرء السوي أن يختار في إعتدال .
اللهم بكل فضلك وكرمك قِنا شرأنفسنا واهدِنا إلى طريق الرشاد ..آمين

عن محرر المقال

Unknown

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية