قلب جامد.. بقلم / ابتهال الخياط
الأمس ..
كان يوما مملا .. تعلقت الشمس بخيوطها بصعوبة محاولة اعطاء اليوم طابعا لربيعٍ ما كنا قد نسيناه .. سموه قديما بيوم الربيع .. يوم احتفال وكرنفال وفرح بسنة خصبة وشعوب مرحة مزهوة بالحياة.. لكنني أفقد احساسي بالفرح في هذا اليوم منذ أمد بعيد ، لم أذكر ذلك لأحد يشعر بالعكس .
إني أستيقظ مبكرة كل يوم ..مع صوت الأذان و أنتظر مرور العرس اليومي للشمس ناشرة ثوبها الذهبي على السماء .
أصمت فقط و أبقى أنظر إلى سيرها و ارتفاعها شيئا فشيئا .. ثم أعود إلى غرفتي حيث الأشياء التي لا تتكلم.
كلمة قالها لي أخي محمود بالأمس بعد محاورة عن المُعطى والمأخوذ والسالب والمسلوب .. لكِ "قلب جامد " .
تركته بعد أن نطقت بعفوية غريبة لمواقف مشابهة .. بكلمات لا أتحدث بها إلا مع نفسي سرٌّ تشاركني فيه روحي و يخزنه قلبي ..فهو موقع الحدث.
ثم قلتُ :سأذهب فلدي عمل.
ولم أستطع أن أعمل ! جلستُ في حيرة وكأن ما قاله كنتُ بحاجة إلى أن أسمعه .
سالتُ نفسي:
هل قلبي جامد بمعنى الحجر أم هو جامد كالثلج؟
كنت قد وضعتُ قلبي في مكان ما ونسيته، لم أكن بحاجة إليه لكي أحب أقرب من خلقه الله إلي.. أمي ..و َسبَحت في ملكوت التعب والعذاب معها حتى الهيام و حتى انفلت مني زمام كل شيء ليقضي القدر وتموت الشجرة التي كنت أرعاها فأمسيتُ على فوضى روحي و غياب تناسبي مع وجودي .
دخلتُ عالم الصمت ..و أصبحتُ حجرا .
فجأة كنت من المارين على طريق غريب راودتني أسئلة سوداء .. أشواك حية تحاول أن تتلقفني كلقمة لتنهيني فصرخت:
كيف لا أهتم إنه عمري .. لا تلازميني يا أشواك الغدر فالعمر يفرّ من الأيام ..صوب الجهة الخضراء و البحر .
سفينة براية بيضاء هناك ترفرف لي من بعيد .. ربما.
انتبهت بعد فوات الأوان أني مخطئة فلا ربان هناك ، وعدتُ ألهث راجعة و الأمواج تحملني رحمة بي إلى الشاطىء.
حينها كان صوتا ما يصل مسمعي ويراودني و أشعر به ينسحب إلى أعماقي .. وأخاف و أهرب حيث لا قلب لي .
بقي الصوت يناديني وما أجمله لكني ..بلا قلب .
أردته كثيرا و لم أستطع البوح فذهب وترك لي صدىً أحمله معي أينما أكون .
بحثت عن قلبي في كل مكان ..فوجدته في الجليد ..نعم تذكرت ..قالت لي أمي :
دعيه في الجليد ..سيبقى فتيا مهما تطول به السنين.
حملته بين كفيّ ..وتركته يسلب مني دفئي وهنا أحسستُ بنبضه يعود من جديد .. ضممته إلى صدري ..وعدنا معا من جديد.
نظرتُ فيه ..ورحت أتجول في طرقاته ..
كلها مشغولة مكتومة محزونة..وهناك من بعيد في إحدى ثكناته بصرتُ ضوءا وعندما دخلت وجدته .. ذاك الصوت لقد كان له مكانا في قلبي !
اغفر لي ربي ..لم أعلم أنك تركت لي فسحة في قلبي أسكن فيها ..أسرح فيها أتأمل.. أستريح.
كان عرشا من أشواك لها عطر الورود ..تركها لي ذاك الغريب و رحل .. ليتني ناديته أن لا يرحل..
الآن لي في كل يوم جلسة طويلة عند عرشه أشم عطره ..و الأشواك تطول مع الأيام لتصل إلي و تنغرس في جسدي .. لكني سأتحمل .
أيها القلب الفتيّ ..
لم تعد تناسبني ..
فدقاتك تتعبني ..
لقد قست عليّ الأيام حتى هرمت روحي .. لكنه قدرك أن تعيش معي ..
تقبل عرضي عليك بأن تصمت ..
ونجلس معا بهدوء عند عرش ذاك الصوت .. الغريب..
حتى تغمرنا الأشواك معا ونرحل عن الحياة.
..................................................
