هو ... و ...المسافات : نص / هدى أبو العلا
خُطى على طريق المسافات، تهدهدنى تُحلِّق بى فى سماء الخيال , تلبسنى البراءة، أخاف أن تضيِّعنى المتاهات.. فألوذ بأحضانه، كطفلة بجوار المدفأة فى ليلة شتاء تنعم بالأمان.
رأيته فى حلمى، يسبح بى فى بحر هادئ الأمواج، يعلو بى حيناً على مستوى الماء، وفجأة يغوص بى إلى القاع، وأنا مغلقة فمى، مفتوحة العينين، ورغم ذلك يعلو صوت قهقهة ضحكتى على صوت هدير الأمواج، ألهو بين الأسماك سعيدة منتشية بروعة الألوان، فجأة تجفُّ مياه البحر، لأجدنى وحيدة على أرض متعرِّجة أعانى التخبُّط، فى مكان يشبه الصحراء، ملىء بالسراديب والصلبان، تحولت إلى قلب يرتجف، يئن من غربة الأوطان، كالرادر بحثت عيناى فى كل الأنحاء ربما بحثت عن براءتى وبعضٍ من سناه، صرختُ بأعلى صوتى:
أينك يا أنا....؟!
أخبرنى كيف تبدَّل المكان، فاكتشفتُ أنِّى أصبحتُ بكماء، وشعرتُ بلسعة الوحشة تغوص فى المسام، عندما يضيع منك الأمان، لابُدَّ أن تستند إلى ذراعك بكل قوَّتك، لتهزم الخوف وتنتصر على الأوهام، حاولت القفز على سطح البحر .. إنِّى ألمح من بعيدٍ خيال إنسان... كلَّما قفزتُ أفشل فى الوصول إلى حافة المكان فأعاود مرَّة أخرى، إلى أن نجحتُ وتشبثتْ يداى بحافّة البحر، وقبل الخروج أفقتُ من الحلم، لأجدنى ووسادتى غارقين فى بحرالدموع.
قلت أطمئن نفسى: لعلَّها أضغاث أحلام، لقد نمت قبل أن أتلو أذكار المساء.
وانشغلت بأعباء الحياة، وبين الحين والآخر يطلُّ على خاطرى هاجس الحلم، فأهرب منه بالانغماس فى الأعمال، وجاء المساء كسحابة طار بى الشوق إلى صوته الدافئ، لهمسه، لكلمة أحبك من بين شفاهه تصمت أمامها أقلام الشعراء، ثرثرنا، ضحكنا، تشاكسنا، سمعنا الغناء، تنهَّد فؤادى من نشوة السعادة ونحن نستعرض صفحات المُنى ونلوِّن الكلمات.
ابتسمتُ ساخرة من هواجس حلم كاذب، قلت له : تصبح على خير
كعادتنا كل ليلة، بعدما سبحنا معا فى الآفاق..فقال هو :
أريدك أن تعلمى شيئاً.. لن أترك يدك أبداً، لن تأخذنى منكِ المسافات.. لكنى أخاف عليكِ من ألسِنَة اللئام، الحب مسئولية ليس مجرد كلمات تقال لذا أرجو أن تفهمينى.
فأطلَّ الحلم بثقله أمامى وتحجرت الدموع فى مقلتي .
