ظاء و ضاد
براغماتية الاولين والآخرين/ الجزء الرابع
كتب / نداء مبارك :: العراق
اثناء البحث عن شخصية مثيرة للجدل كصلاح الدين الايوبي، نعثر على شخصية ملازمة لها، تكون كخيال الظل او الذراع اليمين، ترافقها حكايا ونوادر قد تكون حقيقية او نسجاً من الخيال، و"قراقوش" كان بمثابة خيال ظل(الايوبي) وذراعه اليمين، فمن هو قراقوش؟
(هو ابو سعيد قراقوش بن عبد الله الأسدي كان خادماً لشيركوه عم صلاح الدين ثم خادماً له فأعتقه. ولما استقل صلاح الدين بالديار المصرية، سلّمه زمام القصر، ثم ناب عنه مدة بالديار المصرية، وفوّض أمورها إليه، واعتمد في تدبير أحوالها عليه. وكان رجلاً مسعودًا، حسن المقاصد، جميل النية، وصاحب همة عالية،)هذا ماورد عن ابن خلكان في كتابه "وفيات الاعيان":
كما ويضيف: والناس ينسبون إليه أحكاماً عجيبة في ولايته، حتى إن (الاسعد بن مماتي) له جزء سماه "الفاشوش في احكام قراقوش" ونذكر بعضا منها :
** كان من عادة قراقوش كل عام وفي وقت خاص يتصدّق بمبلغ كبير من المال على الفقراء
والمحتاجين. وأتى يوم و قد وزع هذا المبلغ كله، إذ أتته امرأة تشكو له وفاة زوجها وهي لا تجد ثمن الكفن ، فقال لها: إن مال الإحسان قد صرف كله هذا العام فارجعي الينا في العام المقبل لنعطيك بمعونة الله ثمن الكفن!!
**قراقوش طلب من أحد القضاة أن يهيئ له حساب القمح والشعير والفول والحمص، ووضع القاضى الحساب فى صحيفة واحدة، فاختلط الأمر على قراقوش وظن أن القاضى خلط الأصناف ببعضها، وأمر بحبسه. لكن القاضى تنبه إلى أن الأمر التبس على ذكاء قراقوش، فأرسل إليه من الحبس بحساب كل صنف فى صحيفة واحدة، عندها سر قراقوش وعفا عنه قائلا«لقد تعبت يا فقيه.. نقيت هذا من هذا وذا من ذا، زفوه فى المدينة!!
**سابق رجلاً بفرس له، فسبقه الرجل بفرسه، فحلف أنه لا يُعلفه ثلاثة أيام. فقال له السابق: «يا مولاى يموت». رد قراقوش: "اعلفه ولا تعلمه أننى دريت بذلك"!!
فمن هو ابن المماتي الذي ذكره ابن خلكان في وفيات الاعيان؟
(هو الأسعد بن المُهذَّب بن مينا بن زكريا بن مَمّاتي كاتب، شاعر، إداريّ، ومؤرخ مسلم مصري، يرجع أصله إلى أسرة (ممّاتي) النصرانية التي تبوأت منزلة رفيعة في عهد الدولة الفاطمية، وكتابه (الفاشوش في حكم قراقوش)، إذ انفتح الفاطميون كثيراً على أهل الذمة وعينوهم في مناصب رفيعة)!
كما وكتب عنه ابن كثير في كتاب البداية و النهاية:
"الأمير بهاء الدين قراقوش: الفحل الخصي، أحد كبار كتاب أمراء الدولة الصلاحية، كان شهما شجاعا فاتكا، تسلم القصر لما مات العاضد، و عمَّر سور القاهرة محيطا على مصر أيضا، و انتهى إلى المقسم، و هو المكان الذي اقتسمت فيه الصحابة ما غنموا من الديار المصرية، و بنى قلعة الجبل...)
في مقال للدكتور محمد عبد الستار البدري(سفير مصر في موسكو):
"أقسم الرجل على الولاء للعائلة الايوبية، وعينه صلاح الدين رئيسا للديوان السلطاني بعدما تجرأ الاخير وانهى الخلافة الفاطمية في مصر وحول مذهب الدولة من (الشيعة إلى السنة) وكان "قراقوش"الرجل المناسب، فلقد أحكم قبضته على القصر تماماً، ويقال إنه فرق بين بقايا ذكور الأسرة الفاطمية والنساء، منعا للتكاثر وتفاديا لمطالبات مستقبلية!!
اقول: عند البحث علينا ان لا نكتفي بمصدر واحد، او نختاره موافقاً لتوجهاتنا واعتقاداتنا، فيكون وجود البحث من عدمه سواء. في قول لاحد المعصومين: (اضرب الباطل ببعضه يخرج لك الصواب) وعليه دخلت دوامة المصادر الموافقة منها والمعارضة، الصحيحة والباطلة وخرجت بالاتي:
*قراقوش باتفاق الجميع كان خادما، فحلا خصيا! اي لايمكنه الزواج والانجاب، وبالتالي ليس عنده زوجة ولا اولاد، بمعنى انه تجرد من اي عاطفة او رحمة، وقد نُزعت منه عنوة (كما باقي المماليك) من قِبل مملوكيهم، ليتفرغوا لخدمتهم تماما، لذلك تراه ظالماً يبطش بالناس لشعوره بالنقص، وقد يتفوق عسكريا كما قراقوش، لذلك اعتمد عليه صلاح الدين في بناء القلاع (بناها من حجارة(٦٠ )هرما! اي انه هدّم حضارة عمرها الاف السنين)، واقام الاسوار مستخدماً الناس للسخرة (عنوة) تاركين عوائلهم ومصادر رزقهم، غير قادرين على توفير ثمن كسرة من الخبز، ولا يمكنهم الرفض امام بطش قراقوش.لذلك لازالوا المصريين واهل الشام يرددوا قول (حكم قراقوش)عندما يتعرضوا للظلم!
*الدولة الفاطمية وباجماع المؤرخين المعاصرين لها، كانت دولة مدنية عصرية، لها من المكتبات والكتب مالم تتوفر في باقي الديار الاسلامية، منذ نشوءها ولحد وقتنا هذا، احرقها صلاح الدين، وقضى على الفاطميين مستعملا كل اساليب القتل والتهجير واشاعة الفوضى معتمدا بذلك على ذراعه اليمين (قراقوش) الفاقد لكل معاني الرحمة والانسانية.
*الدولة الفاطمية كانت دولة ذات نظام ديمقراطي، بدليل كلام ابن خلكان بانفتاحهم على اهل الذمة، والدليل تسنم (المماتي) منصب رفيع بالدولة، في الوقت تداول الحكم في زمن الدولة الايوبية بعد صلاح الدين اخوانه واولاده لحين سقوطها.
*ابن كثير يصف قراقوش بانه فاتكا! وهل فتك الا بالمسلمين من الدولة الفاطمية، ونفذ العديد من المجازر باشارة من سيده صلاح الدين، واستخدام الالاف من البسطاء لتنفيذ مشاريع لاتصب الا في صالح العائلة الايوبية، وكما اكد ذلك الدكتور البدري عندما اعلن القَسم من قبل قراقوش للولاء للعائلة الايوبية، كما وصف (البدري) جرأة صلاح الدين في القضاء على الدولة الفاطمية وتحويل مذهب الدولة من الشيعي الى السُني( وهل ان الشيعة الا مسلمون)! ناهيك عن مخططات صلاح الدين اللاانسانية بالقضاء على الفاطميين بتفريق النساء عن الرجال، تفاديا من مطالبات مستقبلية، وهي الخوف من سيطرتهم مرة اخرى.
*اما كتب المماتي(الفاشوش في حكم قراقوش) وما فيه من حكايا تدل على غباءه في الحكم، فقد تكون صحيحة استنادا الى شخصية قراقوش واستهتاره بالانسانية والضحك على الذقون! وقد تكون مفتراة من قبل (المماتي) لاسقاط قراقوش من عين صلاح الدين. والغريب في الموضوع ان كل من يعارض (المماتي)في حكاياه، يجتهد في سردها في كل موقف وموضع وبذلك يُثبت صحتها!!
ومسك الختام : لازالت الحركة البراغماتية مستمرة، وصلاح الدين يحكمنا! شاهراً سيفه بوجه شعبه، ذليلا لاهوائه ومصالحه، مستعينا بالصليبين الجدد! ولازال قراقوش الذراع اليمين الذي لايرعوي، قد بيعت انسانيته، ولازالت ماكنة الاعلام المنحرف تصدع رؤوسنا، وستكتب وتؤرخ مقابل دراهم معدودة! شخصيات تغطي (السيوف) خيانتها وحيودها عن طريق الحق والاسلام، ولازال الشعب ينبهر بهذه البطولات، مصدقا لها، ومواليا لابطال من ورق!!
