وعي مسمار .. قصة :: ابتهال الخياط
دكان يظهر فيه رجل في الستين من العمر امتهن صناعة التوابيت..يتراكم عدد منجز منها أمام الدكان في حين تتجمع داخله قطع الخشب وأكوام مسامير منتظرة أن تدخل في تكوين توابيت جديدة ..والرجل يضرب بمطرقته على المسمار تلو المسمار وقد بدت عليه إمارات التعب والامتعاض والغضب ليُنزله على المسمار المسكين "بَطلي" الذي اعوج لينال حظه العاثر من بصقة الرجل ثم برميه الى الخلف مرتطما بالحائط ومستقرا على الأرض بانكسار محني الظهر ! فرفع رأسه يتلفت بحزن ومذلة ينظر الى من سبقوه من إخوته المسامير المعوجة أو الفاقدة للرؤوس.
هنا تسائل :ماذا لو كان هنا صبيا ما يقوم على إصلاح أمرنا لنعود الى العمل بدل هذه الإهانة ! يا لكبريائي المحطمة على أعتابك أيها النجار المقيت..لن أترك حقي في رد بصقتك وإلا فلن أكون مسمارا من حديد بل من خشب!.
دخل رجلان الدكان وكانا على عجل :
يارجل توابيتك في الخارج قليلة لاتكفي والوقت المتبقي بضع ساعات فقط حتى الغروب .. إنك تتلكأ في العمل وتعرف مصيرك إن لم تنجزها حيث لن نحتاج الى تابوت لك سنجعلك رمادا تذروه الرياح وكما ترى الجو عاصف.
أجابهما النجار : أعلم ..واصدقكما وربي امهلاني وستجداها جاهزة عند الوقت المعلوم.
خرج الرجلان وعاد النجار الى مطرقته بشكل أقسى وأمرّ من السابق والمسامير تأخذ مكانها مستقيمة في الخشب متسابقة في أيدي النجار كي يكتمل العمل كما الوعد والوعيد.
نهض المسمار المعوج"بَطلي" مرتفعا رغم اعوجاج ظهره وصرخ بصوت عالي:
يا قومي.. أيها المسامير .. أيها العظماء عبر التاريخ ..مابالكم ترضخون بالذّل ..ألستم من حديد ، ذاك الحديد الذي ألآنه الله عزوجل للنبي داود فصنع منه السيوف والدروع والحصون ..كنتم لباس الأبطال والفرسان والشرفاء من المقاتلين ..مابالكم الآن مسامير في توابيت ضحايا القتل والتنكيل ..ايّ مهزلة تعيشون؟ الآلآلآتنظرون؟
وهنا انتفضت المسامير وبلحظة استنفرت وانخلعت جميعها من أماكنها وتراكمت خلف القائد المعوج الظهر سليل حديد السيوف والدروع والقتال الشريف.
واستدار النجار ليرى أن جميع التوابيت أصبحت مجرد ركام خشب ولا توابيت.
وحان الوقت المعين لاستلامها وكانت الدهشة حين حضر الرجال !!!
قال أحدهم : ماهذا يارجل؟لاتوابيت!
أجاب النجار :مولاي لا أدري ! انتفضت المسامير وخرجت من ثقوبها ! لقد أعلنت الحرب عليَّ.
شهق الرجال : ماذا تقول أيها المجنون ؟
أجاب النجارمرتجفا :والله هذا ماحدث.
ارتعب الرجال و اخذهم الذهول .
قال احدهم : ماذا سنفعل الان؟
ردَّ آخر: أول شيء نقتل المجنون.
....
"مازلنا في الدكان والنجار وسط دائرة الرجال حيث التلاشي مع الغبار" صرخ :عندي حل , لنعمل مساند كما في القديم ,قماش وخشب ويُحمل الموتى الى مدافنهم ...ها ..ممكن اليس كذلك؟
فقال أحدهم ليس أمامنا غير ذلك ..هيا لنتصرف بسرعة.
أنجز الرجال العمل بسرعة ..وحُملت الجثث على المساند وسط صرخات الرجال وعويلهم وهتافاتهم ولكن اليوم التعيس لايأبى الا ان يتم .
ظهرت مجاميع من الفقراء الماكثين على الطرقات بانتظار الصدقات..وقد بانت الخيرات ..ذبائح ستوزع بكثرة ..اليوم عشاؤنا كريم"هكذا ظن الفقراء..بالأتقياء "
فأخذوا يهرولون باتجاه الحاملين للذبائح وهم يهتفون "الله اكبر ..الله يزيدكم من نعمه وتذبحون الذبائح وتسدون أفواهنا بلقمة طيبة."
شاهد الرجال منظر القادمين اليهم ..فهالهم الأمر فما كان منهم إلا أن رموا مابأيديهم وفروا فرار الهارب من قطيع وحوش.
وصل الفقراء متلهفين متسابقين الى محافل الصدقات وايديهم ممتدة الى القطع الأكبر والأجود ..وهنا ساد الصمت " إنها أشلاء بشر ..هذا رأس ..وتلك ذراع .. واحشاء .. وغزارة دماء .
" انتبه الفقراء من غفلتهم وسط الظلام وحبكة الظُلم ..تلفتوا حولهم "لا أحد " فقرروا "دفن الأنقاض البشرية " حفروا باظافرهم الحفرة و أودعوا الموتى فيها ..وطمروها بالتراب المغموس بالدماء..فكان قبرا جماعيا بلون أحمر. وبحثوا عن قطعة ما لتكون علامة له. وجدوها....قطعة من حديد وفيها مسمار . أخرج أحدهم المسمار وأخذ ينقش على الحديد بقوة جوعه وغضبه :"هنا مقبرة الصدقات ".وجلس الجميع بوجوم وحزن قرب المقبرة.
أما الفارون فكان ملاذهم الدكان حيث النجار دخلوه و أغلقوا الباب وجعلوا الأخشاب بابا إضافيا خوف قدوم الاشباح .
تلفتوا حولهم لاشيء سوى المسامير والنجار .
قال أحدهم : لابد من قتلكَ وحرقكَ أنت السبب .
تكلم المسمار المعوج:دعوني أبصق عليه لقد جرحني.
بهت الحاضرون ..وقالوا بصوت واحد : مسمار يتكلم ؟!
بصق المسمار المعوج بصقةً من نار لفحت الجميع و احترق الدكان بما فيه وعلت النيران في كل مكان حوله..وخمدت بعد ما أكلت حاجتها ..وحل السكون.
تقدم الناس يبحثون في الركام المحترق فلم يجدوا غير ""كومة حديد كانت ربما لمسامير كان أحدها معوجا"
......................................................
.
