** شهية **
مذ أن وطأتْ قدم أبي الأرض وهو يبحث عن ماهية '' الحياة '' عن سر وجوده في عالم زائل لا محال.. بحث عن كيفية البقاء والتأقلم مع كائنات لاتشبهه' بحث عن ذاته في ذاته و لم يجدها.. لم يكن يعلم ما يحمل في صلبه من بذور إلا بعد أن زرعها في حديقة أمي الرطبه' لينبت في تربتها الشوك والورد جنبا إلى جنب. نعم .. لقد كان الحزن يأكل وجه أمي على ما أنجبت' تمنت لو أن أبي اكتشف القهوة آن ذاك لكانت تعلمت قراءة الفنجان وبصرت كوارث اليوم. كما أن أبي لم يكن عرافا ولا ضاربا للمندل ، لم يدرس علم'' الأبراج والأفلاك '' ..فمن أين له أن يعلم المسكين، بأنه سيترك خلفه رسالة سوداء ممهورة بالشؤم '' رسالة على هيئة ريح صرصر، ستجوب بقاع الأرض بثوبها الملون وتنفث سمومها في جذور الوجود. لم يكن يعلم، بأن نسله سينشطر إلى نصفين ' نصف يحارب نهاراً نجوم السماء' والنصف الآخر سيتحول إلى رياح فتاكة، تجيد الحنكة والحياكة في الظلام... ترسم على وجه الغروب دروب الوهم. ريح بألف ألف وجه... لا تكل ولا تمل، تتمايل كراقصة على منصات التائهين وتجرف بخصرها الفتان قوافل الحالمين. ريح مصطنعة لا تشبه الرياح السماوية، كأنها صنعت بيد الشيطان و على الطريقة الروديسية. برقصاتها الملتوية تتفتل بين الطبيعة، تغافل عيون الشمس وتغازل ظل الأشجار ' ومع كل هزة وهبة؛ تؤرخ للعصافير الفواجع' و توثق للأغصان ( سقوط الأوراق ) - مسكين يا أبي .. رحلت وتركت لنا فانوسا بلا وقود، نحمله في وضح النهار وندور به مثل (( ديوجن )) نبحث تحت أشعة الشمس عن بقايا ( إنسان ) الإنسان الذي ضاع فينا وتاه في عتمة الكون. و شهية البحث ستبقى مفتوحة إلى ما لا نهاية.¡¡
***
على خشبة الحياة
جنبا إلى جنب يقف،
الملاك والشيطان .¡¡
صورة تمثال '' ديوجن'' احد فلاسفة الإغريق
محمد يوسف / سورية .



